×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

خريطة مؤشر الإرهاب العالمي خريطة مؤشر الإرهاب العالمي Global Terrorism Index
الإثنين, 16 تشرين2/نوفمبر 2015

عن التكفيريين في حربهم

كتبه  جعفر البكلي

 

هي حرب تكفيرية هوجاء، تضرب بيروت كما القاهرة، تماما كما تفعل بدمشق وبغداد وتونس، وكذلك تسفك الدم في باريس كما في مدريد وأبوجا...

موقع "صلة" يستطلع آراء عدد من كبار الكتاب العرب، ليحاكموا الظاهرة التكفيرية الإرهابية، ويفصلوا النظر في خلفياتها وأنجع الأساليب في مواجهتها.


المقال الأول يكتبه الأستاذ جعفر البكلي، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة القيروان

 

 

في ظرف أربع وعشرين ساعة فقط، فجّر عناصر إرهابيون تكفيريون أنفسهم في مئات المدنيين، في باريس، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي مدينة الصدر ببغداد، وفي ريف حلب...

وقبل ذلك بأيام وجيزة، ذبح التكفيريون مجموعة من المواطنين الأفغان، وكان كل ذنبهم أنهم ينتمون إلى إثنيّة الهزارة الشيعية!..

وقبلها بأشهر قليلة فجّر التكفيريون الوهابيون مساجد وقتلوا المصلين في صنعاء وصعدة والكويت والدمام والقديح وعسير...

قبلها كان الدور على السياح في مدينة سوسة التونسية، وقبلها في متحف باردو...

وقبل ذلك ذبح المصريون الأقباط في سرت، وسُبيت اليزيديات في سنجار، وتمّ غزو الأكراد في عين العرب، وتمّ تفجير تجمعاتهم في سروش وأنقرة، وخُطفت الراهبات من معلولا والزوار من أعزاز، وقـُتِلَ الإسماعيليون في نجران وفي السلمية، وقـُتل الدروز في السويداء وإدلب، وقـُصِفَ الزيديون في صعدة وعمران، والعلويون في اللاذقية وجبل محسن، وهُدمت زوايا المتصوفين في تونس، ونُبشت قبورهم في ليبيا والعراق وسوريا وجنوب اليمن... وأحرقت تلميذات صغيرات مسلمات بالنار، وكانت جريمتهنّ الوحيدة أنهن ذهبن إلى مدارس ابتدائية في قرية من قرى قندهار، أو في بلدة نائية في شمال نيجيريا، أو في أرياف الكاميرون!...

 

لماذا يحدث كل هذا التوحش في بلادنا وزماننا؟!

لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نقوم بتفنيد بعض الشبهات المتهافتة التي ما زال يروّج لها بعض التكفيريين، وبعض من يموّلهم، ويناصرهم، ويقوم بتلميع صورتهم في الإعلام.

 - والشبهة الأولى للتكفيريين، أنّ أعمالهم "ردُّ فعل على الاضطهاد الذي يلقاه أهل السنة في العالم، وجهادهم دفع لصولة أعداء الله، وذود عن حياض دينه".

ويسوق التكفيريون للترويج لهذا الاضطهاد المزعوم قائمة طويلة من الأعداء المفترضين: (الشيعة/ الصليبيون/ العلمانيون/ العلويون/ الحوثيون/ الأقباط/ الغرب/ الشيوعيون/ البوذيون/ الهندوس/ الأرثوذكس/ اليهود/ العسكر/ الأكراد/ الفُرس المجوس الصفويون/ الأميركيون/ الأوروبيون/ الروس/ الماسونيون/ الصحوات/ المرتدون/ العملاء/ الشبيحة... إلخ إلخ)

باختصار : عدوّ التكفيريين هو العالم كله.. أو جميع من لا ينتمون إلى الحلقة العمياء الصمّاء الضيقة للتكفيريين أنفسهم. وطبعا، يدخل في نطاق "الأعداء" - بل هم على رأسهم- كل المنتمين لمذاهب السنة ممن يخالفون التكفيريين في منهجهم واعتقاداتهم وضلالهم وإجرامهم.

إنّ ذريعة "الدفاع عن مظلومية أهل السنة" ساقطة من ناحيتين:

أولاهما أنّ السنّة أنفسهم اكتووا ويكتوون بإجرام التكفيريين في العراق وسوريا ومصر والجزائر وتونس وليبيا والمغرب وغزة ومالي ونيجيريا وباكستان وأفغانستان...

 وثانيهما أنّ التكفيريين الوهابيين هم الذين بادروا إلى محاربة كل الطوائف، وتكفير جميع المذاهب، ومقاتلة مختلف الأمم الأخرى في العالم العربي والإسلامي والغربي والشرقي.

- وأمّا الشبهة الثانية للتكفيريين، فهي أنهم يريدون إقامة خلافة إسلامية على منهج النبوة. وأنّ تحقيق تلك الخلافة سيعيد للإسلام أنواره، وللمسلمين أمجادهم.. وفي سبيل هذا "الهدف العظيم" ترخص الدماء، وتبذل الأرواح، وتطيب المنايا.

وردّ هذه الشبهة بسيط.. فالخلافة (أو أي شكل آخر من أشكال السلطة) هي وسيلة وليست غاية.. وكذلك الحُكم (سواء كان إسلاميا أو غير إسلامي) ما هو إلاّ أداة لتحقيق مراد وهدف. فإذا أصبحت السلطة هي الغاية، والحُكم هو الهدف في ذاته، تحوّل الأمر إلى هوس وجنون وطغيان وخَبَل... وهكذا فإنه حينما تحوّلت الخلافة الإسلامية، في أزمنة ماضية، إلى ملك عضوض، فقدت "الخلافة" كل قيمة وشرعية، وأصبحت عبئا على الناس والأقوام، وانتهى الأمر بهم إلى نبذها، والتخلص منها، ومحاولة استلهام تجارب جديدة أخرى لحكوماتهم وأنظمتهم وإدارتهم.

- والشبهة الثالثة للتكفيريين، أنهم بجهادهم ضد الكفار يقيمون شرع الله في الأرض.. وأنّ أعمالهم كلها، هي اقتداء بسنّة الرسول (ص) وسيرة صحابته وتابعيه.

والردّ على مثل هذا الإدعاء أهون مما سبق. فما كان الرسول يقتل من لا يقاتله، وما كان يظلم من لم يمسه بأذى، وما كان يقتل المارة في الطرقات، وما كان ينبش القبور، وما كان يذبح الرهبان وينسف الصوامع، وما كان يحرق الفتيات الصغيرات اللاتي يسعين لطلب العلم... حاشاه الرسول مما يفعله هؤلاء القتلة الدمويون المتوحشون.

 وأمّا تمسّح التكفيريين بدين الإسلام، لأجل تبرير ولغهم في الدماء، فالقرآن نفسه يجيبهم حين يقول:

- {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}

 نحن إذا نحيْنا جانبا هذه التبريرات العقيمة والترهات السقيمة التي يرددها التكفيريون، لا يبقى أمامنا لتفسير إجرامهم سوى حقدهم الأعمى، وشرّهم الأحمق، ولؤمهم الخسيس الذي يؤذون به الإنسانية جمعاء!

 

 

 كيف يمكن أن نواجه هذه الظاهرة الشريرة؟

 أولا: لا سبيل إلى دفع أذى التكفيريين بنجاح، ما لم نستأصل موطن دائهم، ومنبع علتهم، ومنبت جراثيمهم. فالتكفيريون (مهما اختلفت مسمياتهم: قاعدة/ داعش/ نصرة/ أنصار شريعة/ طالبان/ جيش إسلام/ أحرار شام/ مهاجرون وأنصار...) ينتمون جميعا إلى ذهنية ومرجعية ومدرسة واحدة، هي الوهابية التكفيرية. فلا بد حينئذ من محاربة هذه المدرسة بكل تشعباتها وأقنعتها ومسمياتها... وذلك لأن من منبعها تنبثق كل هذه المجاري التي تعادي العالم أجمع، وتسعى لاستئصال الحياة، وتعمل على استباحة الدماء والحرمات. وإنه بدون التصدي للخطر الوهابي، وفضحه، وتجريمه، وتحريمه، وإدانته، وتضييق موارده ومسالكه، وتفنيد شبهاته، وتقويض هياكله... فإنّ الخطر التكفيري سيبقى بازغا ناجزا مهما واجهته الإنسانية بالتصدي أو بالتوقي. وذلك لأن منبع الإرهاب الأصلي سيبقى يزخ سموما وأحقادا وكراهية، من أقدس بلاد المسلمين حُرمة!

 ثانيا: إنّ وسائل الإعلام التي تروّج عمدا وقصدا دعاية "داعش"، وتستقصد أن تسميها "الدولة الإسلامية"، وتضخم "إنجازاتها"، وتدافع عن أطروحاتها... يجب أن تفضح أيضا، وأن تدان، وأن تعرّى. ومثال على هذا المسلك الرخيص قي الدعاية للتنظيمات الإرهابية، التي ما زالت تسلكه قناة "الجزيرة" التابعة للحكومة القطرية، يوميا.. فلا تكاد تخلو نشرة من نشرات أخبار هذه القناة، من فقرة ترويجية لدعاية وكالة "أعماق" ذراع "داعش" الإعلامية. وليس يخفى أنّ هذا الترويج الفاضح لدعاية التنظيم الإرهابي يراد من خلاله تسويق عمله عند المشاهدين والمتابعين للقناة القطرية!

ثالثا: من الواجب إقامة تعاون دقيق وتحالف وثيق بين كل المتضررين من إرهاب التكفيريين، وذلك لأجل التصدي لمخاطرهم، وتبادل المعلومات عنهم، ومكافحتهم في كل زاوية وناحية وساحة... أما إذا تعددت الأجندات وتخالفت الغايات وتباينت الأهواء، فإنّ الإرهابيين سيجدون حبالا كثيرة تُمد لهم في العلن والخفاء، ليقفزوا إليها ويرقصوا عليها!

رابعا: إنّ الحرب على الإرهاب طويلة وواسعة وعميقة. لذلك وجب أن تتظافر جهود أمم بكاملها لردم منابع التطرف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية... فبدون محاربة للفقر والتهميش والاضطهاد والقمع والاستبداد والجهل والطائفية والعنصرية والجهوية واليأس... فلن تنجح الحرب ضد الإرهابيين.

 

 

إنها معركة كبيرة جدا..

إنها معركة الحياة ضد الموت.. معركة الإنسانية ضد قوى الظلام.. معركة الأخوّة ضد الكراهية...

إنها معركتنا جميعا.. وهي تستأهل أن نبذل فيها غاية جهدنا حتى ننتصر.. وسننتصر، بحول الله وقوته.  

1 تعليق

  • تعليق عباس الثلاثاء, 08 كانون1/ديسمبر 2015 20:45 أرفق عباس

    توصيف دقيق للداء والدواء بالتوفيق ان شاء الله.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة