قلعة مصياف - سوريا قلعة مصياف - سوريا
الأربعاء, 25 كانون2/يناير 2017

أبواب المشرق المقدسة – الحلقة الحادية عشرة: الحشّاشون والطريق إلى شيخ الجبل

كتبه  وليد فكري

"تقدم ولا تكلف نفسك حياء الضيف.. اقترب من الموقد فالبرد شديد القسوة في هذه الليلة".. أراك ترمق ملامحي بدهشة قد اعتدتُها، فمن يسمع لقب "شيخ الجبل" يحسب أنه رجل عجوز منحني القامة متغضن الوجه، ويُدهش إذ يجده شابًا في بداية الأربعين على رأس آلاف من الدعاة والمقاتلين والموالين لدعوتنا.. يصفنا البعض بـ"الباطنية" ويسمينا البعض الآخر بـ"الحشاشين" أسوة بإخواننا في فارس، وإن كنا قد ضارعناهم سطوة إن لم نكن قد فقناهم..

لم يكن هذا بالسهل، قضينا عقودًا ليست بالقليلة في كفاح ومكابدة للمتاعب، دفعنا ثمن هذا النجاح دمًا وتشريدًا ومطاردة هنا وهناك..

كانت البداية في حلب، وكانت آنذاك إمارة يحكمها رضوان السلجوقي منافسًا ومحاربًا أخاه صاحب دمشق المدعو دقاق.. الحقيقة أن صراع الأخوين كان مغريًا فمن ذا الذي يرفض حليفًا له ساعده في التسلل إلى أرض أعدائه وتخليصه منهم؟ من هنا كان استقبال رضوان لزعيم دعاتنا بالشام المعروف ب"الحكيم المنجم" في مدينته وبصحبته مئتان من أتباعه، حيث تركه يبني دارًا للدعوة.. كان هذا منذ نحو سبعين أو ثمانين عامًا.. واعترف أنها كانت حالة غريبة أن نتقارب مع أمير سُنّي من السلاجقة بعكس ما كانت سياسة أقراننا في فارس..

مرت الأيام وتوفي الحكيم المنجم بعد أن اختتم سيرته بقتله الأمير جناح الدولة حسين-أمير حمص وزوج أم كلّ من رضوان وأخيه دقاق-كانت هذه مجاملة لرضوان ورسالة مبطنة له أننا في خدمته ما أمنت لنا الحياة ببلاده، وكان جناح الدولة صداعًا لرأس رضوان بانحيازه لأخيه صاحب دمشق..

ورث زعامة الفرقة كل من أبو طاهر الصائغ وأبو الفتح السرميني-بالتشارك- ولأول مرة بدآ يوسّعان نطاق "الأعمال" خارج حلب، فاستولوا على حصن "أفامية" الهام لكنهما فقداه بعد عام، بسبب قيام الفرنجي تانكريد صاحب أنطاكية بغزوه وقتله أبو الفتح وأسره الصائغ قبل أن يطلق سراحه..

بعدها ارتجت الشام بنجاحنا في الفتك بالأمير مودود أثناء زيارته دمشق في ضيافة حاكمها طغتكين-الذي انتقل له حكمها بعد موت دقاق-وتسابق أمراء الشام لإلقاء كل منهم تبعة قتل من كانوا يعدونه في جملة المجاهدين على الآخر.. والحقيقة أننا لم نكن في حاجة إلى تحريض لقتله فقد كان يجاهر بالعداء لنا ولطالما سبب أبوه من قبل المتاعب لفرقتنا بفارس..

للأسف، بخل علينا القدر بفرحة الإنجاز، فقد مات راعينا رضوان وورثه ابنه الذي تلقى رسالة من عميد البيت السلجوقي يحرضه على التخلص من الباطنية، وكذلك فعل قائد حامية المدينة إذ ألح على مولاه في قتلهم خوفًا من نفوذهم المتزايد.. فجرت مذبحة راح ضحيتها الكثيرون وعلى رأسهم "الصائغ" كبير الدعاة.. فسارع أحد رجاله المدعو إبراهيم العجمي للم شتات الناجين وهاجم قلعة "شيزر" قرب حماة لعلهم يتخذونها ملجأ وقد استغلوا أن حكامها آل منقذ كانوا قد خرجوا منها لمشاهدة احتفالات "عيد الشعانين"، فلما حسب العجمي أنه ورجاله قد سيطروا عليها داهمهم آل منقذ وأفنوهم عن آخرهم!

كانت محنة قاسية لكنها لم تكن قاضية، فسرعان ما قادت المؤامرات المتبادلة بين أمراء حلب الأمير إيلغازي الأرتقي إلى الحكم، فاحتضن الفرقة وقربها حتى عاد نفوذها كما كان، لكنها استمرت في تنقل بين غرب الشام إلى جنوب العراق-حيث تعرض رجالها لمذبحة من أهل مدينة "آمد" التي حاولوا الاستيلاء عليها فقدوا على أثرها سبعمئة رجل، وأخيرًا استضافهم طغتكين صاحب دمشق في مدينته وقد صار داعي الدعاة رجل يدعى بهرام، جاهر بالدعوة واستطاع كسب المزيد من المجندين لنصرتها، بل وربطته علاقة قوية مع الوزير الذي منحه قلعة "بانياس" مقرًا له ولأتباعه بعد أن تذمر سُنة دمشق من وجود "الباطنية" بينهم.. ومن هنا كان المنطلق، فقد بدأت الفرقة بقيادة بهرام في امتلاك القلاع إما بالشراء أو بالاجتياح عنوة.. وصارت الدعوة أقوى من ذي قبل في مواجهة المحن كمقتل بهرام في غارة قرب بعلبك أو كانقلاب صاحب دمشق بوري بن طغتكين-الذي كان قد ورثها بعد موت هذا الأخير-عليهم وقيامه بقتل ستة آلاف من الباطنية في شوارع المدينة، أو كسقوط بانياس نفسها في يد الفرنجة.. فسرعان ما ردت الدعوة بقوة فاغتالت صاحب دمشق عقابًا له على فعلته، ثم اشترت قلعة قدموس الحصينة وصارت تسقط القلعة تلو الأخرى في حوزتها سواء طوعًا أو عنوة، لينتشر نفوذنا في شمالي بلاد الشام ونصبح قوة لا يرغب حكيم في استفزازها.. كان هذا منذ نحو أربعين عامًا، والآن.. يكفي أن يُذكَر اسم شيخ الجبل لتمتلئ النفوس رعبًا.. فخناجرنا تصل لأي إنسان في أي مكان.. ورجالنا يخترقون أي سياج مهما بلغت منعته.. وهي مكانة استحققناها بطول الكفاح وبعظيم الصبر..

   وليست هذه نهاية القصة... فما زالت في فصولها القادمة لنا أماكن وأدوار لمن يتابع...

                                                   **

بينما كان الحشاشون نموذجًا فريدًا من نوعه، كان الفرنجة يقدمون نموذجًا آخر يستحق التناول، نموذج لرهبان مقاتلين!

-يتبع-

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

unnamed

 

 

القاهرة

بيروت