الإثنين, 05 كانون2/يناير 2015

مساجد آل بيت النبي في مصر

كتبه  محمد عبد الرحمن عمر

 

بحفاوة بالغة، يحيي المصريون مولد النبي (ص) كل شهر ربيع أول، أزهر قبل أكثر من 14 قرنا بقدوم المصطفى.

درج المصريون في شهر الربيع على زيارة مقامات أهل بيت النبي التي تستضيفها بلادهم، وتقتبس منها جذوة الارتباط بالحضرة النبوية الشريفة.

تستحوذ مساجد آل البيت على منزلة خاصة في نفوس المصريين الذين تربوا على حبهم، فأنشؤوا لهم المساجد وجعلوها مزارات يتوافدون عليها يوميا، فيتمتعون فيها بالصلاة ويتباهون بالعمارة البديعة التي تفننوا في تكوين لوحاتها الفنية.

حب عززه وأبرزه اهتمام حكام مصر عبر العصور بزيارتهم، بل واستقبال الضيوف فيها، كما فعل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر مع الرئيس العراقي عبد السلام عارف في العام  1965. إذ زارا مسجد الإمام الحسين الذي أحبه "ناصر حبا كبيراً لأنه نشأ بالقرب منه، وقرر بعد وصوله لسُدة الحكم بعدة أعوام، توسعته في شهر مارس من العام 1962 م. ولم تنقطع زيارات عبد الناصر للمسجد في أشد وأحلك أزماته، فقد زاره بعد تنحيه بـ 10 أيام، وعندما رفضت الجماهير التنحي وتراجع عبد الناصر عن قراره، صادف الموعد حفل ذكرى المولد النبوي بمسجد الإمام الحسين بالقاهرة، فتوجه عبد الناصر لحضور الاحتفالية.

لم يقف اهتمام جمال عبد الناصر عند مسجد الحسين فقط، بل أمر في العام‏ 1964‏ بتوسعة مسجد السيدة زينب، حتى أصبحت مساحته الكلية‏ 450‏ متر مربع في العام 1969 م.

عميقة هي محبة مساجد آل البيت في نفوس المصريين، فما بين الحسين والسيدة زينب ورقية ونفيسة، تهفو القلوب وتشد الرحال وتقام الموالد السنوية، لكن يبقى مسجد الحسين الأكثر شهرة وشعبية:

 

الحسين .. الحرم المصري:

 

hoseen

هو مسجد قديم بقلب القاهرة بالقرب من منطقة خان الخليلي في حي الحسين، يعد من أهم معالم القاهرة، وقد أطلق الكثير من المؤرخين على مسجد الحسين اسم مسجد الحرم المصري، نظراً لإيمان المصريين المطلق بأن رأس الحسين مدفون في هذا المسجد، رغم اختلاف الروايات حول هذه الحقيقة.

بُني المسجد في عهد الفاطميين سنة 549 هجرية الموافق لسنة 1154 ميلادية، تحت إشراف الوزير الصالح طلائع، ويضم ثلاثة أبواب مبنية بالرخام الأبيض تطل على خان الخليلي، وباباً آخر بجوار القبة ويعرف بالباب الأخضر.

بُني مسجد الحسين بالحجر الأحمر على الطراز الغوطي بينما بنيت منارته على نمط المآذن العثمانية فهي أسطوانية الشكل ولها دورتان وتنتهي بمخروط.، وللمشهد ثلاثة أبواب بالوجهة الغربية وباب بالوجهة القبلية وآخر بالوجهة البحرية يؤدى إلى صحن به مكان الوضوء، ومكتوب على أعلى أحد أبوابه " أحب أهل بيتي إلي الحسن والحسين".

ويشتمل المسجد على خمسة صفوف من العقود المحمولة على أعمدة رخامية ومحرابه من الخردة الدقيقة التي اتخذت قطعها الصغيرة من القاشاني الملون بدلا من الرخام وهو مصنوع عام 1303 هـ وبجانبه منبر من الخشب يجاوره بابان يؤديان إلى القبة وثالث يؤدى إلى حجرة المخلفات التي بنيت عام 1311 هـ / 1893م حيث أودعت فيها المخلفات النبوية.

وداخل المسجد أكبر نجفة في العالم العربي والتي يصل وزنها إلى خمسة أطنان من الكريستال المحلى بالذهب الخالص وقوائمه من الفضة الخالصة.

