×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

اجتماع لمجلس فرسان القديس يوحنا اجتماع لمجلس فرسان القديس يوحنا
الثلاثاء, 31 كانون2/يناير 2017

أبواب المشرق المقدسة – الحلقة الثانية عشرة: رهبان مقاتلون

كتبه  وليد فكري

"وحتى الآن تخوضون غمار حروب غير ضرورية فيما بينكم، وإنكم تطلقون السهام المسمومة في وجه بعضكم البعض في مذبحة متبادلة ولم يحفزكم إلى هذا العنف المتبادل سوى الجشع وحب المال، والغطرسة والكبرياء، ولذا فإنكم تستحقون الموت والهلاك واللعنة!

والآن نقترح عليكم خوض حروب تجلب عليكم مكافأة الاستشهاد المجيد، تلك الحروب التي تؤكد للمحارب الحق الشرعي للمجد الدنيوة والأخروي معًا!"

البابا أوربان الثاني- مجمع كليرمونت- (رواية المؤرخ"روبرت النوجنتي")

"إن الفروسية التي تبيد رعايا وشعب المسيح ليست فروسية السيد المسيح.. لقد احتفظت الكنيسة المقدسة بفروسيتها وفرسانها الذين يدافعون عنها.. فإذا أردتم أيها السامعون أن تخدموا وتصونوا أرواحكم من اللعنة، فأمامكم طريقان، إما أن تنبذوا هذه الفروسية أو أن تواصلوا عملكم بجسارة كفرسان المسيح وتشقوا طريقكم على وجه السرعة للدفاع عن الكنيسة في فلسطين وبلاد الشام!"

البابا أوربان الثاني – مجمع كليرمونت- (عن المؤرخ بلدريك الدوللي)

                                         ***

من هذا المنطلق كان المخرج المتوفر للآباء الأوائل لـ"الهيئات الدينية العسكرية" من التجريم المسيحي القديم لفكرة القتال.. فالبابا أوربان في دعوته الأولى للحملات الفرنجية إلى الشرق أظهر تبنيه لمنطق سان أوجستين-الذي كان أشهر آباء ومنظري الكنيسة في القرن الخامس الميلادي-عندما تحدث عن الحرب العادلة أو "المقدسة" واضعًا ثلاث شروط صارمة لاكتسابها الشرعية والقبول الإلهي: الشرط الأول هو أن تكون تلك الحرب دفاعًا عن الممتلكات والأرواح والأعراض المسيحية، والثاني أن تكون نوايا المشاركون فيها حسنة خالصة لنصرة الحق، والثالث أن يكون قرار الحرب صادر عن قائد أو سلطة "علمانية" وليست كنسية..

بهذا المنطق كانوا يفكرون، فأما عن كونها حرب دفاعية فهي كذلك لخروجها أصلًا بغرض الدفاع عن أرض المسيح وقبره وشعبه، وأما عن حسن النوايا فهل من نوايا أنبل من تلك التي لمن هجر بلاده وسافر حاملا شارة الصليب لدحر الهراطقة أعداء الرب؟ وأما عن قرار الحرب فقد كان للقادة والأمراء وإنما كان نداء الكنيسة مجرد دعوة مجردة، أما القرارات والتحركات فهي للقادة.. حسنًا،هي حرب مقدسة إذن..

                                     ***

من رحم تلك الأفكار وُلِدَت أشهر هيئتان جمعت كل منهما بين الصفتين الدينية والعسكرية: هيئة فرسان القديس يوحنا المعروفة عربيًا بـ"الإسبتارية"(الهوسبتاليين) وهيئة فرسان المعبد المعروفة عربيًا بـ"الداوية"..

                                                    **

بينما لميلاد "فرسان المعبد" تاريخ معلوم فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للهوسبتاليين، فالنشأة الأولى لمنظمتهم كانت فيما قبل الحملات الفرنجية أصلًا بما يقرب من العشرين عامًا..

كان ذلك في عصر سيطرة الفاطميون على بيت المقدس، عندما توجه بعض التجار الإيطاليين من مدينة "أمالفي" إلى السلطات في القاهرة وطلبوا منها أن تسمح لهم بإنشاء مستشفى لرعاية وضيافة الحجاج المسيحيين الزائرين للأماكن المسيحية المقدسية، وقد كان، فأقيم في الحي المسيحي مستشفى ودير ودير آخر للنساء، وتطوع للعمل رهبان من أمالفي ومن بعض الأسر النبيلة أو وارثي الفروسية.. وكان تمويل المؤسسة معتمدًا على التبرعات والإحسانات بالذات من التجار الأمالفيين المعروفين بالتديُن الشديد، فضلًا عن أولئك الذين حركت مشاعرهم الشائعات التي كان بعض المتطرفين من الأوروبيين ينقلونها عما يعانيه الحجاج إلى قبر المسيح من قمع وظلم "الهراطقة".

قبيل الحملة الفرنجية الأولى وحصار بيت المقدس كان المشرف على المستشفى ودار الضيافة رجل اسمه "جيرار"، كان أحد الحجاج ثم تطوع للخدمة في المشروع..  وتختلف الروايات حول ما قاساه من السلطات الفاطمية عند غزو الفرنجة لبيت المقدس، بين من يقولون أنه نُفِيَ مع عدد من المسيحيين خوفًا من تعاونهم مع الغزاة، ومن يروون أن السلطات شكت أن لديه أموالًا طائلة فاعتقلته وتعرض للتعذيب حتى التوت أطرافه، ومن نسجوا أسطورة أنه كان يلقي الخبز للقوات المحاصِرة، فلما قبض عليه الفاطميون وكشفوا عن سلة خبزه تحول الخبز-بمعجزة إلهية-إلى حجارة فنجى من العقاب!

في كل الأحوال فإن جيرار قد بقي مقدمًا للمؤسسة الهوسبيتالية بعد سقوط القدس، وأنه قد لقي امتنان الغزاة ربما لما كان يزودهم به من معلومات فضلًا عن خبرته بالمدينة...

إضافة لذلك، فإن قيام المستشفى بمعالجة جرحى الفرنجة من معركة اقتحام بيت المقدس قد أذاعت شهرة المؤسسة ورئيسها جيرار، فتضاعفت أعداد المتطوعين لخدمتها فضلًا عن المتبرعين ماليًا لصالحها، وتلك الأحباس (الأوقاف) التي أوقفتها عليها سلطات المدينة..

لهذا لم يكن غريبًا أن يصدر عن البابا باسكال الثاني-خلف أوربان الثاني-سنة 1113م مرسوم بابوي يضفي حماية البابوية على الجماعة ويضع منشآتها تحت رعاية البابا، ويقر المنح والعطايا الموجهة لها ويحصن ممتلكاتها من الاستيلاء بمعاقبة القائم بذلك بالحرمان الكنسي، بل ويعفيها من ضريبة العُشر التي كانت الأراضي الزراعية تدفعها للكنيسة، بل وأعفيَت من "الانتماء الإقطاعي"، بمعنى أن المتملك لإقطاعية في منطقة حكم ملك كان يصبح بشكل آلي تابعًا لهذا الملك ملتزمًا خدمته، أما الإسبتارية فقد أعفوا من شرط التبعية هذا فأصبحت لهم استقلالية في مواجهة المؤسسات الحاكمة..

ومن هنا وُلِدَت جماعة "الإسبتارية" وإن لم تأخذ الشكل العسكري إلا بعد ذلك بنحو خمس سنوات عندما توفي جيرار وتولى الرئاسة خلفه ريمون لو بويه فحولها إلى مؤسسة عسكرية ذات جهاز إداري مركب، مع احتفاظ الجماعة بوظيفة العلاج والاستضافة، وجُعِلَت لها قوانين صارمة تقوم في الأساس على ثلاث مبادئ هي التقشف والطهارة والطاعة للقائد.. ولإدارة مؤسسات ومنشئات ومصالح وضياع المؤسسة، أدخل الإسبتاريون الفئة العلمانية في الجهاز الإداري لأعمالهم، بينما حافظوا هم على حياة أشبه بحياة الرهبان، فتقشفوا في مأكلهم ومعيشتهم وملبسهم الذي كان مميزًا بشعارهم "صليب أبيض" على ستراتهم..

وانقسم أفراد الجماعة لثلاث طبقات رئيسية: الفرسان، وهم المختصون بالأعمال القتالية، المساعدون "السرجنت أو السرجندية في المصادر العربية"، وهم المساعدون في الأعمال القتالية البسيطة والقائمون بالخدمة والعلاج، والوُعاظ، وهم المتولون للأمور الدينية..

واشترطوا للمنضم إليهم أن يكون ابنًا من زواج مسيحي سليم، فيما عدا أبناء النبلاء بشرط إثبات الأصل النبيل للأب، وكذلك أن يكون حسن السمعة وسليم الجسد والعقل..

