×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

السبت, 23 أيار 2015

"يلّا عقبالكن"... ومشكلات أكبر من صورة الشخصية المصرية

كتبه  أحمد شوقي

 

 

ضمن فعاليات مهرجان طرابلس الثاني للأفلام، والذي أقيم مطلع مايو/ أيار الحالي في المدينة اللبنانية الشمالية، اختارت إدارة المهرجان الفيلم الجماهيري "يلّا عقبالكن" ليكون عرض الافتتاح الرئيسي. وفي مساء أول ليالي الشهر، شهدت المناقشة مع مخرج الفيلم إيلي خليفة ومنتجته وبطلته نبال عرقجي بعض الجدل.

جدل أثاره الحضور حول الصورة النمطية التي يصدّرها الفيلم للشخصية المصرية، متمثلة في شخصية الطبيب المصري (يجسده الممثل والمذيع أيمن القيسوني)، الذي يدخل علاقة قائمة على الكذب مع إحدى بطلات الفيلم الأربعة (دارين حمزة)، مكرّسا صورة ما تكرره صديقتها (ندى أبو فرحات) أكثر من مرة عن كذب المصريين.

الطريف أن الاعتراض جاء من أبناء طرابلس، الذين كانوا في صالة العرض بمركز الصفدي الثقافي، بينما ثلاثة مصريين على الأقل، من بينهم كاتب هذه السطور، لم يجدوا في الأمر ما يستحق الاعتراض أو اتخاذ موقف يتهم الفيلم بإصدار الأحكام، أو لنكون أكثر دقة، فإن ما في الفيلم من مشكلات فنية كان أكبر وأهم بكثير من التوقف عند موقفه من شخصية المصري فيه.

ببساطة، كي تحاسب صناع فيلم على ما يمكن أن تعكسه إحدى شخصيات العمل، يجب أن تكون مقتنعا في البداية أنهم فكروا في شخصياتهم بشكل عميق، ووضعوا توقعات لتأثير مسار حكاية كل شخصية لدى المشاهدين، وهذا أمر يبدو للعيان أنه غائب عن شريط إيلي خليفة.

تركيز وتمايز غائبان:

هذا فيلم صُنع بتركيز غائب، أراد صناعه -وعلى رأسهم المنتجة/المؤلفة/البطلة نبال عرقجي التي يبدو من كل شيء أنها صاحبة التأثير الأكبر على كل عناصر العمل-، أن يقدموا صورة بانورامية لمشكلة أبدية في حياة المرأة الشرقية: هاجس العنوسة والخوف من الوصول لسن الأربعين دون زواج.

مشكلة تبدو متجذّرة في كل مجتمعاتنا العربية، مهما ادعت السيدات التمدن والحرية، تماما كبطلات الفيلم الأربعة، اللاتي يعشن في بيروت حياة مستقلة ناجحة، لكن كل واحدة منهن تعاني على طريقتها من أجل العثور على فارس الأحلام.

مشكلة الفيلم هي هذه الرغبة البانورامية في قول كل شيء عن الأمر، المشكلات الجنسية والنفسية وحتى المرضية، العلاقة مع الأهل والأصدقاء والأحبة المرتقبين، الخوف من الارتباط والحرص المفرط عليه، الرجال الضعفاء والكاذبين و"الجغلان" المنتشين بأنفسهم... استعراض كانت مفرداته أكثر من أن تُجمع في عمل وحيد دون أن يفقد أهم ما يجب أن يمسك به فيلم كهذا: المنطق الإنساني.

شخصيات البطلات الأربع رُسمت على عجل، تكاد تكون تالين (ندى أبو فرحات) هي الوحيدة المتمايزة عنهن بجرأتها الجنسية ورفضها للارتباط، بينما صديقاتها الثلاث يحلمن تقريبا بنفس المواصفات، ويخضن نوعيات المشكلات والعلاقات نفسها، حتى أنك لن تجد صعوبة كبيرة في إجراء أي تباديل أو توافيق ترغب فيها، فلو نقلنا الأم الهستيرية الراغبة في تزويج ابنتها (جوليا قصّار) لتكون والدة ليان بدلا من ياسمين، فلن تتأثر الدراما كثيرا، ولو جعلنا زينة (مروى خليل) هي من تحب رجلا متزوجا يعدها عبثا بترك زوجته بدلا من صديقتها، لما احتاج الأمر إلى أكثر من تعديلات لا تكاد تذكر، وهكذا لن تجد شخصية درامية حقيقية ذات خصوصية بخلاف تالين، التي يقضي الشريط على تمايزها لاحقا بطريقة أكثر راديكالية سنعود لها لاحقا.

بناء درامي ضعيف:

الأمر لا يتوقف عند كون الفتيات نسخا مكررة، بل يمتد لضعف منطق بناء الذهنية الحاكمة لعلاقتهن. نتفهم بالطبع قيامهن بتنازلات نابعة من توّق محموم لنجاح العلاقة، أي علاقة، لكن هذا لا يعني أن تظهر كل منهن حرفيا كالبلهاء: الطبيب المصري يكاد يصرخ في ظهوره الأول قائلاً "أنا كاذب، أتهرب بأي حجة من حضورك لمصر"، لكن ياسمين تصدقه دون ذرة من الشك تجاه مبرراته الواهية. أما وسيم (بديع أبو شقرة) فيمكن لأي عاقل أن يدرك من أول مشهد أنه لن يترك زوجته من أجل عشيقته، لكنها الوحيدة التي لا ترى هذا الوضوح، بالرغم من أنها الوحيدة التي تشاركه الفراش!

