×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

وسط القاهرة قديماً وسط القاهرة قديماً
الإثنين, 04 أيار 2015

وسط القاهرة.. هل ستعود أيام الخديوي؟

كتبه  هشام السروجي

مثل كهل رسم الزمن مسارات التاريخ على تقاسيم وجهه، تغيرت جدران العمارات التاريخية والأثرية في منطقة وسط القاهرة، فالمباني غدت سوداء والواجهات باتت مهدمة يعلوها الكآبة، وتراكم الغبار فوقها على مدى عقود.

لا تختلف أحوال المباني كثيراً عن أحوال ساكنيها، فكلاهما عاشوا ضحايا بيروقراطية عمياء، ففقدوا الأمل في حياة كريمة، في وطن لا يحترم تاريخه.

إلا أن بعض شركات المقاولات، بدأت منذ أِشهر قليلة، بمشروع إعادة ترميم وتجديد منطقة وسط البلد، وإعادة رونقها الذي إقتبسه الخديوي إسماعيل من الطراز المعماري "الباريسي"، وبالفعل بدأت النتائج الأولية في الظهور بعد أن اكتمل ترميم بعض الميادين الرئيسية والعمارات التاريخية، في لمحة تبث الأمل في نفوس عشاق "وسط البلد".

نهضة خيديوية:

منذ ما يقرب المائتي عام، كانت منطقة وسط القاهرة عبارة عن برك ومستنقعات، وكان يصفها الغرب بـ"عاصمة البعوض"، ومن أقوالهم المنقولة عنها "خير لك أن تسمع عن القاهرة من أن تراها"، كما قالوا أيضاً "من يشرب من مياه النيل يعود فوراً الى بلاده ليعالج من الملاريا، حتى جاء الخديوي اسماعيل محدثاً نهضة حقيقة بمعناها السابق وليس اللاحق، ليقول عبارته الشهيرة بعد أن أنهى تأسيس قاهرته الحديثة  "من يشرب من ماء النيل فسيعود له المرة تلو المرة".

كانت طموحات حاكم مصر في تحقيق النهضة المعمارية بالقاهرة جادة، كانت مخيلته أن يرى بلده أفضل من "باريس"، بدلاً من أن يقارن بينها متحسراً، ولذا كان قراره "بتغيير مسار النيل ومجراه" في 18 شهر، كما تم ردم البرك والمستنقعات وفي مقدمتهما "بركة عابدين" و "بركة الأزبكية" التي تحولت إلى حديقة الأزبكية، وكان التحدي مستمر في ردم باقي البرك، وتحولت إلى ميادين "العتبة الخضراء والاوبرا وباب الحديد سليمان باشا"، وعلى مساحة 2000 فدان بنى القاهرة الخديوية، لتصبح من أجمل بقاع الأرض، ويسطر إسمها بين أجمل مدن العالم.

واشترط أسماعيل على كل صاحب عقار أن لا تقل التكلفة عن ألفان جنيه، وهي ثورة طائلة وقتذاك، وأن يتراوح عدد الأدوار من 6 الى 7 أدوار "ناطحات سحاب، وأن تتم العناية بالزخارف ورسم المشغولات في المعمار والحديد والبلكونات والأبواب.

وأصبح حُلم الخديوي مسكن للنخبة المصرية من أبناء الطبقة الأرستقراطية والأجانب، من رجال الدولة والفنانين و المثقفين، كما تشابهت شوارعها بـ"الشانزليزية" في محلاتها الأنيقة، لتمتلئ بالباحثين عن أحدث صيحات الموضة الأوروبية، وامتلأت المقاهي والنوادي الأجنبية بالديبلوماسيين كما إعتاد النشطاء السياسيون مناقشة التطورات السياسية وهم يشربون القهوة ويدخنون الشيشة.

إهمال وتدمير:

كاد أن يقتل العطش جدران مباني"وسط البلد" من بعض قطرات الدهان، التي تعيد لها الحياة مرة أخرى، فلم يهتم أحد بالمباني سوى مرات معدودة يتم فيها تغيير لونها بلون أصفر باهت، لزوم تحسين صورة البلد أمام ضيف هام يزورها، أو متجهاً إلى جامعة الدول العربية، ويقتصر التغيير المؤقت بدهانات لا تقدر على مقاومة حرارة الشمس أيام قليلة، على المباني المٌطلة على ميدان التحرير، المجاور لمبنى جامعة الدول العربية، أما الشوارع الداخلية فقد تعرضت لغزو الباعة الجائلين، وسماسرة وكلات السفر والسياحة، الذين غيروها إلى ما يشبه الأسواق الشعبية، كما تحولت بعض المحال إلى النشاط الصناعي الذي يهدد بتدمير هذا الكنز المعماري الثمين، مع العلم بأن القوانين المصرية تمنع مزاولة أي نشاط صناعي أو مهني، يضر بالمباني الأثرية، ولم يخلو المشهد من خروج مسؤولين متتابعيين بتصريحات رسمية، عن نية الدولة تطوير المنطقة بما يتناسب مع قيمتها التاريخية، دون ان تترجم التصريحات إلى عمل حقيقي على الأرض.

بريق أمل:

بعد أن شهدت منطقة وسط البلد عددا من التحركات الاحتجاجية بداية من ثورة 1919 وانتهاءً بثورة 30 يونيو، كانت لها مع الأخيرة بداية بريق أمل في أن تستعيد عافيتها ورونقها السابق، فمنذ خمسة أشهر بدأت بعض الشركات المصرية والخاصة، بترميم مباني وسط البلد اعتماداً على خبرة تراكمية إكتسبتها في ترميم الأثار وعدد من الدراسات التي قام عليها معاهد أوروبية متخصصة في هذا التراث المعماري، وبدأت تلك الشركات في العمل بالميادين الكبرى، مثل طلعت حرب وأحمد عرابي والتحرير وقصر النيل، وقد أوشكت على الإنتهاء منها فعلياً، كما بدأت في العمل في تحويل شارع الألفي إلى "ممشي" مخصص للترجل وممنوع على السيارات، حيث قامت بإعادة رصفة "بالحجارة" ذات الطابع التاريخي، وتجديد وإحلال المحلات و"الأكشاك" بما يتناسب مع المظهر الحضاري وخطة التطوير، التي من المقرر أن تصل تكلفتها إلى 500 مليون جنية مصري، حيث أن المستهدف المطروح أن يتم تحويلها إلى متحف مفتوح أمام السياحة العالمية، وقد طرحت إحدى الشركات المسؤولة عن تطوير المنطقة، مشروع التطوير خلال المؤتمر الإقتصادي العالمي في مدينة شرم الشيخ، بهدف ضخ مزيد من الاستثمارت في المشروع.

وكان من ضمن خطوات تنفيذ المشروع، هو توسيع مسارات السيارات في الشوارع، من خلال إفتتاح "جراج" ميدان التحرير، تمهيداً لمنع تكدس السيارات في الشوارع، وبعد أن تم أفتتاحه خضع لرقابة مرورية صارمهة منعت "شغل" السيارات للطرق في المنطقة.

من المهم أن تتألق منطقة وسط القاهرة، لكن الأهم أن لا تنتهي إلى مصير "وسط بيروت التجاري"، الأنيق جدا، لكن الخالي تماما من أي حضور بشري، سواء بالمعنى الحقيقي أم المجازي.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

unnamed

 

 

القاهرة

بيروت