وهكذا أصبحت مؤسسة "فرسان القديس يوحنا" أحد أهم أثقال الصراع في الشرق..

                                                       ***

أما "فرسان المعبد"-أو "الداوية" في المصادر العربية- فقد تأسست جماعتهم في العام 1118م على يد جماعة من الفرسان ممن لم يكونوا راضين عن انعدام الأمان في تنقلات المسافرين والحجاج المتوجهون لبيت المقدس-وهو وضع طبيعي في ظل حالة الحرب-فتعاهدوا على التزام مبادئ الفروسية والإغاثة والإخلاص للمسيحية، وكان زعيمهم فارسا فرنسيا اسمه هيو دو باينز..

في عهد ملك بيت المقدس بلدوين الثاني مُنِحوا مقرًا في زاوية من القصر الملكي بساحة معبد أو هيكل سليمان، ومن هنا حملوا اسمهم "فرسان المعبد" أو "فرسان الهيكل" (اسمهم بالفرنسية Ordre du temple مما يجعل وصف "فرسان المعبد" أكثر دقة) وجعلوا شعارهم صليبًا أحمر اللون، وانقسموا إلى ثلاث طبقات: الفرسان، الجنود، رجال الدين.. وكما كان حال الإسبتارية، كانت حياة الداوية مزيجًا من حياة الرهبان وحياة المقاتلين، أي أنها كانت حياة خشنة قاسية..

في البداية اقتصر عمل فرسان المعبد على تأمين الطرق وحماية الحجاج-أو المسافرون عامة حيث كان المقاتل الفرنجي(الصليبي) يصف نفسه بـ"الحاج"-ولكن بعد استقرار الأمن في المنطقة نسبيًا-نظرًا للتحالفات والمواءمات مع بعض الأطراف المحلية-تحولت مؤسسة فرسان المعبد إلى منظمة عسكرية تمارس الأعمال القتالية بما فيها من غزو وسيطرة ومشاركة في الحملات..

وبينما كانت أكثر ثروة الإسبتارية الأراضي الزراعية، كانت حيازة الداوية للقلاع أكبر من قرينتها..

                                                    ***

كانت أهمية الهيئات العسكرية الدينية-مثل فرسان القديس يوحنا وفرسان المعبد والهيئات اللاحقة كالتيوتون الألمان وغيرهم-أنها كانت "تعرف الأرض" جيدًا، فكانت بالنسبة للسلطات الداخلية تمثل مساعدة هامة في الحملات وفي تأمين الطرق، وبالنسبة للحملات القادمة من أوروبا كانت تمثل الدليل العالم بالمناطق والممرات وطبيعة الأرض جغرافيًا وطبوغرافيًا واستراتيجيًا...

صحيح أن استقلالية تلك الهيئات كانت تثير ضيق رجال الدين المحليين-لما حصلت عليه من امتيازات بابوية-وربما غيرة بعض الحكام الفرنجة لاستقلالية قرارها السياسي عنهم، إلا أن تلك الاعتراضات والانتقادات لم تكن تؤرق القائمين عليها..

والحقيقة أن دور المؤسستين لم يقتصر على الإغاثة والحرب فقط، بل قد استغلت كلا منهما ثراءها الفاحش-بسبب العطايا والإعفاء الضريبي-في أعمال ذات طابع اسثماري بحث، فامتلك فرسان القديس يوحنا السفن لنقل التجارة في البحر، ومارس فرسان المعبد الإقراض وإعطاء السندات والصكوك المالية فيما يوصف بأنه من بدايات ظهور البنوك الحالية..

صحيح أن هذا كان يتعارض مع التزام الفرسان قسم التقشف والفقر، ولكن هذا مردود عليه بأن القسم يخص "شخص الفارس" وليس المنظمة.. وإن كان هذا الفارس-حتمًا-قد تأثر بما اكتسبت منظمته من ثراء..

                                             ***

وفي الوقت الذي كان الفرنجة يعتبرون أنهم قد وطدوا وجودهم في الشرق، فأقاموا الدول والمؤسسات والحكومات، كانت أسرة مقاتلة تعلن عن نفسها كبداية انتقال حروب العرب والمسلمون ضد الفرنجة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة "الردع والاستنزاف".. ففي الشام والعراق كانت تقوم أسرة حاكمة سيعرفها التاريخ باسم "آل زنكي" أو "الزنكيون"

-يتبع-

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

unnamed

 

 

القاهرة

بيروت

Threesome