×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الأربعاء, 29 آذار/مارس 2017

العرب في العام 2017: تهديدات ماثلة وفرص قائمة (2 من 2)

كتبه  ميسا سليمان

يتصدى التقرير العربي الاستراتيجي للعام 2017 في جزئه الثاني لقضايا المغرب العربي، والجزء يتصدره ببحثٍ غني للكاتب محمد شهاب الإدريسي عن المغرب، تحت ما سماه "الخروج من قاعة الإنتظار".

بسردٍ تاريخيٍّ دقيق، يروي الادريسي حكاية "الاستقرار المغربي" منذ تأسيس "الدولة-الأمّة"، متطرّقاً إلى ما اعتبره أهم محطات تاريخية، تمتد من الحلف العربي-الأمازيغي، الى العهد العثماني، مروراً بالاحتلال الفرنسي ومعاهدات الحماية، وصولاً إلى الاستقلال، والتي رسّخت على مر العقود علائم النظام الحاكم وطبيعة الشعب.

ومن بوابة التاريخ، يدخل الإدريسي إلى فصل من فصول "الربيع العربي" الذي شهده المغرب والتحديات السياسية التي أرخت بظلالها على الحاكم بنتيجة الحراكات والتظاهرات. وأما في التحديات الإقتصادية، يفصّل الكاتب بالأرقام والمؤشرات، الإخفاق على صعيد النمو من جهة، وتبلور المؤشرات على انفتاح طريق التنمية من جهة أخرى.

وإذا كانت الحالة الاقتصادية المغربية تعد مقبولة نوعاً ما، لا يخفي الكاتب عمق وخطورة التحدي الاجتماعي، بين صراع الطبقات، ونماذج التعليم وملفات حياتية أخرى. وفي الحديث عن المغرب، لا يمكن إغفال مركزية قضية الصحراء وأولويتها في السياسة الخارجية للبلاد، فيتناولها الكاتب كاستحقاق دائم ومتجدد، إلى جانب استحقاقات خارجية أخرى كالعلاقات الثنائية مع الجزائر، وإسبانيا، وموريتانيا، ودول المشرق العربي، وانحراف مسار التحالفات بالإتجاه نحو العملاقين الروسي والصيني من جهة، والدفع نحو العودة إلى أفريقيا من جهة أخرى.

وبمقاربة شاملة للوضع في الجزائر، يسرد الكاتب عبدالله بن عمارة مجموع التهديدات التي تفرضها العوامل الداخلية والإقليمية على الجزائر.

أولاً: في أزمة البترول وتدني الأسعار وما أثرته على الوضع الإقتصادي الداخلي، والتي تحاول مواجهته الدولة بمشروع قانون المالية لعام 2016.

ثانياً: مسار الإصلاحات السياسية التي وعد فيها الرئيس بو تفليقة عقب أحداث "الربيع العربي"، ما أُنجز وما دخل وسيدخل حيز التنفيذ.

ثالثاً: الوضع الجزائري الأمني لا سيما مع أزمة القرن الحادي والعشرين، تنظيم "داعش"، وكيفية تعامل كل من الجيش والمخابرات مع تعاظم التحديات والأخطار.

ومن الداخل إلى الإقليم، التي لا يمكن مقاربة الوضع فيه دون الحديث عن قوى دولية لها تأثيركبير في مجريات أحداث المنطقة، فيعالج بن عمارة الأوضاع مع الدول المجاورة من المغربوتونس، إلى التحدي الأمني الاقليمي الأكبر وهوأولاً ليبيا،في ظل استمرارالاستنفار الحدودي الدائم، والحلول التي طرحت لضبط الحدود الأمني، وإيجاد حل سياسي للحرب الداخلية، وثانياً مالي، وتحركات الجماعات المسلحة شمالاً وعمليات تهريب السلاح المستمرة من خلالها إلى الداخل الجزائري. وعن دور كل من فرنسا والولايات المتحدة الاميركية في المنطقة، يقارن الكاتب كل من نقاط التلاقي والتعاون مع البلدين، وخطوط الخلاف والتنافر، في عدد من المواقفالسياسية والإقتصادية والأمنية الستراتيجية.

ومن خلال المعطيات الموضوعية المرتبطة بإمكانات الدولة الجزائرية و"بإرادة الدولة الحفاظ على طابعها الإجتماعي والسيادي"، يرسم الكاتب سيناريوهات عام 2017، والتحديات المحتملة، من عرضٍ لفرص النهوض الإقتصادي، إلى دور الجيش في التحصين الأمني، دون إخفاء التخوفات من الإضطرابات العرقية، وسيناريو الهجوم الواسع ل"داعش" على المناطق الحدودية.

يبدو المشهد التونسي بعيون الباحث جعفر البكلي قاتماً لكل من يتابعه عن كثب، ومعقداً نتيجة تراكمات عقود من السياسات الفاشلة، والتغاضي عن مافيات الفساد. ف عن أزمات السياسة، يُبرز الكاتب التونسي من خلال تحليل واقعي مستند لأحداث تاريخية ومعاصرة، أهم مشكلات مؤسسات الدولة، من رئاسة الجمهوريةوصراع التوريث، إلى الحكومة التونسية وصعوبات التوافق السياسي، وصولاً إلى مآزق الأحزاب التونسية، لا سيما انشقاقات "نداء تونس" وخلافات "حزب النهضة" وتصدعاته الداخلية والتمردات ضد مواقف القيادات. ومن السياسة إلى الإقتصاد، يعالج البكلي أسباب وخلفيات الضائقة الإقتصادية في تونس، من عجز الميزانية، إلى توقف عجلات الإنتاج، كما تفاقم المديونية. وكما الجزائر والمغرب، لم تسلم تونس من الأزمات المجاورة التي أرخت بظلالها على دول شمال أفريقيا ككل، ومشاركة التونسيين وانخراطهم في تنظيمات إرهابية، وقتالهم في دول ك ليبيا وسوريا والعراق في تنظيمات ك "داعش"، كان له حصة الأسد من ملف مشاكل تونس الإقليمية في تقرير الكاتب. ومن هنا، يحاول البكلي في هذا الصدد استقراء أبرز السيناريوهات المحتملة في غضون السنوات المقبلة وأبرز الأخطار، إن كان لجهة تفكك الإئتلاف السياسي الحاكم، أم تدهور الإقتصادوالغليان الإجتماعي، وتزايد التهديدات الإرهابية في مواجهةالمؤسسات الأمنية، والتركيبة الإجتماعية التونسية التي "لا تقبل تسلط المتطرفين الإسلاميين. ليختم البكلي بمجموعة اقتراحات وفرص إنقاذ برأيه "تتطلبالتحلي بشجاعة كبيرة".

ولا تزال ليبيا، بعد أكثر من خمسة أعوام على سقوط القذافي، محور التغيرات في المغرب العربي، ونقطة الإرتكاز في العديد من الملفات السياسية والأمنية. "على أبواب عام جديد منالتحديات" يعنون الدكتور محمد عبد الكريم أحمد الفصل الليبي من هذا التقرير الاستراتيجي، فيدخل الأزمة الليبية من أبوابها الواسعة، الإقتصاد، في ضوء الحاجة الملحة للعائدات النفطية الليبية لدعم أسس الحكومة وتماسكها. يتناول الدكتور أحمد المقاربات الإقليمية والدولية للأزمة الليبية، من "التوازن الحذر" لمصر، إلى دعم الجزائر لعملية السلام في ليبيا، إلى الدعم الفرنسي لوساطة الأمم المتحدة وحكومة الوحدة الوطنية الليبية، وصولاً إلى "التسرع البريطاني" في تدخل الناتو، ودور أميركا "الخاطئ" والفاشل في إدارة الأزمة الليبية وقرار التدخل المتسرع. وعن استحقاقات العام المقبل، يقسمها الكاتب إلى شطرين، الأولى تتعلق بتكوين حكومة دائمة منتخبة وممثلة من الشعب الليبي بجميع أطيافه، الثانية هي استكمال وضع الدستور الليبي والإستفتاء عليه. ليخلص بعدها إلى تشكيل سيناريوهات ثلاثة محتملة للمستقبل الليبي:1 تفعيل سياسة "المحاصصة بين الأطراف الإقليمية والدولية – 2- انتشار الصراع خاصة في غرب البلاد وجنوبها مع ازدياد نشاط القاعدة في النغرب العربي – 3- اعتماد الفيدرالية أو التقسيم كحل لاحتفاظ القوى المتصارعة في ليبيا بمصالحها ومكاسبها.

ولهذا التقرير الغني وقفة مع تحديات الإقتصاد والإرهاب. ففي الإقتصاد، رؤية مهمة للخبير والباحث الاقتصادي حسن شقراني، في زمن ما سماه "عصر النفظ الرخيص". بالأرقام والإحصاءات والرسومات البيانية، يعرض الباحث سلسلة مؤشرات تنبئ بالخطط المالية المستقبلية التي قد يشهدها العالم العربي، لا سيما دول النفط الكبرى. إذ لا يمكن الانطلاق باستعراض الأوضاع الاقتصادية اعربية إلا من آبار النفط وأسواقه. ومن هنا يربط الكاتب حركة استيراد وتصدير النفط بالعوامل الأمنية ، مستشهداً بالتقديرات الصادرة مؤخراً عن البنك الدولي، ومدى انعكاس هذه التداخلات على المستوى الجيوسياسي لشعوب المنطقة برمتها، والتحولات الجوهرية في التعاطي مع الموارد الإقتصادية. وفي الحديث عن الإقتصاد، لا يمكن إغفال مقومات القطاع المصرفي العربي، والاثار السلبية التي منيت بها نتيجة تراجع الودائع وضخ السيولة، وضرورة استعمال سياسات " أكثر عدائية" في مقاربة المصارف للأسواق، وتعديل سياسات "المواءمة" مع الحكومات النقدية والمالية. ومن هاتين الأزمتين، يركز شقراني على أهمية الاتجاه نحو استغلال واستثمار الموارد البشرية، بدلاً من النفطية والمصرفية، في ظل الدعوات المتزايدة لقوننة قطاع إدارة هذه الموارد، لما له من انعكاسات ايجابية على اقتصادات المنطقة.

ومن تحدي الإقتصاد إلى تحدي الإرهاب، تسعى الورقة البحدثية التي يقدمها الكاتب محمد العربي، إلى رصد التحولات الواقعة في الظاهرة "الجهادية" في العالم العربي باعتبارهاظاهرة "ما بعد عادية"تتسم بتصاعد التشابك والتعاقد والتناقض، فيتنقل ما بين مدى وحجم انتشار الظاهرة الإرهابية وتداعيات هذه التحولاتـ إلى بناء سيناريوهات مواجهة لتصاعد الظاهرة، أي السياسات التي يمكن بناؤها في هذا الإتجاه. وفي خضم هذا البحث المفصل، يرسم الكاتب خريطة التنظيمات "الجهادية" في العالم العربي، في كل من العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن وتونس والجزائر، بالأسماء والحجم ومدى تعاظمقوى كل منها في كل من البلاد المذكورة. "الجهاد في الأزمنة ما بعد العادية"، هو عنوان السرد التاريخي الذي يقدمه العربي عن تطور الحالة الجهادية منذ سبعينيات القرن الماضي وصولاً إلى "داعش"، ومساهمات الدول الإقليمية ودورها في ما سماه ازدهار الحالة الجهادية في دول كسوريا والعراق وصولاً إلى ما سماه "الإرهاب المعولم"، وتحليله لنظرية مرحلة الجهاد "ما بعد العادية" من خلا ملمحين وهما: الفوضى والتعقد. كل هذه التحولات، كان لا بد بحسب الكاتب أن تلقي بظلالها على سياسات نزع الراديكالية السائدة، ليتناول هنا، تركيبات التحالفات التي نشأت لمحاربة الإرهاب حول العالم، ومدى فعاليتها، وقوة صمودها أو هشاشتها، وصولاً لى ما تقترحه النظرية المذكورة من مفاتيح ذهبية تفتح أبواب مواجهة التطرف.

وما بين المشرق والمغرب العربي، تلعب الدول لإقليمية أدواراً رئيسية في قلب الأزماتوحرف مسار الأحداث وتغيير التحالفات، فكان لا بد من وقفةٍ عند أبرزها، ليقدم التقرير في جزئه الأخير، ثلاثة أبحاث مفصلة تتناول كل من "اسرائيل" و تركيا وايران.

إذ لا يخفي على احد التحديات الداخلية، كما الخارجية للكيان الاسرائيلي، فمنها ينطلق الباحث والصحافي عبد الرحمن جاسم في طرحه لمختلف الإشكاليات التي تحيط بدولة العدو على عتبة هذا العام. بدايةً من الجبهة الداخلية وانعكاسات حرب غزة الأخيرة عليها، ومساعي الساسة الإسرائيليين في المحافظة على تماسكها، بموازاة المشاريع الإقتصادية الكبرى كمشروع قطار النفق السريع. يأتي ذلك في جو يسوده التحسن والمزيد من العلانية في علاقات بعض الدول العربية مع الكيان الاسرائيلي، يتترجم على أرض الواقع بأكشال مختلفة أبرزها اقتصادية، كاتفاقية "شراكة الغاز الأردنية". والأهم في الملف الاسرائيلي، ظهور سيناريو الجليل في الواجهة كأحد أبرز وأخطر الاحتمالات الواردة والجدية، فيقرأ جاسم حيثيات الهجمة المحتملة ومؤشراتها وانعكاساتها، على كل من العدو وحزب الله، والجبهة السورية أيضاً.

كما يشي الكاتب إلى سيناريو آخر مرتبط بنقاش الصراع الأزلي الداخلي بين الشرق والغرب، واحتمالات وقوع الفتنة "المختبئة تحت رماد الأحداث اليومية الإقليمية". ليختم الكاتب البحث بما سماه "سيف ديموقليدس"، مشيراً إلى غزة، السيف المسلط دائماً فوق رأس الكيان بأكمله، واحتمالات انفجارها في أي لحظة.

لقد فرضت حقبة حكم حزب "العدالة والتنمية" في تركيا حتى الآن مجموعة تساؤلات وإشكاليات، بدايةً من منعطفات السياسات الداخلية، والمواقف المتناقضة من الثورات العربية، وصولاً إلى نقطة التحول في الأزمة السورية، وأخيراً محاولة الإنقلاب العسكري عام 2016، فكان لا بد من طرح تركيا، كلاعب أساسي في اللعبة الإقليمية، وقراءة هذه الحقبة، بكل تناقضاتها وتقلباتها، ليقدم لنا الباحثسومر سلطان هذه الورقة القيّمة. يقرأ سلطان انعكاسات هذه التقلبات بشقين مفصليين: أولهما إبعاد رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو وإلغاء كل مشاريعه السياسية الخارجية، والثانية المحاولة الإنقلابية الفاشلة لتي قادها أتباع الداعية فتح الله غولن، وما تبع ذلك من حملات تصفية وإعادة تقويم لمسار طويل من النفوذ "الغولني" داخل الدوائر والأجهزة الحساسة. ونتيجة ل1لك، يطرح الكاتب التساؤلات حول ما سماه "اتجاه تركيا شرقاً"، وسيناريوهات التحالف "الاوراسي"، في ظل المباحثات الروسية التركية ومعها المباحثات الإيرانية التركية، وموقف الولايات المتحدة الأميركية من هذه الإنعطافة، ومدى قدرة أردوغان على فك هذا الإرتباط.

وللجمهورية الإسلامية، خاتمة التقرير، ببحثٍ للكاتب والصحافي قاسم قصير، مستعرضاً فيه التطورات والقضايا التي تركت أثارها في العلاقات بين إيران والعال العربي. برسالة وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد الظريف التي وجهها للعالم العربي عشية الاتفاق النووي 2015، يستهل قصير تقريره، عارضاً الفحوة الإيجابي للرسالة، الذي لم ينعكس على واقع علاقات الجمهورية مع الدول المجاورة، لا سيما مع ازدياد حدة التوتر السعودي الإيراني، منذ كارئة الحج، مروراً بإعدام الشيخ نمرالنمر، وتطورات سوريا والعراق واليمن والبحرين. من هنا، يفند الكاتب هذه الخلافات في كل الملفات المطروحة، لا سيما الملف اللبناني وتعاظم قوة حزب الله عسكرياً وسياسياً، داخلياً وإقليمياً، بغطاء ايراني. إضافةً لذلك، يستعرض قصير الأهداف التي تسعى إيران لتحقيقها من خلال سياساتها الخارجية، خاصةً في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، لينطلق منها في عرضٍ للتحديات التي تشوب العلاقات مع الدول العربية مع قراءةٍ للفرص الجدية التي بإمكان ايران استغلالاها لتحويلالخلافات إلى فرص للتعاون وتعزيز العلاقات، كالتعاون من خلال منطمة "اوبك" وتحويل الصراع العقائدي إلى فرصة للتعاون الأمني.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

unnamed

 

 

القاهرة

بيروت