ويضم المسجد الحجرة النبوية التي يتوافد عليها المسلمون للتبرك بما هو موجود داخلها، وإن كانت مغلقة طول الوقت ولا تفتح لعامة الناس ، ويجب الحصول على تصريح من وزارة الأوقاف لفتحها، وتضم الحجرة مقتنيات الرسول (ص) وهي قطعة من قميصه الذي أهدته له أم ابنه إبراهيم المصرية ماريا القبطية، وهو من الكتان المصري، بالإضافة إلى "العضب والقاطع" وهو سيفه الخاص، كما يوجد أربع شعيرات من شعره المبارك، ومكحلته الخاصة والمرود التي كان يستخدمها لوضع مسحوق حجر السد لتكحيل عينه للوقاية من الأوبئة، و قطعة من عصاه التي حملها عند فتح مكة واستخدمها في هدم الأصنام التي كان يعبدها الكبار والمشركون.

ومن المقتنيات المهمة أيضاً بمسجد الحسين بعض من كسوة الكعبة التي كانت تصنع في مصر في وقت من الأوقات، ومصحف الخليفة عثمان بن عفان الذي يزن 80 كيلو جراما وارتفاعه 40 سم، ويعود تاريخه إلى القرن الأول الهجري.

السيدة زينب .. مسجد البركة والدعاء:

ELSAHEFA-58095-4

يقع مسجد وضريح السيدة زينب بنت الإمام علي وأخت الحسنين عليهم السلام، في حي السيدة زينب بالقاهرة حيث أخذ الحي اسمه من صاحبة المقام الموجود في داخل المسجد، وهو يتوسط الحي ويعرف الميدان المقابل للمسجد أيضا بميدان السيدة زينب.

ويعتبر الحي الذي يقع فيه المشهد من أشهر الأحياء الشعبية بالقاهرة حيث يكتظ بالمقاهي ومطاعم الأكلات الشعبية ، ومن أشهر معالم هذا الحي بجوار مسجد السيدة زينب شارع زين العابدين وهو شارع موازي للمسجد ويعد من أكبر الشوارع التجارية في القاهرة.

ويتوافد على المسجد أُناس من جميع البقاع للتبرك والدعاء، خاصة وأنه مشهور بإجابة الدعاء فيه.

تشرف الواجهة الرئيسة للمسجد على الميدان المسمى باسمها وبها ثلاثة مداخل تؤدي إلى داخل المسجد مباشرة، وترتد الواجهة عند طرفها الغربي وفى هذا الارتداد باب آخر مخصص للسيدات يؤدى إلى الضريح وتوضع المئذنة على يسار هذا الباب ويحيط بالركن الغربي البحري سور من الحديد.

وتقع الواجهة الغربية على شارع السد وبها مدخل على يساره من أعلى ساعة كبيرة، وللمسجد واجهتان أخريان إحداهما على شارع العتريس والأخرى على شارع باب الميضة.

والمسجد من الداخل مسقوف جميعه، ومنقوش بزخارف عربية على عقود مرتكزة على أعمدة من الرخام الأبيض ويعلو الجزء الواقع أمام المحراب شخشيخة كما يعلو الجزء الأوسط من المسجد قبل التوسيع شخشيخة بها شبابيك زجاجية بوسطها قبة صغيرة فتح بها شبابيك من الجص المفرغ المحلى بالزجاج الملون.

ويقع الضريح بالجهة الغربية من المسجد وبه قبر السيدة زينب تحيط به مقصورة من النحاس تعلوها قبة صغيرة من الخشب. ويعلو الضريح قبة مرتفعة على الطراز المملوكي وهى حافلة بالزخارف العربية والمقرنصات والكتابات، و ترتكز في منطقة الانتقال من المربع إلى الاستدارة على أربعة أركان من المقرنص المتعدد الحطات ويحيط برقبتها شبابيك جصية مفرغة محلاه بالزجاج الملون.

حضرة السيدة نفيسة:

nafesa

أسس مسجد السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبى طالب في 1314 هجرية الموافق 1897 ميلادية، ويقع ضمن الطريق المشهور بـ (طريق أهل البيت) والذي يبدأ بمقام زين العابدين وينتهي بمشهد السيدة زينب بنت علي مرورا بالسيدة نفيسة والسيدة سكينة بنت الحسين والسيدة رقية بنت علي بن أبي طالب وسيدي محمد بن جعفر الصادق والسيدة عاتكة عمة الرسول "عليه الصلاة والسلام ".

يحرص المصريون على زيارة المسجد والمقام  يوم الأحد من كل أسبوع ويطلقون عليه يوم الحضرة، حيث يشعر المصرون بالراحة النفسية وتعلو الأصوات بالدعاء والتكبير  ، ولا يعرف أحد ما هو السر وراء ارتباط الزيارة بيوم الأحد أو بصلاة العصر بالتحديد ، ولكنه بعض عشاق المكان يقولون إنه اجتهاد من المصريين توارثوه جيلا عن جيل ، فمن منطلق حبهم لآل البيت خصصوا لكل ضريح من أضرحة آل البيت يوما للزيارة أطلقوا عليه الحضرة.

يتوسط واجهة المسجد الرئيسة المدخل وهو بارز عن سمتها ومرتفع عنها تغطيه طاقية مقرنصة وتقوم أعلاه منارة رشيقة، بنيت مع الواجهة على الطراز المملوكي. ويؤدى هذا المدخل إلى دركاة يصل الإنسان منها إلى داخل المسجد، وهو عبارة عن حيز مربع تقريبا مسقوف بسقف خشبي منقوش بزخارف عربية جميلة ويعلو منتصف البائكة الثانية منه شخشيخة مرتفعة. وهذا السقف محمول على ثلاثة صفوف من العقود المرتكزة على أعمدة رخامية مثمنة القطاع. ويتوسط جدار القبلة محراب مكسو بالقاشاني الملون البديع. وفي طرف هذا الجدار وعلى يمين المحراب باب يؤدى إلى ردهة مسقوفة بوسط سقفها شخشيخة حليت بنقوش عربية. ويمكن الوصول من هذه الردهة إلى الضريح بواسطة فتحة معقودة وبوسطه مقصورة نحاسية أقيمت فوق قبر السيدة نفيسة، ويعلو الضريح قبة ترتكز في منطقة الانتقال من المربع إلى الاستدارة على أربعة أركان من المقرنص المتعدد الحطات، وكتب علي باب ضريح السيدة نفيسة داخل المسجد "عرش الحقائق مهبط الأسرار قبر النفيسة بنت ذي الأنوار حسن بن زيد الحسن نجل الإمام علي بن عم المصطفي المختار".

وشهد المسجد خلال السنوات الأخيرة حركة إعمار كبيرة حتى وصلت مساحته لأكثر من ألف متر مع وجود الحديقة من حوله فأكسبته الكثير من الجمال بسبب حب وإقبال الكثير من قيادات ورموز الدولة لهذا المسجد.

السيدة سكينة.. أول علوية في مصر:

sekena

يقع مسجد السيدة سكينة ابنة الحسين عليه السلام وحفيدة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، في شارع الأشراف بجوار المشهد النفيس، حيث عشقها المصريون سيراً على درب "محبة آل بيت النبي" فكانت كانت أول علوية قدمت إلى مصر بعد خطبتها من الأصبع بن عبد العزيز .

بنى لها المأمون البطائحي، وزير الآمر بالله الفاطمي، ضريحا بُنيت قبته بعد سنة 510 هـ، ثم ألحق بالضريح مسجد أقامه الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة 1173هـ (1760م)، وعمل على الضريح مقصورة من النحاس سنة 1266هـ، ثم أمر الخديوي عباس حلمي الثاني بتجديده سنة 1322هـ، وأصبح له ثلاثة أبواب غير الميضأة، اثنان على الشارع والثالث الباب المقبول فى الجهة القبلية يفتح على درب الأكراد، هذا المسجد يشتمل على 6 أعمدة من الرخام ومنبر من الخشب النقي، والضريح مجلل بالبهاء والنور عليه تابوت من الخشب من داخل مقصورة كبيرة من النحاس الأصفر متقن الصنع من إنشاء المرحوم عباس باشا، ثم جددته وزارة الأوقاف.

السيدة رقية وروعة المحراب:

 

rokaia

من مشاهد الرؤيا المشيدة بمصر مشهد السيدة رقية ابنة سيدنا علي بن أبى طالب أنشئ سنة 1133م أيام الحافظ لدين الله ثامن الخلفاء الفاطميين بمصر ولم يبق منه سوى إيوانه الشرقي الذي يتكون تخطيطه من رواق أمامي محمولة عقوده على زوجين من الأعمدة الرخامية وله باب يؤدى إلى حيز مربع أمام المحراب تغطيه قبة مضلعة محمولة على رقبة مثمنة ويحف به من الجانبين إيوانان صغيران بكل منهما محراب.

وأهم ما يسترعى النظر في المشهد محرابه الجصى الكبير الذي يعتبر قطعة زخرفية رائعة الجمال فهو يتكون من تجويف تغطيه طاقية مضلعة تتشع أضلاعها من جامة مزدانة في الوسط بكلمة - على - يحيط بها كلمة - محمد - مكررة وتنتهي هذه الأضلاع عند حافة عقد الطاقية بمقرنصات وعلى توشيحتى العقد زخارف جميلة يعلوها طراز من الكتابة الكوفية المزخرفة يميل قليلا إلى الخارج فوقه طراز آخر مزخرف بوحدات مضفرة.

ويرى وسط الإيوان أمام المحراب الكبير تابوت من الخشب حلى بزخارف بارزة جميلة وازدان بكتابات كوفية مزخرفة اشتملت على آيات من القرآن الكريم وعلى تاريخ صنعه سنة 1138: 39م وقد صنع لهذا المشهد محراب متنقل من الخشب بين سنتي 1154 - 1160م حافل بشتى الزخارف والكتابات بلغت فيه صناعة النجارة وزخرفتها مستوى رفيعا من الروعة والبهاء وهو مودع الآن بدار الآثار العربية مع محرابين آخرين صنع أحدهما بين سنتي 1137 - 1147 لمشهد السيدة نفيسة والثاني أمر بصنعه الآمر بأحكام الله الفاطمي للجامع الأزهر سنة 1125م.

السيدة عائشة:

 

cairo98

على الطريق المؤدى إلى عين الصيرة وفم الخليج يطل مسجد السيدة عائشة، بنت الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي السجاد زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبى طالب، ليملأ المكان ببركة آل بيت النبي، فوسط الزحام والسيارات والمحال التجارية يقف ضريحها كملجأ وبيت لكل زاهد ومعتكف يريد التخلص من زخم الحياة وأعبائها.

يتكون المسجد من مربع يتوسطه صحن وتحيط به الأروقة، ومما يسترعى النظر في رواق القبلة، أن المحراب لا يتوسط جدار القبلة، وإنما يقع في الركن الجنوبي الشرقي للجدار ويوجد بالواجهة الغربية للمسجد بابان بينهما المئذنة التي لم يبق منها سوى الدورة الأولى وقد كتب على الباب البحري" مسجد أمه التقي فتراه .. كبدور تهدى بها الأبرار.. ذو عباد الرحمن قد أرخوه .. تلألأ بجبه الأنوار، وكتب على الباب القبلي: "بمقام عائشة المقاصد أرخت * سل بنت جعفر الوجيه الصادق".

كان ضريح السيدة عائشة في البداية صغيراً و بسيطاً، تكون من حجرة مربعة تعلوها قبة ترتكز على  صفين من المقرنصات  ثم أهتم بعمارته الفاطميون و الأيوبيون، حيث أنشأوا بجوار الضريح مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، و عندما أحاط صلاح الدين الأيوبي القاهرة و العسكر و القطائع و الفسطاط بسور فصل بين قبة السيدة عائشة و بين القرافة، ثم فتح باب في السور إلي القرافة سمي بباب عائشة، و يعرف الآن بباب القرافة، و قد ألحق بالضريح مسجد يعرف بمسجد السيدة عائشة، أعاد عبد الرحمن كتخدا بناءه سنة 1176 هج / 1762 م، ثم هدم المسجد و أُعيد بناؤه سنة 1971 م علي ما هو عليه الآن.

وجددت مصر في العصر الحديث المسجد بالكامل حيث نقلت له أحجار مسجد (أولاد عنان) الذي بني مكانه الآن (مسجد الفتح) بميدان رمسيس، كما نُقل إلى مسجدها الجديد المقصورة النحاسية التي كانت على قبر السيدة زينب بنت علي قبل إهداء المقصورة الفضية الموجودة الآن على قبرها من طائفة "البهرة".

1 تعليق

  • تعليق محمود احمد السبت, 19 كانون1/ديسمبر 2015 02:37 أرفق محمود احمد

    ممكن اسماء المراجع لهذا الموضوع لاني بحضر ماجستير فيه ولو امكن رقم موبايل او اكاونت صاحب هذا المقال الرائع

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

unnamed

 

 

القاهرة

بيروت