وحتى عندما يقع تصعيد درامي قوي بقدوم زوجته واتهامها القاسي لليان بالعهر وانعدام الكرامة، وبعدما تثور الفتاة وتسب حبيبها وكذبه وتلاعبه، تعود لتغفر له عند أول اعتذار لمجرد أنه أهداها تذكرة لقضاء عطلة في فينيسيا، دون أن يعي صنّاع الفيلم أن هذا ربما يعني لامرأة في مأزقها اعتراف صريح بالعهر، فهي تريد زوجا وحبيبا لا رحلة لأوروبا.

هذا الخلل ينبع كما قلنا من رسم الحدث الفيلمي دون التفكير فيما يعنيه هذا الحدث دراميا ونفسيا وإنسانيا، فالأهم هو حرارة الحدث، وإيكزوتيكيته أحيانا، والأهم أيضا أن تظهر النساء على طول الخط ضعيفات مظلومات، ضحايا لرجال كاذبين متلاعبين لا يريدون إلا علاقات جنسية خالية من الارتباط، وهذا بالطبع تجن واضح على الحقيقة والمنطق والدراما.

نهاية انتكاسية:

العجيب أن هذا الخيار لملائكية المرأة ومظلوميتها أمام الرجل يتناقض كليا مع النهاية التي يصل لها الفيلم، السعيدة ظاهريا، الانتكاسية في جوهرها، بوصول ثلاثة من البطلات للسعادة بالعثور أخيرا على حبيب راغب في الزواج.

يؤكد الفيلم -على عكس مساره كله- أنه الزوج هو الملاذ الأخير الذي تجد المرأة عنده هناءها المنشود، لدرجة أن الوحيدة من الصديقات التي لم تجد الزوج بشكله الفيزيائي، تقوم بالتقاط باقة الورود التي ألقتها العروس، أي أن الدور آت عليها قريبا لتجد الفرحة والزوج والأسرة.

نهاية تهدم كل فكرة إيجابية قد يكون الفيلم زرعها عرضاً عن استقلالية المرأة، وضرورة تفهم اختلاف الحيوات والرغبات ومصادر السعادة، فحتى كالين التي قلنا إنها الوحيدة المختلفة المالكة لفلسفة خاصة في التعامل مع العلاقات، يتضح في النهاية أن فلسفتها مجرد حيلة دفاعية سببها الخوف من الفشل في الحب، لتجد حبيبا وزوجا، وتتحول هي الأخرى إلى امرأة تعيش دورها في عالم تقديس الزواج.

صحيح أن قصة حب تالين هي القصة الأكثر عذوبة وصدقا في الفيلم (ربما لأنها تقع لشخصية واضحة المعالم يمكن للمشاهد تفهم مخاوفها وخوض الرحلة من الرفض للتسليم معها)، إلا أن هذا الاستسلام كان من الضروري أن يتوازى معه أي شكل آخر للمقاومة، لا يجعل الفيلم ينتهي باستنتاج قاطع مفاده أن الزواج هو الحل الوحيد.

مشكلة النهاية أيضا أنها تأتي -بالنسبة لياسمين وليان وزينة-  بصورة قدرية تماما، أو لنقل بصورة جبرية لأن هذا هو الوقت الذي يجب أن ينتهي فيه الفيلم، لكن إذا نظرنا للشخصيات الثلاثة على حدة، فلن تجد أن إحداهن قد تعلمت شيئا يذكر من خبرتها السيئة، أو بحثت عن شريك حياتها بشروط أكثر تعقيدا بناء على ما شهدته من رجال آخرين. فقط تصادف أن تقابل ياسمين زوجها المنتظر في طائرة وتلقاه زينة في مستشفى، بشكل يطرح السؤال المنطقي جدا: ماذا لو كانت ياسمين قد قابلته قبل أن تتعرف على الطبيب المصري؟ لم يكن الأمر ليتغير كثيرا، كانت ستتعرف عليه وتحبه وتتزوجه، دون فقط أن تضيع عامين في علاقة أخرى بدأتها بنفس الشروط والملابسات تقريبا.

هذا تناقض طريف في الحقيقة يكشف مجددا عن افتقاد الفيلم لأي شبهة عمق، فبطلاته بريئات تماما لا يعيبهن إلا الملائكية مع ذكور أشرار، يخضن معهم تجارب مؤلمة فلا يتعلمن منها شيئا، ويعدن لتكرار نفس التجارب حرفيا، لكن القدر هذه المرة يمنحهن رجالا أفضل كي يكفل للفيلم نهاية سعيدة.. بالزواج طبعا!

نظراً لكل ما سبق، لم يكن من الممكن اتخاذ أي موقف من صنّاع "يلا عقبالكن"، باعتبارهم يكرسون صورة نمطية سيئة عن المصريين، فلعل صورة المصريين هي الأهون، وإذا كان على إيلي خليفة ونبال عرقجي الاعتذار لجماعة أساءوا لصورتها، فستكون جماعة النساء وقضيتهن بشكل عام.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة