×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

ذكرت صحيفة "الأخبار" المصرية، أنه ووسط احتفالات رسميه وشعبيه غير مسبوقة يستقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في أول زيارة لرئيس روسي لمصر منذ 10 سنوات. ويعقد الرئيسان جلسة مباحثات مغلقه فور وصول الرئيس الروسي على رأس وفد رفيع المستوى يضم مساعد الرئيس الروسي ووزراء الخارجيه، والطاقة والزراعه والتطوير الإقتصادي والنائب الأول لوزير الدفاع، والمتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية ونائب وزير الخارجية الروسي الذي عمل سفيرا لمصر.

وعلمت الصحيفة، أنه من المقرر أن يكون الرئيس السيسي في استقبال الرئيس الروسي عقب وصوله مطار القاهره مساء اليوم، وستجري مراسم الإستقبال بمشاركه عناصر رمزية من القوات المسلحه التي تصطف فور هبوط طائرة بوتين بأرض المطار. وقالت مصادر مطلعه للصحيفة، أنه من المقرر أن يعقب ذلك مراسم الإستقبال الرسمية للرئيس الروسي بقصر القبة الرئاسي لإستعراض حرس الشرف، ومن المقرر أن يرافق طائرة الرئيس بوتين سرب من الطائرات الحربية المصرية فور دخوله الأجواء المصرية وتصطحبه إلى مطار القاهرة.

وفي سياق آخر، جاء في صحيفة "اليوم السابع" أن الرئيس عبد الفتاح السيسي طالب المجتمع الدولي بالتصدي لمجتمع داعش الإرهابي، في إطار مكافحة الإرهاب، محذراً من أن التراخي في هذا الأمر يمكن أن يشكل تهديداً بوقوع هجمات إرهابية حتى في أوروبا، وأن خسارة هذه الحرب يعني دخول المنطقة بالكامل في اضطرابات خلال الخمسين عاماً المقبلة.

وقال السيسي في حديث لمجلة "دير شبيغل" الألمانية إن "كل ما أسعى إليه هو إنقاذ البلاد وما يربو على 90 مليون مواطن بتوفير الموارد الأساسية من غذاء ووقود ومياه".

من ناحية أخرى، نقلت صحيفة "الوفد" أن رئاسة الجمهورية نعت بكل الحزن ضحايا الأحداث المؤسفة التي شهدتها المنطقة المحيطة باستاد الدفاع الجوي، مساء أمس، والتي أودت بحياة عدد من أبناء مصر.

وقد أبدى رئيس الجمهورية أسفه الشديد لوقوع هذه الأحداث، ووجه تعازيه لأهالي الضحايا، وجاء في بيان لرئاسة الجمهورية إن الرئيس يتابع تطورات الموقف مع رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء، حيث أكد على أهمية إنتهاء جهات التحقيق من كشف ملابسات الأحداث وتحديد المتسبب فيها. كما وجه الرئيس باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمنع تكرار هذه الأحداث وتوفير الحماية الكاملة للمواطنين.

من جهة أخرى، قالت صحيفة "اليوم السابع"، إن رئيس الوزراء، ينوي تعديل حكومته بشكل محدودٍ بعد أسابيع قليلة، على أن يشمل ذلك عدداً من الوزارات الخدمية التي لم تنجح في ظل الوزراء الحاليين المشرفين عليها. يأتي ذلك بالتزامن مع إصدار الرئيس عبد الفتاح السيسي، تعليمات صارمة للمحافظين الـ17 الجدد، بعد أدائهم اليمين الدستورية، لمضاعفة الجهد، مؤكداً أن الدولة لا تملك ترف إهدار الوقت.

وشهد اليوم الأول لتلقي طلبات الترشح لإنتخابات مجلس النواب مشادات ومشاجرات وتزاحماً، بهدف الحصول على لقب المرشح رقم"1" في كل لجنة. وأكدت مصادر قضائية لـ"المصرى اليوم"، أن عدد من قدموا أوراقهم حتى الساعة الرابعة مساء أمس تخطى ٧٠٠ مرشح في جميع اللجان، ولكن لم يتم تقديم أي طلبات كاملة للقوائم، حتى عصر اليوم الأول. 

 

 

 

نشر في كشك

 

عامان على تجليس البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية على الكرسي البابوي، خلفا للبابا شنودة الثالث الذي توفي في شهر مارس 2012 ، ليصبح البابا تواضروس البابا رقم 118 في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ..

عامان تعرضت خلالهما الكنيسة المصرية لظروف بالغة الصعوبة؛ ما بين رئيس إخواني في الحكم، وجماعته التي تمسك بمقاليد البلاد، وبرلمان يهيمن عليه الإخوان والسلفيين وأتباعهما من باقي التيارات الإسلامية، ومحاولات دءوبة لأخونه مصر، وإعداد دستور يتفق مع مصالح أهل الرئيس وعشيرته،  لكن البابا بحنكته وسياسته كان حائط صد قوي حافظ للكنيسة على هيبتها ولمصر على استقرارها .. بعدما رفض منذ اليوم الأول لتوليه التفرقة بين المسلمين والمسيحيين في الوطنية واعتبر أن ما سيبدأ به مشواره لن يكون إلا إكمالا لمسيرة طويلة بدأها البابا شنودة الثالث من التسامح والوطنية.

مواقف وتصريحات شجاعة.. وقرارات حاسمة اتخذتها الكنيسة المصرية في عهد البابا تواضروس الثاني على مدى العامين الماضيين نعرض أهمها في السطور القادمة..  

معركة الدستور

أول هذه التصريحات كان رأيه في مسودة الدستور المصري والتي أكد عدم رضاه عنها قائلا: "إذا خرجت مسودة الدستور بهذا الشكل فإن هذا الدستور لن يعيش طويلا"، وهو ما عاقبه عليه رئيس الجمهورية السابق محمد مرسي بعدم حضور حفل تجليسه الذي أقيم بمقر الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وعندما خرج الدستور للنور وصفه البابا تواضروس بأنه دستور عنصري، وقال "إنه يفرق بين المصريين، وإنه لا يجب معاملة المسيحيين كأقلية كما جاء في هذا الدستور".

ورفض البابا تواضروس الحوار الوطني الذي طرحه الرئيس السابق محمد مرسي في محاولة لمواجهة الانتقادات التي طالت حكومته لإبقائها السلطة في يد جماعة الإخوان المسلمين، وقال: "سنلعب دورا فعالاً في أي حوار وطني يجلب المنفعة للأمة، لكن عندما ينتهي الحوار قبل بدايته ودون تنفيذ نتائجه لن نأخذ دورا فيه، نحن جزء من تراب هذه الأمة، ولسنا أقلية عندما يتعلق الأمر بالتاريخ وحبنا لأمتنا".

وانتقد البابا تواضروس الثاني الدستور المصري الذي فرضه حلفاء مرسي، والتي حاولت جماعة الإخوان المسلمين من خلاله فرض نهجها دون وجود إجماع للرأي العام المصري، كما انتقد في إبريل 2013 أداء الرئيس المصري السابق محمد مرسي في التعاطي مع أحداث العنف التي وقعت أمام كاتدرائية الأقباط بالقاهرة، وخلفت قتيلين وعشرات المصابين.

وقال تواضروس إن الرئيس محمد مرسي وعده بحماية الكاتدرائية، لكنه لم ينفذ ما وعد، كما وصف سلوك الرئيس بالإهمال وسوء تقدير الموقف.

وقال: " على الدولة أن تحمي الأقباط، ويجب أن يكون هناك تطبيق للقانون وقرار حاسم"، كما أعرب عن قلقه لوجود مؤشرات على اتجاه بعض الأقباط في مصر إلى الهجرة بسبب شعورهم بالتهميش والتجاهل والإهمال من جانب السلطات التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين.

ووصف البابا ، الروايات الرسمية عن الاشتباكات التي وقعت عند الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة  بأنها "محض افتراء"، ويسجل للبابا مقاطعته لخطاب "مرسي" ، بل وتصريحه : "من ليس بقدر المسئولية فعليه التخلي عنها وتركها"، في رسالة للنظام الإخواني –آنذاك- رغم خطورة تلك التصريحات.

وحول قانون حول السلطة القضائية والذي يقضي بإقالة آلاف القضاة الذين تم تعيينهم في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، عبرالبابا تواضروس عن استيائه بقوله " إن القضاء أحد أعمدة المجتمع المصري ويجب عدم المساس به".

لا للتطبيع .. نعم للوحدة

وفي تصريح قوي حول زيارة بعض الأقباط للقدس أكد  البابا تواضروس الثاني رفضه للزيارة ، معتبراً أنه لا يجوز أن ينفرد جزء من الشعب بالتطبيع، وأشار أن "التطبيع الذي جرى بين مصر وإسرائيل حكومي، ولم يرتق إلى المستوى الشعبي كاملاً، ولذلك لا يصح أن ينفرد جزء من الشعب، وهم الأقباط، بهذا التطبيع من دون إخوانهم المسلمين".

ويُحسب للبابا تواضروس الثاني تمسك الكنيسة المصرية بالخط الوطني العام، حيث رفض دعاوى الانفصال وتأسيس دولة قبطية في مصر التي يروج لها بعض الأقباط في المهجر، مؤكداً على أن الكنيسة جزء لا يتجزأ من مصر التي لن تتقسم وستظل موحدة منذ عهد الفرعون مينا وإلى الأبد ، رافضاً دعاوى بعض أقباط المهجر بتدويل القضية القبطية لأن المصريين عائلة واحدة ومشاكل العائلات المحترمة لا تخرج خارج البيت.

 كما أكد على أن المسؤولية الوطنية للكنيسة القبطية المصرية تحتم على الجميع العمل من أجل مصر وحمايتها وتدعيم الإجراءات التي تحقق لها الأمن والسلامة .

وحول موقف الكنيسة من عزل الرئيس السابق محمد مرسي قال البابا تواضروس الثاني إن موقف الكنيسة من العزل كان معبرا عن نبض الشارع.

الكنيسة وثورة 30 يونيو

ولن ينسي أحد موقف البابا ورفضه لفرض مطالب الإدارة الأمريكية في حجب الأقباط عن ثورة 30 يونيو، حينما تصدى وبشدة للسفيرة "آن باترسون"، مؤكداً أنه لو استطاع منع الأقباط من المشاركة فلن يمنعهم أحد من حب مصر، وكانت رسائله صريحة بمباركة الثورة.

وقال للشباب الذي اعتزم التظاهر في 30 يونيو: "عبر عن رأيك وكن شجاعا، وتجنب الدم والصدام والعنف، وأن البلاد تواجه مأزقا لا يعرف أحد كيفية الخروج منه، لكن الجميع بحاجة إلى كل حكمة، ولا بد من العمل لصالح مصر، وإلا الخاسر سيكون الوطن".

واعتبر البابا تواضروس أن العام الذي حكم فيه تنظيم الإخوان مصر شهد جمع المصريين في بوتقة واحدة، خوفا من محاولات سرقة الوطن.

خارطة الطريق ودعم البابا

دعم البابا تواضروس خارطة الطريق التي وضعها الجيش المصري بالتعاون مع كافة طوائف المجتمع، حيث أكد أنها جاءت باتفاق جميع القوى الوطنية والدينية والسياسية، مشدداً على أن الخارطة تضمن سلامة الطريق، وراعت الرؤية المستقبلية على المدى القريب والبعيد، مشيراً إلى أن هذه الخارطة وُضعت من خلال أناس شرفاء دون إقصاء أحد أو استبعاد أحد ووضعت لكي تحل الظرف الراهن في هذه الحالة التي يمر بها وطننا العزيز".

وقال البابا تواضروس إن "جميع من في مصر اجتمعوا تحت علم مصر فاللون الأسود يعلن عن شعب وادي النيل وأرض النيل واللون الأبيض يقدم الشباب في نقاوة قلبه واللون الأحمر يعلن عن تضحيات الشرطة ورجالها وفي قلب العلم النسر الأصفر عن القوات المسلحة التي نراها صمام الأمان لهذا الوطن، عاشت مصر من أجل رفعة هذا الوطن الذي يستحق الكثير".

وأكد البابا تواضروس الثاني، على ضرورة تحقق الأمن والاستقرار كمدخل لتعافي الدولة المصرية.

الموقف من "منصور" وانتخابات الرئاسة

ساندت الكنيسة في عهد البابا تواضروس الثاني المستشار عدلي منصور خلال فترة رئاسته المؤقتة لمصر، بل وكرمته عقب انتهاء فترته الانتقالية؛ إعلاء لقيمة الوفاء كما أكد البابا تواضروس.

وبحس وطني دعا البابا تواضروس، إلى المشاركة بكثافة في انتخابات الرئاسة المصرية، التي شملت الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي والمرشح الرئاسي وقتها حمدين صباحي ، حيث أكد البابا أن المشاركة في التصويت كفيلة بتحقيق أحلام الشعب المصري في الأمن، ودعا المصريين مسلمين ومسيحيين للصلاة من أجل الوطن.

تصحيح المفاهيم

وحاول البابا خلال العامين الماضيين تصحيح بعض المفاهيم المغلوطة عن الدين المسيحي حيث أكد أن "البعض يعتقد أن في المسيحية نص يبيح شرب الخمر، يقول قليل من الخمر يصلح المعدة، إلا أن ما لا يعرفه العامة أن هذه النصيحة قالها بولس الرسول لتلميذه تيمثاوس، لأنه كان يعاني من مرض الاستسقاء، الذي يجبره على شرب كميات كبيرة من المياه فنصحه بأن يشرب القليل من عصير العنب حتى لا يضطر إلى شرب كميات كبيرة من المياه".

وأوضح قائلا: إن هناك نصا واضحا في الإنجيل في ذكر الأمثال إصحاح 23 يقول : لمن الويل لمن الشقاء لمن احمرار العين لمن يدمنون الخمر".

وحرص البابا تواضروس على طمأنة المسيحيين حول إمكانية بناء الكنائس مؤكدا لهم أن هناك جلسات عقدت بين الكنائس لمناقشة مسودة مشروع بناء الكنائس، وقدمت للدولة، وإنه بحسب الدستور فإن مشروع القانون ينتظر البرلمان المقبل في أولى جلساته.

رأيه في الأزهر

وأكد على وحدة مسيحي ومسلمي مصر واحترام الكنيسة للدين الإسلامي السمح واصفا الأزهر الشريف بأنه "المؤسسة الدينية الإسلامية الأولى في مصر، وتاريخه يمثل الاعتدال والإسلام الوسطى المعتدل وعلاقة الكنيسة بمؤسسة الأزهر طيبة، علاوة على أن أوجه التعامل والتعاون مع الأزهر كثيرة ومتعددة جدا، تجمعها أواصر المحبة، ويمكن التعامل والتنسيق معه في أوجه عدة مثل عقد مؤتمرات لتوعية المصريين، والعمل المشترك من أجل الوقوف ضد التحديات المشتركة.

مواقف البابا تواضروس الثاني أشاد بها  الاتحاد العام لأقباط من أجل الوطن خلال العامين الماضيين منذ توليه الكرسي البابوي ، حيث وصف الاتحاد البابا بأنه  صمام أمان من خلال مواقفه الوطنية الخالصة التي تصب في مصلحة مصر دون تفرقة بين مسلم و مسيحي.

 

رغم نجاح السلطات المصرية في تقويض الاحتجاجات والتظاهرات الإخوانية في الشوارع بعد مرور أكثر من عام على عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي من منصبه، إلا أنه ما زال هناك العديد من بؤر التوتر والاحتجاج التي تكررت المواجهات بينها وبين أجهزة الأمن أكثر من مرة على مدار العام الماضي. وحتى الآن ما زالت مناطق مثل كرداسة وعين شمس وحلوان والمطرية والعمرانية والزيتون وناهيا، تشهد مواجهات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين، رغم الحملات الأمنية الموسعة التي وجهت إليها والقبض على عشرات من أبنائها، بخلاف آخرين سقطوا ضحايا للصدامات بين قوات الأمن والمتظاهرين.

تبدو التركيبة الاجتماعية والكثافة السكانية العالية لهذه المناطق التي تجعلها أقرب إلى "التركيبة القبلية"، بالإضافة إلى ما تفرزه المناطق الوسطى والفقيرة من تلاحم وترابط بين الجيران، مع التواجد والحضور الإجتماعي القوي للتيارات الإسلامية بتنوعها الجهادي والسلفي والإخواني، مع شعور هائل بالظلم ونقص الخدمات، أبرز العوامل التي ساهمت في تصدير هذه الأماكن كأكبر بؤر الاحتجاج ضد السلطة الجديدة، بالإضافة إلى قافلة الضحايا التي قدمتها هذه المناطق منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011، ما ولّد تصميمًا من أهالي الضحايا للثأر لهم، خصوصًا مع سابق مشاركة هذه الاماكن بقوة في أحداث 25يناير وسابق حرق أقسام الشرطة في هذه المناطق، وما شهدته هذه المناطق من سقوط ضحايا كثيرين، لم يكن آخرهم أولئك الذين سقطوا في أحداث فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة.

إلا أن إسماعيل الإسكندراني، الباحث في علم الاجتماع السياسي يرفض الإقرار بأن التواجد الإسلامي في هذه المناطق أحد أسباب اشتعالها، ضارباً المثل بأن العديد من الأماكن ذات التواجد الإخواني الكثيف داخل العاصمة المصرية ليس بها نشاطات أو فعاليات احتجاجية، على الرغم من التواجد الإخواني القوي، فضاحية مثل مدينة نصر رغم التواجد الإخواني الكبير فيها إلا أنها تخلو من المواجهات بين قوات الأمن والمتظاهرين؛ بسبب العديد من الأسباب الطبقية والاجتماعية والسكانية والعمرانية، فشوارعها الواسعة على سبيل المثال، والمؤسسات والمنشآت العسكرية الكثيرة المتواجدة فيها، لا تسمح بمثل هذا الحراك الإخواني، بعكس المناطق الأخرى التي تختلف في بينتها العمرانية والحضارية والسكانية.

يذهب الإسكندراني إلى أن الدم وحده هو من أجج نار الغضب والاجتجاج في هذه البؤر، لأن هذه الأماكن في مجملها سقط منها شهداء كثيرون في الاعتصامات والأحداث التي جرت منذ 25يناير 2011، وما استتبعها من مسيرات غاضبة مطالبة بالثأر والقصاص لهم، تصدت لها السلطات بعنف، ليسقط ضحايا جدد في متوالية للدم أبقت على الالتهاب والاحتقان في هذه المناطق، مضيفًا أن تواجد الإسلاميين ربما يكون عاملاً مساعدًا أو حاضنًا، لكنه ليس العامل الرئيسي المهيج لبؤر الاحتجاج، التي يؤكد أنها مرتبطة ارتباطًا شرطيًّا بالثأر من 28 يناير 2011، فيما تتضافر باقي العوامل الأخرى كعوامل محفزة ومساعدة، للاحتجاج والتوتر،، كما يضيف الإسكندراني.

متضامنًا مع سابقه في الرأي، يذهب أحمد تهامي؛ أستاذ العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية إلى التأكيد أن سقوط العديد من الضحايا في المواجهات المندلعة على مدار عام بين السلطات وأنصار الإخوان يخرج الأمر من نطاق المشكلة السياسية إلى نطاق متوالية الدم والعنف التي تخلق نفسها، ما يصعب من قدرة الدولة على احتوائها؛ بسبب قدرته على التوسع والاستمرار والتحول إلى مناطق مواجهات صعبة ومراكز غضب ضد السلطات المصرية، إلا في حالة الانفتاح السياسي وحلحلة الأمور.

ويضيف تهامي أن تشابك التعبئة السياسية المحتقنة والأوضاع الاجتماعية الموجودة في هذه المناطق من تجمعات قبلية وعائلية وما تنتجه من علاقات ترابطية أقوى بين السكان وبعضهم البعض، يسهل عملية الحشد والتعبئة ضد السلطات، كما يوفر نوعًا من الحماية للمتظاهرين. كما أن السمة المميزة لهذه الأماكن هي وقوعها في الهامش بعيدًا عن مركز العاصمة، ما يجعلها تشكل محورًا مهمشًا للأزمات حول العاصمة، مثلها مثل كل المناطق الطرفية تتسم بالعشوائية وضعف سلطة الدولة فيها.

وهو ذات الرأي الذي يؤكده أحمد عبد الحميد حسين، الباحث في علم الإجتماع السياسي أن طبيعة المناطق المتوسطة والعشوائية تجعل ساكنيها أقرب وأكثر ميلاً لممارسة العنف لأنها مناطق مزدحمة غير حضارية وتركيبتها النفسية أكثر ميلاً للعنف والتظاهر والاحتكاك، خاصة وأن هذه المناطق في معظمها شهدت تغيرًا في تركيبتها وأصبحت بمثابة مناطق "خلفية عشوائية" ما نقل سكانها إلى الشريحة الدنيا اقتصاديًّا، بالإضافة إلى تراجع الخدمات ونقص البنية التحتية وزيادة الاحتقان الاجتماعي المبني عليه احتقان سياسي. كل هذه العوامل تضافرت وغيرت التركيبة السكانية ونقلتها إلى الشريحة الدنيا التي بينها وبين السلطة "فجوة كبيرة" بالأساس ما يجعلها قابلة بشكل كبير لحالة الاحتقان.

ويضيف حسين إلى أن صعوبة السيطرة الأمنية على هذه المناطق الواسعة جدًّا من الناحية الجغرافية، بسبب وجود تكتلات وتجمعات عائلية كبيرة وفرت ظهيرًا مجتمعيًّا حاميًا للإخوان وأنصارهم، بالإضافة إلى أن الطبقة الوسطى بشكل عام وهي المكون السكاني الرئيسي لهذه المناطق وقعت أسيرة لـ"هيمنة الأفكار الإسلامية"، ما يشكل رافدًا قويًّا للتظاهرات والاحتجاجات الإخوانية، يسهم في تأجيجها واشتعالها أدى إلى وجود مساحة عالية من التظاهر اليومي نتيجة عدم وجود سيطرة أمنية لصعوبة التصدي للمظاهرات في هذه المناطق، ما ألجأ السلطات لاستخدام العنف، وهو ما لا يتماشى مع طبيعة سكان هذه المناطق وتركيبتهم الاجتماعية من سهولة "التشبيك والحشد والتعبئة" لوجود تكتلات عمالية كبيرة في بعضها، حول الأفراد إلى "وحدات تفجير" سهلة التمرد والعصيان، باعتبار أن نفسية السكان قابلة للتمرد الفور والسهل والسريع، وهو ما أبقى عليها كبؤر توتر وغضب حتى الآن.

وهو الرأي الذي يرفض الإسكندراني إطلاقه على العموم بقوله بالتأكيد التركيبة الاجتماعية لها دور، إلا أنه لا يستقيم أن يكون هناك محدد واحد نعممه على كل المناطق، فما ينطبق على المجتمع العمالي المسيس الذي يمتلك ثقافة الاعتراض كحلوان لا ينطبق بالضرورة على أماكن أخرى، قد يكون محركها الأساسي أن لا شيء لديها تخسره، وهو ما يدفعها إلى مجابهة السلطة، مضيفا أن التركيبة الاجتماعية عامل من عوامل فهم أبعاء الحراك، لكن التعميم فيها مخل.

قبل أن يلفت الإسكندراني إلى أن السلطات المصرية احتاجت  إلى مثل هذه البؤر الملتهبة بعد فض الاعتصامين من أجل الحفاظ على جاهزية القوات واستعداداتها الفنية؛ لأنه بعد وصول القوات إلى حالة عالية من الاستنفار ضد "الخصوم" ثم انصرافها دون تفريغ طاقاتها المستنفرة تترهل القوات وتضربها موجة من التسيب، حرصت السلطات على تفاديها بالإبقاء على بؤر توتر واحتجاج لتشغيل هذه القوات المستنفرة والجنود المحشودة متممًا القول بأن السلطات في بداية الأمر كانت قادرة على احتواء هذه التظاهرات دون تعامل عنيف يؤدي إلى سقوط ضحايا لكنها كانت حريصة على قواتها المستفنرة أكثر من حرصها على أرواح المواطنين، وهو ما أدى إلى الإبقاء على هذه المناطق كبؤر احتجاج وتوتر ضد السلطة، رغم مرور أكثر من عام على عزل مرسي إلا أن الدم لا يسقط بالتقادم.

الجمعة, 17 تشرين1/أكتوير 2014 00:00

في سيناء .. خدمة الوطن جريمة عقوبتها الذبح

 

يستمر مسلسل الذبح في سيناء، تحت إدعاء التعاون مع الموساد، لكن القتل بتهمة التعاون مع الجيش المصري، فيحمل من الدلالات الكثير، خاصة مع إدراك الطبيعة الثقافية لأبناء القبائل في سيناء، تلك الطبيعة التي تحمل في وجدانها سلطة عاطفية طاغية تجاه الجيش المصري، والتى ترى في التعاون معه قمة الوطنية والفداء، هذا المجتمع الذي سطر في صفحات التاريخ، بطولات من الجهاد ومقاومة العدو الصهيوني، منذ ثورة فلسطين الكبرى 1963، تضامناً مع أبناء عمومتهم من أبناء القبائل في فلسطين، وحتى حرب السادس من أكتوبر 1973، ثم يأتي الوقت الذي يذبح فيه من يحمل التوقير والتقدير للجيش المصري والأمة العربية، ويقتل لإمداده القوات المسلحة بمعلومات عن الجماعات الإرهابية التابعة لتنظيم"داعش".

جريمة مقدسة

بعيداً عن مصدقية إتهام بعض أبناء القبائل بالتعاون مع أجهزة العدو الصهيوني الإستخباراتية، والتي إن صدقت إقتصر النظر فيها على الدولة، لكن الجريمة المستحدثة فى التعاون مع القوات المسلحة المصرية، ليست مجرد رغبة ساديه عابرة، بل هو حرب نفسية مكتملة الأركان أتت ثمارها على الأرض بشكل كبير، حيث أكد العديد من أبناء القبائل فى حديثهم مع "صلة"، أن قبل ما يشهده الوطن من موجة الإرهاب العاتية، الذي يمر به المجتمع بجميع طبقاته وفئاته، كان من عظيم الفخر أن ينتمي الرجل من أبناء البادية لفصيل الوطنيين، من المتعاونيين مع مؤسسات الدولة، وكان يتباهى المجاهدون الذين يحملون أنواط ونياشيين البطولة والشجاعة، بتعليقها على صدورهم دلالة على مقاومتهم العدو الصهيوني، سواء بالعمليات الفدائية أو جمع المعلومات عنه، وأنشئ جمعية المجاهدين لتضم فى عضويتها، كل من ساهم بدور فى فترة الاحتلال، وكان الإبن يتفاخر على أقرانه بأن والده من الأبطال، ومن هنا ترسخ فى وجدان الأجيال، قيمة مساندة الدولة عسكرياً وأمنياً ومعلوماتياً، واعتادوه من أعظم الأعمال، ما تولد عنه سلطة عاطفية تجاه جميع مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.

لكن الوضع تغير 360 درجة، بعد أن نشطت الجماعات المسلحة وأصبح التعامل بين المواطن وأجهزة الدولة، جريمة يُعاقب عليها بالقتل، واستهدفت الجماعات عدد من الرموز القبلية بتلك الحجة المقيته، منهم نايف ابو اقبال وخلف المنيعي ونجله وسمير ابو خرتل واشتيوى ابو مراحيل وحسان البعره وغيرهم، واعتبرت مصادر قبلية أن تلك الممارسات بمثابة حرب نفسية مرتبة ومدروسة، حيث تقوم بإرهاب المتعاونيين بأن جزائهم الموت المحقق، ومن ناحية أخرى تزرع فى نفوس الأطفال المتواجدين فى خضم الأحداث، أن التعاون مع الجيش المصري جريمة يعاقب عليها "الشرع" الديني، لأن الطفل يرى أن ابن عمه أو أخيه أو نسيبه أو جاره الذى ترعرع بجواره، هو من يحز الرقاب بحد سكينه، باسم الإسلام مؤكدين على أن كل من يخالفه الرأي هو كافر بالضرورة.

وتشير المصادر إلى أن قيادات الجماعات، هم من سيطروا منذ أعوام على المنابر الدينية فى المساجد، ويذهب البعض إلى أن مساجد مدينتى الشيخ زويد ورفح وبعض مساجد العريش، كانوا تحت سيطرة مشايخ التطرف، وكانوا يستقطبون الأطفال والصبية، ويبثون أفكارهم المتطرفة فى نفوسهم، ما يفسر أن غالبية عناصر أنصار بيت المقدس ممن لم يبلغوا نصف العقد الثاني من العمر.

إستقطاب

تعاون المواطن مع أجهزة الدولة فى مواجهة الإرهاب، إنما يهدف فى الأساس حفظ أمن المواطن نفسه، الذى يرى فى الجماعات المسلحة، ما يهدد حياته وإستقراره، لكن الجماعات إستطاعت بحربها النفسية، أن تولد لدى المواطن رؤية معاكسة، حيث يرى فى تعاونه المعلوماتي مع الدولة، ما يهدد أمنه الشخصى وكذلك أسرته وأقاربه، هكذا تحدث أحد عواقل قبائل سيناء مع "صلة"، موضحاً أن في الأمر شيء مريب، من حيث وصول الجماعات إلى المتعاونيين بسهولة ويسر، مع العلم أن العلاقة التعاونية تكون في إطار من السرية.

ويضيف المصدر أن الجماعات إستطاعت في مدة قصيرة نسبياً فى إستهداف هؤلاء، وبدؤوا في إسقاطهم واحد تلو الآخر بطريقة ملفتة للنظر، ما يشير إلى أن هناك مندسين ينقلون أدق المعلومات عن المتعاونيين، وهو ما تسبب في خلق حالة فزع بين الأهالي، وذهب الأمر إلى درجة من الخوف، أن يذكر الرجل أي أمر يتعلق بالجماعات حتى بين أهل بيته.

وأوضح المصدر أن تركيز الإصدارات المرئية لجماعة أنصار بيت المقدس، والتي يقتل خلالها المتعاونيين بشكل مقزز، وتسجيل إعترافاته على آخرين يبلغون الأجهزة الأمنية بتحركات الجماعات، وكذلك إختيارهم من أبناء القبائل العريقة كالسواركة والترابين والرميلات، إنما هو رسالة تحدي للجميع، على أن الدولة عاجزة على حماية رجالتها، وأن أيدي الجماعات تصل لمن تريد وقتما تريد.

وكشف المصدر عن أن تلك الممارسات كانت السبب الرئيسي، فى نجاح إستقطاب الجماعة عدد من شباب القبائل، بإظهار قوة تفوق إمكانيات الأجهزة المعلوماتية، فكانوا يعقدون المقارنات بين نجاحهم فى كشف العناصر المتعاونة مع الدولة، ونجاح الأجهزة الأمنية فى القبض على عناصر التنظيم، وهو ما يشيرون اليه دائماً فى إصدارتهم المرئية وبياناتهم، ودائماً ما يتحدثون عن أن المقبوض عليهم لا يمتون بأي صلة للتنظيمات المسلحة، فى محاولات مستديمة لإظهار ضعف الأمن وعجزه عن مقاومة الإرهاب والكشف والقبض على عناصره، وبحكم علاقات القرابة والمصاهرة، فهم يجيدون أساليب الإقناع التي تتفق مع الثقافة البدوية، ويملكون أدوات الحوار والإقناع التي تغزو العقول من أبناء البيئة السيناوية، كما أن نسبة الخسائر البشرية من المدنيين فى المعارك القتالية التى تدور بين الفريقين، كانت أحد أسباب نجاح عملية الإستقطاب، التى بُنيت على ثقافة الثأر من القاتل أياً كان السبب.

 

 

مثّل صعود التيار السلفي بعد ثورة 25 يناير مفاجأة لقطاع واسع من عموم المصريين الذين فاجأهم الظهور السلفي الواسع في الساحتين السياسية والإعلامية وهم اللذين ما اعتادوا رؤيتهم إلا في محيط المساجد والزوايا.

الأداء السياسي والإعلامي للسلفيين مثل مفاجأة وصدمة للمراقبين ومتابعي الحركات الإسلامية؛ فالعلاقة بينهم وبين التيارات الإسلامية الأخرى بدأت من التحالف الإسلامي الإسلامي للتصويت بنعم على التعديلات الدستورية مارس 2011، وانتهت بالطلاق البائن بين التيارات الإسلامية في عمومها المتكتلة خلف جماعة الإخوان المسلمين في جهة، وحزب النور والدعوة السلفية وحدها في جهة أخرى.

بحسب المراقبين، فإن التيار السلفي ليس اتجاهًا واحدًا وإنما قطاع عريض يضم عدة اتجاهات تتباين في أفكارها ومعتقداتها إلى حد أنه يمكن نسبتها إلى سلفيات متعددة وليس سلفية واحدة لها كيان واحد واعتبار واحد، فيما تعد أبرز القوى السلفية المكونة للمشهد السلفي العام هي التيار السلفي المدخلي، والدعوة السلفية بالإسكندرية، والسلفية الحركية بالقاهرة.

يعتبر التيار السلفي المدخلي وأشهر رموزه محمد سعيد رسلان، وأسامة القوصي، ومحمود عامر، هو التيار الوحيد الثابت على منهجه ما قبل 25 يناير وما بعدها، وحقق انتشارا وصعودا واسعا بعد 30 يونيو، نتيجة نزوع أفراده إلى الابتعاد عن الإعلام والاهتمام أكثر بالعملين الدعوي والعلمي، وموقفه السياسي موقف الضد من ثورات الربيع العربي وضد معارضة الحاكم طالما أن الحاكم "غير كافر" وطالما أن الدولة في عمومها إسلامية.

ويرى المتابعون أن هذا التيار اتسعت قاعدته الشعبية بعد 25 يناير خصوصًا بعد تجربة وصول الحركة الإسلامية للحكم وممارساتها الفاشلة بداية من تنحي مبارك، وصولاً إلى 3 يوليو وعزل مرسي عن منصبه، حقق هذا التيار تمددًا وانتشارًا أفقيًّا ورأسيًّا بشكل أوسع على حساب مدرسة الدعوة السلفية السكندرية، أو السلفية الحركية بالقاهرة، زادت وتيرة هذا الامتداد وانتشاره المتسارع نتيجة فشل تجربة الإخوان في الحكم.

أما التيار السلفي القاهري أو السلفية الحركية التي لا تعتمد على هيكل تنظيمي محدد فهو أكثر التيارات السلفية تشددًا في الخيارات الفقهية والمواقف السياسية، كما أنه أكثرهم انخراطًا في العمل الثوري بعد 25 يناير على الرغم من موقفه المغاير لهذا الطرح فيما قبل الثورة التي أطاحت بمبارك عن سدة الحكم، فيما يعد الشيخ محمد عبد المقصود، أبرز شيوخ السلفية الحركية القاهرية.

انعكست قناعات سلفية القاهرة الحركية المتشددة على مواقفهم السياسية بعد دخولهم المعترك السياسي عقب تنحي مبارك سواء باتجاه قطاعات واسعة منه لدعم ومناصرة حازم صلاح أبو اسماعيل، أو الذهاب إلى سوريا لـ"الجهاد" ومناصرة "الثورة السورية" وصولا إلى الانخراط في العمل المسلح ضد الجيش والشرطة، ملتحقًا ببعض الشباب المحسوب على التيارات الإسلامية ممن رفضوا السلمية واختاروا الصدام مع الدولة عقب 30 يونيو، فيما يحافظ جزء منهم على المشاركة في العمل السلمي الثوري منضما لشباب الإخوان المسلمين.

أما التيار الأكبر الذي تعرض لهزات عنيفة أفقدته قطاعًا واسعًا من أنصاره سواء المحسوبين على هياكله التنظيمية، أو جمهوره العام في الحلقات الواسعة المتحلقة حول الفكرة، هو الدعوة السلفية السكندرية، التي حافظت برغم الهزات على ما يمكن وصفه بأبنائها الخالصين وجزء من القاعدة الشعبية نتيجة اختياره البعد عن الصدام مع السلطة والمجتمع، وهو ما مثل "حكمة" من وجهة نظر المحسوبين عليه أنقذتهم وضمنت لهم البقاء.

تبقى الدعوة السلفية السكندرية وجناحها السياسي حزب النور، هما التيار الوحيد المحسوب على الإسلاميين المنخرط في العملية السياسية عقب 30 يونيو، بدعمه لقرارات خارطة الطريق التي أعلنها وزير الدفاع وقتها، الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، ومباركة أمينه العام جلال مرة، ومشاركته خلافًا لقطاعات الإسلاميين في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، والانتخابات الرئاسية الماضية 2014.

إلا أن اختفاء الحزب من الساحة السياسية والتضييقات الحكومية على قياداته ومنعهم "عمليًّا" من الخطابة بتطبيق قانون تنظيم الخطابة الذي قصر حق الخطابة على خريجي جامعة الأزهر، طرحت سؤالاً حول الأفول والتراجع السلفي من المشهد العام، ومستقبلهم في الأنتخابات البرلمانية المقبلة.

مصطفى زهران، الباحث في مركز سيتا للدراسات السياسية والاستراتيجية قال إن مشهد الإسلام السياسي في مصر وفي الحالة العربية بشكل عام بعد تحول ثوراتها من الربيع للخريف انحسر فيها الحديث عن السلفية وسط صعود مباشر للفكرة "الداعشية" نتيجة عرقلة خطوات الإسلام السياسي ومحاصرته، ما وفر البيئة المناسبة لظهور الأفكار الراديكالية، وتصدرها وسيطرتها على المشهد الإعلامي والسياسي في المنطقة بكاملها.

وأضاف زهران إنه نتيجة لصعود داعش انحسر الحديث عن السلفية كمرحلة مباشرة، معناها الوحيد أنه لا مستقبل لحزب النور ولا الدعوة السلفية، لأن السلفيات الجهادية وحدها هي من تتصدر المشهد، فيما تعيش السلفيات العلمية على الأطراف والحواشي، متوقعا أن تنزوي مع الوقت وتعود مرة أخرى إلى وضعها ما قبل 25 يناير، انتظارا لمستقبل يرسمه السلفيات الجهادية التي تعيش الآن ربيعها الذهبي.

مختلفًا مع سابقه في الرأي، قال صلاح الدين حسن، الباحث في شئون الحركات الإسلامية إن ابتعاد الدعوة السلفية عن الحالة العامة السياسية والإعلامية جاء لأنها لم تعد مواتية لظهورهم إعلاميًّا، لكن ليس معنى ذلك أن التيار في أفول، إنما نستطيع أن نقول إن التيار تعرض لحالة تغيرات مزاجية أو فكرية في بعض الأحيان إلا أن قاعدته الأساسية ما زالت موجودة كما هي لم تنسحب في اتجاه تيارات ليبرالية أو إسلامية أخرى.

وعلى الرغم من رؤية حسن لعدم قدرة الدعوة السلفية على مليء فراغ الإخوان، لأنها شعبيًّا لم تكن بحجم الإخوان ولا تمددها حتى تستطيع استيعاب كل الفراغ الناشيء عن إقصاء الإخوان عن المشهد، لكنها قادرة على استيعاب جزء من هذا الفراغ وخاصة في الناحية المجتمعية خاصة وأنه يحظى "تنظيم هيراركي" له مجلس شورى ومجلس أمناء وفروع وهياكل إدارية، له القدرة على اعتماد العمل الاجتماعي، وتوظيفه سياسيا فيما بعد كما كانت تفعل جماعة الإخوان المسلمين، بإقامة القوافل الطبية والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى عدم تعرضها أو أنصارها لضربات أمنية كبيرة حتى مع وجود بعض المضايقات من جانب الدولة كالتضييق على كوادرها بقانون تنظيم الخطابة، إلا أنه يرى أن الدولة تعمدت عدم التضييق على الدعوة السلفية في محاولة منها لترك مساحة من التنفيس للمتلزمين دينيًّا، بالإضافة إلى قناعة الدولة أن التيار السلفي لابد أن يمثل في البرلمان وأن يكون له وجود في الشارع المصري لأنها تحتاج إلى غطاء إسلامي يعطي شرعية للبرلمان المقبل.

وذهب حسن إلى أن هذا الدعوة السلفية السكندرية لديها فرصة للحصول على حصة جيدة من نتائج الإنتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها خصوصا مع إعلانه الإستمرار في العملية السياسية للنهاية، منطلقا من قناعة أنه لا يريد ترك مصر لـ"العلمانيين" ولابد من مزاحمتهم والتنافس معهم والحصول على مكان داخل النظام السياسي الجديد الذي يتشكل الآن.

من جانبه قال محمد حسني، الباحث الشاب في الحركات الإسلامية إن فترة ما بعد 3 يوليو هي العصر الذهبي للدعوة السلفية السكندرية، مرشحا حزب النور للحصول على نسبة أعلى داخل البرلمان المقبل من نظيرتها التي حصل عليها في 2011، باعتبار أنهم بديل إسلامي يقدم حالة وسط بين السلفيتين المدخلية والجهادية، بالإضافة إلى صعود داعش والحاجة إلى وجود تيار ديني يمكن وصفه بالمتشدد في خياراته الفقهية كمعادل لداعش، ومراهنة السلفيين على أنه في النهاية فإن الإسلاميين جميعًا ما عدا الإخوان، سينتهزون فرصة الانتخابات البرلمانية للدخول في مكونات النظام الجديد بدلا من الإقصاء الكلي للإخوان.

واعتبر حسني أن الدعوة السلفية الآن في مرحلة "طور تحول" لتحويلهم لصورة أخرى من نمط الإسلام الشعبي كالحالة التي كان يمثلها الشيخ الشعراوي، أكثر منها تيار "كهنوتي" له أتباع ومريدين وقائم على الالتزام بين الشيخ والأتباع، وهو ما يدعمه نجاحهم في تحويل الزخم الشعبي المصاحب لهم لتيار منظم  له القدرة على الحشد، لتغلغله في طبقات المجتمع التقليدية.

 

يتجدد الجدل منذ نشوب ثورة 25 يناير، وبشكل دوري مرتين على الأقل في العام، الأولى في ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، والثانية في ذكرى وفاة قائد ثورة يوليو جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970.

ولا يمكن فصل هذا الجدل عن طبيعة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها مصر منذ الثورة بتقلباتها الحادة، الأمر الذي جعل مرحلة ثورة 23 يوليو (1952-1970) خاضعة لاستقطاب حاد وغير مسبوق في التاريخ المصري المعاصر.

ولعل النقاش الأكثر حدة تمحور حول طبيعة العلاقة بين ثورتيْ 25 يناير و23 يوليو، وهل تشكل الأولى قطيعة مع الثانية أم تكاملاً معها؟ وما هو شكل العلاقة المفترضة بين الثورتين؟ ونتناول هذه القضية المحورية والمهمة في جزئين؛ يتطرق الأول لطبيعة ومسارات الجدل حول ثورة 23 يوليو ومواقف القوى السياسية منه، ويتناول الثاني طبيعة الاختلاف بين الثورتين، والعلاقة بينهما في ضوء دروس التاريخ.

مراحل ومسارات الجدل:

أدت ثورة 25 يناير لإطلاق جدل حاد حول طبيعة المرحلة السابقة عليها، بدأت بمرحلة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك مرورًا بمرحلة أنور السادات" وانتهاءً بمرحلة عبد الناصر.

وقد لعبت تقلبات الثورة وأحداثها الدراماتيكية دورًا في ارتفاع النقد الموجه لمرحلة ثورة 23 يوليو تحديدًا ومرحلة الجمهورية الأولى (1953-2011). ويمكن هنا تتبع مسارات هذا الجدل وفق المراحل الزمنية الثلاث للثورة المصرية:

  • مرحلة المجلس العسكري: وهي المرحلة التي بدأت بشعار [الشعب والجيش إيد واحدة]، الذي رفعته الجماهير في ميدان التحرير إبان الثورة، لتنتهي بشعار [يسقط حكم العسكر] الذي رفعته بعض الجماهير، وبرحيل مرحب به على نطاق واسع للمجلس العسكري وسط إجماع على فشل إدراته للمرحلة الانتقالية الأولى. وتبنت العديد من المجموعات الشبابية والثورية مواقف راديكالية إلى حد ما من التاريخ السياسي لمصر ومنها مرحلة ثورة 23 يوليو. وتركز نقدها على الدور السياسي للجيش الذي أدى لهزيمة 1967 في الماضي، وفشل الثورة في تحقيق أهدافها في الحاضر، وعلى الطبيعة الاستبدادية للنظام السياسي الذي حكم مصر منذ 1952،وعلى ضرورة تأسيس نموذج سياسي مفارق عن نموذج ما قبل ثورة 25 يناير، لتأسيس دولة "مدنية" كاملة لا يلعب فيها الجيش دورًا.
  • مرحلة الرئيس المعزول "محمد مرسي": وهي المرحلة التي شهدت في بدايتها انقسامًا حادًا بين بقايا النظام السابق لمبارك ممثلاً في أحمد شفيق القادم من المؤسسة العسكرية، ولكنه لم يحسب معبرًا عنها، وبين مرشح الإسلاميين محمد مرسي الذي ساندته مجموعات شبابية وشرائح واسعة في الجولة الثانية للانتخابات لمنع شبح عودة النظام السابق.
  • ولاقى قرار مرسي بعزل المجلس العسكري، وإلغاء التعديل الدستوري المكمل قبولاً واسعًا، لكن الصراع السياسي سرعان ما احتدم بإصداره الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، ثم اشتباكات الاتحادية في ديسمبر 2012. وقد تداعت أحداث هذه المرحلة العاصفة لتنتهي بشبه إجماع شعبي على ضرورة تدخل الجيش من جديد في العملية السياسية لعزل الرئيس "محمد مرسي"، مع استدعاء مكثف للمرحلة الناصرية من حيث رموزها وشعارتها وأغانيها وصور قائدها في مواجهة من تم تصويره على أنه "الآخر" وهم الإسلاميون وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، مع تمجيد شديد للجيش وقائده.
  • مرحلة ما بعد 30 يونيو: وهي المرحلة التي أعقبت بيان القوات المسلحة بعزل محمد مرسي في 3 يوليو 2013 مرورًا بواقعة رابعة العدوية في 14 أغسطس، وحتى انتخاب السيسي كثالث رئيس للبلاد، بعد محمد مرسي وعدلي منصور، في مايو 2014. وهذه المرحلة التي لم تنتهِ فصولها بعد، بل يمكن القول إنها فقط بدأت للتو مع تولي السيسي لزمام الأمور. ويمكن القول إن هذه المرحلة هي الأشد انتقادًا لثورة 23 يوليو، نظرًا لطبيعة الأحداث التي جرت فيها، وتركز الانتقاد على الدور السياسي للجيش في العملية السياسية ووصول قائده لسدة الحكم، والدور الاقتصادي للجيش، وانتهاكات حقوق الإنسان الواسعة، وغياب الديمقراطية، وتكرار أخطاء الماضي من حيث ترك الجيش لمهمته الأصلية وتحكمه في السلطة.

أما عن القوى السياسية، وطبيعة الجدل حول ثورة 23 يوليو، فيمكن القول إن الأحزاب اليسارية والليبرالية والناصرية لم تتخذ مواقف نقدية حادة تجاه ثورة 23 يوليو ولا من الجيش ودوره السياسي بشكل عام وبخاصة في مرحلة مرسي وما بعد 30 يونيو. وباستثناء بعض الشخصيات والرموز التي اتخذت مواقف جادة ونقدية، فإن التيارات الثلاث لم تقدم نقدًا يعتد به لهذه المرحلة. أما الأحزاب والقوى الإسلامية فإنه ومع عدائها المعروف لثورة 23 يوليو وقائدها، فإنها انتجهت سياسة حذرة خلال المرحلة الانتقالية الأولى وخلال حكم مرسي لم تدعو لمهاجمة الجيش ولا مراجعة التاريخ ونقده بشكل صريح، بينما تماهت بعض المجموعات الإسلامية كـ"الجبهة السلفية" و"حازمون" مع المطالب والاحتجاجات الشعبية المختلفة ضد حكم وممارسات المجلس العسكري. أما المرحلة الانتقالية الثانية، فقد شهدت انتقادات واسعة من التيار الإسلامي بكافة أطيافه لثورة 23 يوليو وبشكل غير مسبوق مع دعوات لإعادة كتابة التاريخ مرة أخرى وتركزت انتقادتهم على الطبيعة "الانقلابية" للجيش، وتدخله في العملية السياسية، ورفضه الحاد والقاطع لإكمال أي مشروع "إسلامي"، وعلى التاريخ القمعي للجيش مع الإسلاميين.

أما القوى الشبابية والثورية التي انبثق معظمها بُعيد ثورة 25 يناير ، فإنها تبنت مواقف حادة منذ منتصف 2011 على الأقل تجاه مرحلة ثورة 23 يوليو بشكل كامل. وقد تركز نقد القوى الشبابية على الفرص المهدرة للتنمية طوال العهد الجمهوري، وعلى أخطاء التورط العسكري في الخارج، والتدخلات العسكرية في العملية السياسية والتحكم في مفاصلها، والطبيعة الاستبدادية للنظام الحاكم، والقبضة الثقيلة لأجهزة الأمن. وتمحورت رؤية هذه التيارات ببساطة أن ثورة 25 يناير قامت للإطاحة بنظام مبارك المستبد الذي هو في حقيقته امتداد للحكم الاستبدادي الذي أنشأته ثورة 23 يوليو، وبالتالي فإن الحل هو نقد هذه المرحلة بل ونقضها بشكل شامل، وإعادة تقييم التاريخ.

وفي هذا الإطار، فإن 3 ملاحظات رئيسية تبرز فيما يخص الانتقادات الموجهة لثورة 23 يوليو:

  • ·الصراع السياسي: تأثر الجدل حول ثورة 23 يوليو بالظرف السياسي المصاحب لمراحل ثورة يناير. فقد بلغ هذا النقد ذروته في فترة المجلس العسكري، ثم انخفض بشدة ليعود تمجيد الثورة وقائدها مع فشل وتردي حكم الإخوان وصولا لثورة 30 يونيو التي أسقطتهم، والفترة بين 3 يوليو و14 أغسطس والتي شهدت "التفويض" لقائد الجيش، ثم بروز الانتقادات من جديد عقب مجزرة رابعة العدوية، ثم ترشح "السيسي" للانتخابات. ويمكن ملاحظة أن نقد ثورة يوليو قد أخذ دورة كاملة من الصعود والهبوط ثم الصعود من جديد. وهذا الأمر يوضح طبيعة تأثير العوامل السياسية على تقييم المرحلة والمزاج الشعبي منها. فالاستقطاب الحاد والتغيرات المفاجئة تأجج الجدل التاريخي عادة، وتعيد استحضار التاريخ لحلبة الحاضر ليدخل فيها ليس كتاريخ، بل كواقع يتم انتاجه أو اسقاطه من جديد. فتشابه اللاعبين السياسين لا يعني بالضرورة تشابه الظرف السياسي أو طبيعة اللاعبين ولا القضايا المثارة.
  • الاختلافات الجيلية والقيمية: يعكس النقد الحاد من قبل القوى الشبابية والثورية لثورة 23 يوليو قدرًا لا يستهان به من الاختلاف القيمي وحتى الجيلي لهذه المرحلة. فالثورات طبيعتها تمثل قطيعة -جزئية كانت أم كلية- مع الماضي وقيمه. وثورة 25 يناير لم تكن فقط ثورة سياسية، بل في حقيقتها ثورة على الأنماط المعرفية ومنظومة القيم السائدة، وثورة من جيل الشباب في الوقت ذاته، وتطلعه لحياة أفضل. ورغم أني لا أميل عمومًا لتفسيرات الصراع الجيلي، لكنه من المداخل المهمة للفهم؛ فالهم الأكبر للشباب تمثل في الديمقراطية وحقوق الإنسان مقابل أجيال أخرى شاركت في الثورة وكان همها الأول اقتصادي بالأساس. كما أنه لم يدرس أحد بشكل منهجي التغيرات التي صنعتها الثورة في الأجيال الجديدة التي ربما لم تشارك في الثورة في يناير وفبراير 2011، لكنها بلغت مرحلة الوعي والنضج السياسي مع الثورة، أو شاركت في مراحلها الأخرى. فالأحداث الكبرى تساهم في صنع وتشكيل الوعي العام خصوصا للأجيال الشابة. لذا يمكننا القول إن هناك أجيال كاملة انفتح وعيها على الثورة وتشكل على طبيعة الصراعات السياسية وتقلباتها الحادة مما جعل موقفها النقدي من التاريخ أكثر حدة من الأجيال الأكبر التي تشكل وعيها واستقر في مرحلة سابقة.
  • الأدلجة السياسية:وهو ما اتسمت به انتقادات التيار الإسلامي بالأساس مع بعض التيارات اليسارية الراديكالية، وحتى من اليمين الرأسمالي، والقوى الشبابية والثورية. وإذا كانت التيارات اليسارية الراديكالية تتسم بالهامشية النسبية في المجال السياسي، فإن التيار الإسلامي يحتل موقعا مهما فيها. ولا شك أن جزء لا يستهان به من النقد "الإسلامي" للحقبة ثورة 23 يوليو عموما ترجع للخلاف الأيدولوجي العميق والتباعد السياسي بينهما. وتتخذ هذه الانتقادات طابعا انتقاميا متصاعدا منذ 30 يونيو. أما اليمين الرأسمالي فإن انتقاداته لحقبة الثورة تتركز على الوضع الاقتصادي ونموذج التنمية "الاشتراكي" وتناقضه مع الاقتصاد المعولم، وتركيزه على حرية رأس المال وفتح الأسواق مقابل الدعوات لاعادة الاعتبار لدور الدولة في الحياة الاقتصادية وكبح جماح "رأسمالية المحاسيب".أما القوى الثورية فإن بعضها يسقط معركتها السياسية مع المؤسسة العسكرية على التاريخ، ويطبق خطاب [يسقط حكم العسكر]، بشكل آلي أصم على التاريخ وإدانته بما يضعها في تناقض مع قاعدتها الاجتماعية والسياسية المفترضة.
  • فقر الخيال وعجز النخبة: فمن الغريب أن يتم استدعاء ذكرى ثورة يوليو وقائدها كل عام لحلبة الجدل العام بشكل متكرر، وهو الأمر الذي يعود بجذوره في الحقيقة لعصر الرئيس السادات واتباع سياسات مخالفة لسياسات عبد الناصر، وتصاعد بعد الانفتاح السياسي الذي أحدثته ثورة 25 يناير. ولعل الجدل حول الماضي، وليس الحاضر، واسقاط الماضي على الحاضر وفي بعض الأحيان المستقبل وانشغال النخب بكافة أطيافها بنفس الجدل بدون تغيير لهو دليل على عجزها وخواء جعبتها بما يجعلها تشغل الجماهير بمعارك الماضي عن الحاضر، وتستحضر الماضي لضرب خصومها أو تدعيم شرعيتها.

ورغم أنه من الطبيعي تصاعد النقد للمراحل التاريخية السابقة على الأحداث الكبرى والانعطافات المهمة في التاريخ كثورة 25 يناير التي مثلت تغييرًا هائلاً في الثقافة السياسية (الوعي والقيم والسلوك)، فإن هذا النقد قد تأثر بهذه المتغيرات، بحيث أصبح في الحقيقة جزءًا من الصيرورة السياسية للثورة ومرتبطًا بها. وهو ما يحتاج للمعالجة بشكل موضوعي بحيث يتم إخراج التاريخ من حلبة الحاضر وصراعاته، حتى لا يصبغها ويتحول لمعوق للمستقبل مع عدم إهمال الاستفادة بدروسه وعبره.

الخميس, 25 أيلول/سبتمبر 2014 00:00

الدولة والإخوان: اتجاه نحو المصالحة؟

جدد حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الجدل حول "المصالحة الوطنية" المفترضة بين جماعة الإخوان المسلمين والدولة، كنهاية لصراعهما الدائر منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي عن سدة الحكم، ولجوء الجماعة إلى خيار المواجهة لإسقاط ما تراه "انقلابًا عسكريًّا" على شرعية حكم الإخوان.

حديث السيسي في مقابلة صحافية مع وكالة أسوشيتد برس، يأتي كأول تصريح رسمي لرأس السلطة في مصر بعد ثلاثة أشهر على وصوله لسدة الحكم.

من الصعب الوصول إلى العدد الدقيق لمبادرات الصلح بين الطرفين عبر وسطاء محليين أو إقليميين، فكلا الطرفين قادر على تكرار النفي الدائم لأية مبادرة مطروحة للصلح، إلا أنه من المؤكد أن هناك مبادرات كثيرة طرحت للوصول إلى حل وسط بين الطرفين المتصارعين بدأت بعد الثالث من يوليو 2013.

حديث السيسي عن المصالحة غير مفاجيء ومتوقع لدى الكثير من المراقبين، بالنظر إلى مجمل الأوضاع السياسية والإقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد منذ بدء المجابهة بين "الإخوان والجيش"؛ فالإخوان بما لهم من امتداد اجتماعي كانوا قادرين على تغطية عجز الدولة في الأماكن الفقيرة والمعدمة بالمساعدات المادية والعينية والمعارض والقوافل الطبية الخيرية التي كانت تنظمها الجماعة في فترات سابقة وتوقفت بعد فض رابعة بعد سلسلة الملاحقات الأمنية والضربات الأمنية العنيفة التي تلقتها الجماعة، وأثرت على مواردها وانشغال أفرادها بالمتابعات القضائية الصادرة بحقهم، وهو عجز انفجر في وجه الدولة، كما أن نزعات العنف في الشارع والتفجيرات المتلاحقة المترصدة لرجال الأمن، والتي  تنفي الجماعة صلتها بها دائما مؤكدة على سلميتها، إلا أنه حتى مع الفشل في الوصول إلى رابط حقيقي بين العنف والجماعة كخيار "تنظيمي" للإخوان، إلا أنه من السهل إدراك أن هناك من يطلب ثارات من قتلوا في رابعة والنهضة وما تلاهما من أحداث، خصوصًا مع العنف الرسمي المفرط تجاه الإخوان وأنصارهم.

احتياج النظام إلى "كابح" لتيار العنف الشبابي في الشارع ربما يكون أحد دوافع السيسي للحديث عن المصالحة، بالنظر إلى أن معظم الخلايا العنيفة أو المرتبطة بالعنف خلال الفترة الماضية والتي أعلنت أجهزة الأمن القبض على أفرادها غير المسجلين في قوائم الداخلية أو ليست لهم ميول عنيفة سابقة، وإن كان من السهل الوصول إلى أن "الثأر" هو المحرك الأساسي لهم خصوصًا بعد أن داعبت ظلال "داعش" خيالهم، إلا أنها في مجملها "مجموعات هواة" قادت الصدفة أحيانًا أجهزة الأمن إلى الوصول لهم؛ فالنظام قادر على ضرب عصفورين بحجر، وقف العنف إن كان عنفًا إخوانيًّا رسميًّا، أو كبح جماحة إن كان عنفًا من دوائر على أطراف الجماعة.

لا يبدو الإخوان على قلب رجل واحد في موقفهم من حديث السيسي عن المصالحة؛ فبحسب مصادر إخوانية فإن هناك جبهتين إخوانيتيْن إحداهما داعمة للمصالحة وفق شروط وضمانات تضعها مجموعة عمل دولية، وأخرى ترى أنه لا بديل عن استمرار الحراك في الشارع لإسقاط النظام الجديد، بالقطع لا يمكن إغفال أن أحد دوافع الرافضين للمصالحة من الإخوان هو الهروب من الحساب عن طريقة إدارتهم للجماعة فترة ما بعد ثورة 25 يناير وصولاً إلى اليوم، بتصدير خطاب المواجهة والمحنة والابتلاء وهي ظروف مواتية تنشط فيها الكيانات العقائدية كالإخوان.

الخلاف حول المصالحة وصل أيضًا إلى الجبهة المؤيدة للسيسي؛ فهناك أطراف عبرت عن ترحيبها بالمصالحة على رأسهم حزب النور والدعوة السلفية، وتكتل أحزاب "الجبهة المصرية" والتي عبر تامر الزيادي، نائب رئيس حزب المؤتمر لـ"صلة" إن الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يقل شيئًا خارج السياق، مشيرًا إلى أن جميع الأحزاب ذكرت في أكثر من مرة أنها ضد العنف ومن حق الجميع المشاركة في الحياة السياسية ما لم يسبق له الاشتراك في العنف، ولاسيما وأن مصر اندلع بها ثورتان تطالب بالحريات متوقعًا أن تتم المصالحة قبل الانتخابات البرلمانية.

فيما قال أيمن أبو العلا سكرتير عام مساعد حزب المصريين الأحرار، في بيان له  إن المصالحة مع جماعة الإخوان بيد الشعب المصرى، وإنه لا أحد يمتلك هذا القرار بمفرده، خصوصًا وأن الرئيس ملتزم ومؤمن بأهمية إنجاز خارطة الطريق فى الوقت المحدد، وإجراء الانتخابات البرلمانية قبل نهاية العام الحالي، وهو أمر مُطمئن للغاية، ويأتى بمثابة رسالة واضحة للعالم أن مصر سلكت طريق الديمقراطية ولا تنوي التراجع عنه مهما كانت الظروف.

من جانبه، قال صلاح الدين حسن، الباحث في الحركات الإسلامية إن هناك قطاعات داخل أروقة السلطة المصرية ترى أنه لا يمكن القضاء على الإخوان والجماعات الإسلامية بأي حال من الأحوال، حتى أن المبالغة في قمعهم بهذا الشكل سيترتب عليه آثار سلبية ممكن تؤدي إلى صعود تيارات متشددة.

وأضاف حسن لـ"صلة أون لاين" أن البعد الإقليمي والعالمي حاضر بقوة لأنه في لا يمكن تجاهل الضغوط الغربية التي تمتلك نظرية إن وجود الإسلام المعتدل ضروري وحيوي؛ لأن عدم وجوده سينعكس بشكل أو بآخر على الأمن القومي للدول الغربية، وأنه يلزم لوجود نوع من الاستقرار النسبي حضور قوى الإسلام السياسي الموجودة بقوة على الخريطة المجتمعية؛ فمن غير المقبول في المرحلة القادمة أن تقصى بشكل قمعي، خاصة وأن الجميع أدرك أن قوى الإسلام السياسي المعتدل قادرة على صد هجوم داعش وتمددها في إطار الحرب على الإرهاب ومحاولة الدفع بوجود الإخوان في اللعبة السياسية مرة أخرى حتى توقف الزحف الفكري للجماعات الجهادية في مصر والعالم.

فيما ذهب عمر غازي الباحث بمركز الدين والسياسية للدراسات أنه لا مصالحة بلا تنازلات ومرونة من جميع الأطراف ولا تنازلات تأتي بلا مبادرة؛ فعلى السلطات إذا كانت جادة أن تقدم كارت الثقة المتمثل في الإفراج عن بعد القيادات مما يجعل هناك بصيص أمل لدى القواعد في وجود منفذ للممارسة السياسية، وفك إجراءات الحراسة على المقرات، ووسائل الإعلام، وإيقاف تنفيذ الحكم القاضي بمصادرة أموال وممتلكات التنظيم الإخوان.

مضيفًا أن الأمر المهم الذي يجب أن يتم وضعه في اعتبار النظام ألا ينتظروا مراجعات فكرية على غرار مراجعات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد تصدر من جماعة الإخوان المسلمين لتكون قنطرة العبور إلى خارج أسوار السجون؛ فلا يمكن بحال المقارنة بين تلك الجماعات التي تورطت في أحداث عنف ضد الدولة وجماعة الإخوان التي كانت في رأس السلطة ونزعت منها السلطة وترى أنها تدافع عن حق دستوري فإذا تمسك النظام الحالي بهذا المنطق فلن تكون ثمة مصالحة تبدو في الأفق.

الأربعاء, 24 أيلول/سبتمبر 2014 00:00

سياسات مصر الخارجية .. إبحار ضد التيار

 

 

مائة يوم على تولي الرئيسعبد الفتاح السيسي لحكم مصر شهدت خلالها السياسة الخارجية المصرية تغيرات كبيرة في محاولة لرسم معالم واضحة لدولة ثارت مرتين وأنهت عصر أسطورتين كبيرتين "الإخوان، والحزب الوطني" في ثلاثة أعوام..

سياسة تباينت حولها الآراء ما بين مؤيد يراها ناجزة في استعادة مصر لمكانتها وريادتها الدولية،خاصة بعد تغير وجهتها العسكرية من الحليف الأمريكي إلى الدب الروسي وقطع علاقاتها بأعوان الإخوان" تركيا وقطر" والتعاون والتحالفات مع أعدائهم " السعودية والإمارات " .

ومعارض يصفها بعدم الوضوح والاعتماد على الدفاع والاعتذار  ومحاولة تبرير 30 يونيو وتغيير الصورة التي نجح الإخوان في رسمها عنها في الإعلام الغربي بأنها انقلاب عسكري على سلطة شرعية .. وما بين هذا وذاك يبقى السؤال: إلى أين تسير السياسة المصرية الخارجية؟

إعادة هيكلة

السفير عبد الرؤوف الريدي، سفير مصر السابق في واشنطن ، يقول إن العلاقات المصرية الخارجية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي سعت إلى  إعادة هيكلة السياسة الخارجية، وهو ما اتضح على المستوى العربي من خلال العلاقات المصرية مع المملكة السعودية ودول الإمارات والكويت والبحرين ولعبها دورًا مهمًّا في القضايا الإقليمية التي غابت أو غيبت فيها على مدار السنوات الأخيرة مثل الصراع العربي- الإسرائيلي.

وأضاف أن مصر حققت توازنًا غير عادي في سياساتها الخارجية خاصة مع روسيا وأمريكا التي أخذت في التحرك لمواجهة تطرف الجماعات الإسلامية، مؤكدًا أن استمرار مثل هذه التطورات والعلاقات تعيد مصر إلى مركزها الدولي الذي اعتاد عليه العالم كشريك فاعل ومحور رئيس لا يمكن الاستغناء عنه في منطقة الشرق الأوسط.

استقلالية سياسية

السفير دكتور السيد أمين شلبي، المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية قال إن مصر تسعى على مدار الثلاثة شهور الماضية إلى التأكيد على استقلاليتها السياسية الخارجية من خلال ترسيخ علاقات دولية متعددة بدأت بتحركات وزير الخارجية، الدكتور نبيل فهمي، لعدد من القوي الدولية: روسيا، واليابان، والصين وكوريا الجنوبية، مؤكدًا أن هذه الجسور التي تبنى لا بد أن تحميها علاقات مصرية قوية مع روسيا وأمريكا معًا لأنهما قوتان عظيمتان لا يمكن تجاهل أي منهما.

وأضاف أن السياسات المصرية في أواخر عهد الرئيس مبارك وعهد الرئيس محمد مرسي ستكلف الرئيس المصري والخارجية المصرية جهدًا مضاعفًا في سبيل محو آثارها من الذاكرة السياسية، مطالبًا وزارة الخارجية المصرية ببذل أقصى الجهد ومساندة رئيسها في رسم معالم السياسة المصرية الجديدة في إطار سياسي محترم.

تحديات إقليمية

السفير جمال بيومي مسؤول وحدة الشراكة الأوروبية ومساعد وزير الخارجية السابق يرى أن السياسة الخارجية المصرية تغيرت طبقا للأحدث والأوضاع المستجدة من اللاذقية شمالاً حتى غوبا جنوبًا ومن أقصى بغداد شرقًا حتى غرباً، مضيفًا أن مصر تواجه ما يسمى المواجهة الشاملة وتحديات الأمن القومي المصري بعد ثورة 30 يونيو؛ خاصة وأن هناك مساعٍ من بعض الدول الصغرى لإقصاء مصر إقليميًّا وعربيًّا وتحديدًا بعد تدخل الجيش كفاعل رئيسي في حسم الثورة لصالح الشعب وعزل الإخوان المسلمين من الحكم، مشيراً إلى أنه طلب من الرئيس عبد الفتاح السيسي الاهتمام بالدائرة العربية في سياسة مصر القادمة مع ضرورة وضع مخطط قوي لإدارة السياسة الخارجية النيلية والإفريقية، على أن تكون سياسة مصر الخارجية متوازنة وليست مع أو ضد، كما كان الأمر في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي الذي كان يطبق سياسة "من ليس معنا فهو عدونا".

 وتابع مسؤول العلاقات المصرية الأوروبية أن العلاقات المصرية الخارجية بعد 30 يونيو اهتمت بتوضيح الصورة الحقيقية لما يحدث في مصر، وأن ما جرى كان ثورة شعبية على نظام حُكم خرج عن مساره وليس انقلابًا كما يصوره البعض، وأعتقد أن سياستنا نجحت بهذا الصدد كما نجحت الخارجية في تغيير الصورة المصرية بعد الثورة.

فشل يعقبه فشل

السفير إبراهيم يسري مساعد وزير الخارجية الأسبق ورئيس جبهة الضمير المصرية السابق قال إن السياسة المصرية مرت بسلسلة متعاقبة من الفشل منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي أعتمد على مجموعة من الدبلوماسيين محدودي الإمكانيات، ومرورًا بحكم الرئيس المعزول محمد مرسي الذي لم يتضح لسياسة مصر الخارجية  في فترته معالم، ووصولاً إلى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي لم تتحدد في عهده حتى الآن طبيعة وشكل السياسة الجديدة للدولة.

 وأضاف يسري أن السياسة الخارجية للدولة المصرية تحتاج إلي التعامل بشكل يتيح الفرصة للإسهام في بلورة رؤى جديدة تسهم في بناء مصر خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا أرادت الدولة المصرية الخروج من بوتقة التبعية في سياستها الخارجية ، مؤكداً أن موقف مصر من حركة الإخوان المسلمين أثّر بشكل مباشر في سياستها الخارجية بعد "الانقلاب" الذي حدث في 30 يونيو على حد زعمه.

سياسة الدفاع والاعتذار

السفير عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية السابق أشار إلى أن سياسة مصر الخارجية تعتمد الآن على سياسة الدفاع والاعتذار والتي تظهر الدولة المصرية كأنها متورطة وهو ما يعطل المسار الطبيعي لرسم السياسة المصرية الخارجية.

وحذر مساعد وزير الخارجية السابق من استدراج الجيش المصري للتورط في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي خارج الحدود مشيرًا إلى أن أمريكا وإيران وألمانيا وبريطانيا يسعون إلى جرّ الجيش المصري لمواجهة تنظيم داعش بعد خروج الأخير عن السيطرة الأمريكية،  لافتًا إلى أن السياسة الخارجية لمصر خلال هذه المرحلة يجب ألا تقوم على أسس الحرب، كما لابد للجيش المصري أن يلتزم فقط بالدفاع عن القضايا المصرية العادلة، خاصة وأن التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري على المستوى العربي والأفريقي تزداد مع مرور الوقت.

ملامح جديدة لدولة قوية

الدكتور جمال زهران أستاذ العلوم السياسية في جامعة القناة وعضو مجلس الشعب المصري يرى أن السياسة الخارجية للدولة المصرية تبدأ من ممارسة ديمقراطيتها في الداخل، وأن أساسيات المرحلة الراهنة تمثل نقطة الانطلاق لإعادة بناء الدولة المصرية.

وأضاف زهران أن رفض الشعب المصري لصور التدخل الأجنبي في الشئون الداخلية هو رسم جديد لملامح السياسة الخارجية للدولة المصرية،مؤكدًا أن الثورات العربية خلقت روحًا جديدة لدى الشعوب العربية التي لم تعد تقبل بالاستبداد أو الديكتاتورية وتسعى إلى حرية حقيقية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية.

الثلاثاء, 23 أيلول/سبتمبر 2014 00:00

كيف تدير السلطة علاقتها مع وسائل الإعلام؟

 

احتل موضوع حرية الإعلام قائمة الموضوعات المثيرة للجدل التي أثارتها تطورات ما بعد ثورة 25 يناير/ كانون ثاني في مصر؛ إذ تنامى الحديث بشكل كبير عن حدود دور وسائل الإعلام وحرياتها في تناول القضايا المختلفة التي تضعها الأجندة السياسية من ناحية، أو تلك التي يفرضها الواقع بمختلف معطياته من ناحية أخرى. وفي هذا الصدد طُرحت العديد من التساؤلات حول مدى استقلالية وسائل الإعلام عن السلطة السياسية، وعن مدى مهنية تلك الوسائل في نقل المعلومات والأخبار للمواطنين بحيادية دون تهويل أو تهوين.   

أثبت الواقع السياسي في مصر، بالقرائن المختلفة من الأحداث، مدى خطورة وتأثير وسائل الإعلام على الرأي العام، ومدى قدرتها على النفاذ إلى عقول وقلوب المواطنين وخلق توجه عام مؤيد لسياسة/شخص ما أو معارض لها/له، بما يُحتِّم على أي نظام سياسي أن يضع في حساباته كيفية إدارة علاقاته مع وسائل الإعلام بالشكل الذي يدعم سياساته، ويُرسِّخ دعائم حكمه.

دور الإعلام .. نقل المعلومة أم تفسيرها؟

"إن الدور الرئيسي للإعلام, هو أن يفهم ويعبر عن الرأي العام السائد، وأن يخلق فكرًا أو رأيًا معينًا لدى الجماهير .. ثم يفضح – وبلا خوف- كل الأخطاء". لم يكن غاندي يدرك أنه سيأتي زمنُّ تُختزل فيه تلك الكلمات وتُوَّظف طبقًا لطبيعة المرحلة التي يمر بها مجتمع ما كالمجتمع المصري، ناهيك عن حجم المصالح التي تربط بين النظام الحاكم وبين وسائل الإعلام ومالكيها. فالإعلام المصري لا يستخدم التعريف الغاندي على إجماله لحقيقة الدور المنوط به، بل إنه يختصره طبقًا لطبيعة المرحلة وحجم التنسيق مع النظام الحاكم في هذا الصدد:  فتجده في فترة زمنية معينة يهتم بالجزء الأخير من التعريف "فضح كل الأخطاء بلا خوف" لخلق رأي عام معارض لهذا النظام، فيما تجده في مرحلة زمنية أخرى يتجاهل الأخطاء تارة، أو يحاول تفسيرها على إنها مزايا تارة أخرى، لخلق توجه مؤيد لنظام آخر.

فقد شهدت مصر في فترة السنوات الثلاثة الأخيرة تجاوزًا لحدود دور الإعلام بشكل كبير؛ فالأصل في الأمور أن يقتصر دور الإعلامي أو الصحفي على نقل المعلومة للرأي العام في أي مجال كانت، وترك أمر تفسير أبعادها ودلالاتها للمختصين في هذا المجال أو ذاك، إلا أننا وجدنا أن الإعلامي أو الصحفي يقوم بدوره بنقل المعلومة والتعليق عليها وتفسيرها للرأي العام طبقًا لوجهة نظره حتى بصرف النظر عن المجال الذي تُسكَّن فيه المعلومة. وتكمن خطورة هذا الأمر في تنامي احتماليات التفسير الخاطئ والسطحي للمعلومات بما يؤثر بالسلب على عقلية المتلقي، وبعيدًا عن كون هذا الأمر مقصودًا أم لا فإنه في النهاية يتضاعف تأثيره في المجتمعات التي تنخفض فيها معدلات الوعي بين أفراد المجتمع، ناهيك عن مرورها بمرحلة انتقالية حساسة قد تؤثر أي معلومة فيها بشكل مضاعف.

لا يقتصر الأمر فقط على التفسير الخاطئ للمعلومة، بل أيضًا على مدى صحة أو خطأ المعلومة المنقولة للرأي العام، وهنا يزداد الطين بلةً؛ إذ إن من شأن المعلومات الخاطئة التي تتداولها وسائل الإعلام وعدم التأكد من صحتها قبل نشرها، أن يثير قدر كبير من البلبلة والفوضى داخل المجتمع، وهذا في المجتمعات المستقرة فما بالك بمجتمع خرج من حالة ثورة أثرت على التركيب السياسي والاجتماعي وهزَّت من استقرار الأوضاع!

الإعلام أداة في يد السلطة !

من هذا المُنطلق، أدركت مختلف النظم السياسية خطورة دور الإعلام، ومن ثمَّ تنوعت الأساليب التي يمكن من خلالها تحجيم هذا الدور أو توجيهه لخدمة سياسات النظام الحاكم بما يعزِّز كيانه ويرسِّخ وجوده؛ فقد كانت الأنظمة في السابق تعتمد على أداة القمع المباشر من السلطة الديكتاتورية من أجل تكميم أفواه الصحفيين والإعلاميين وتقليم أظافرهم بهدف نزع الخطورة التي قد تنشأ بسببهم، أما الآن ومع تطور تكنولوجيا الاتصال واتساع شبكة الاتصال العالمي وسيادة النداءات الخاصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل عام، ومن بعدها حقوق وحريات الإعلاميين بشكل خاص، بدا من الصعب على أي نظام سياسي التعامل بنفس الأداة القمعية التي كان يدير بها علاقته مع الإعلام في السابق.

وقد بَرَز ذلك واضحًا في الفيديو المُسرَّب للرئيس عبدالفتاح السيسي حينما كان وزيرًا للدفاع بعد 3 يوليو، إذ أشار صراحًة، ردًا على سؤال من أحد الضباط حول ما يثار في الإعلام ضد القوات المسلحة، إلى أنه "من الصعب الآن السيطرة على الإعلام، بل إنه يجب أن تكون لنا "أذرع" داخل المنظومة الإعلامية".

فقد أدرك النظام أن الإعلام لابد من تسخيره لخدمة أهدافه وسياساته في النهاية، بدلا من محاولة التضييق عليه وكسب خصم آخر. وقد بدا ملحوظًا وجود استجابة واسعة من الإعلام المصري لهذه الفكرة، فحتى قبل 30 يونيو كان الإعلام قاسيًا وكاشفًا لكافة عَوَرات نظام الإخوان المسلمين، وكان مؤيد بشدة لفكرة ضرورة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة تعزل هذا الرئيس الذي "سيقود البلاد إلى نفق مظلم" والذي تزداد الأزمات في عهده بشكل خطير كما كان يتردد دومًا، وقد ساهم ذلك في حشد الرأي العام وراء هذه الفكرة بما ساعد في إسقاط نظام الإخوان وتأسيس نظام سياسي آخر تقوده المؤسسة العسكرية. ومنذ ذلك الحين، وقد بدأ الإعلام في التهيئة لمناخ تقبُل السيسي ليس فقط كرئيس للجمهورية في هذه المرحلة بل كمُنقذ للبلاد من ذلك المصير المجهول.

في ثنايا العلاقة بين الإعلام والسلطة

لم يعُد خافيًا على أحد أن معظم، إن لم يكن كل، القنوات التليفزيونية والصحف الخاصة مملوكة لرجال الأعمال المصريين، والذين بدورهم يمارسون قدرًا غير قليل من التأثير في توجه القناة أو الصحيفة، وأن الإعلامي أو الصحفي لم يعد غير أداة في يد مالك القناة يحركها كيفما شاء في أي اتجاه يرغب، وقتما يحب، إلا من رحم ربي. وكلما كانت العلاقة بين النظام السياسي ورجال الأعمال متوازنة وأكثر عمقًا من حيث طبيعة المصالح الاقتصادية تحديدًا كلما كانت تلك القنوات منزوعة الخطورة على النظام بل وتكون أيضًا بمثابة ذراعه التي يُروِّج بها سياساته وأفكاره للمواطنين بما يؤثر في تشكيل رأي عام مؤات للسلطة غير معترض عليها.

أما إذا كانت العلاقة بين النظام السياسي وبين رجال الأعمال يتخللها الكثير من الشد والجذب فإنه يكون من المنتظر دائمًا أن يكون الإعلام في مواجهة النظام الحاكم، ولنا فيما حدث في السنوات الأخيرة أبرز دليل وعبرة، فقد كانت علاقة نظام الإخوان المسلمين مع رجال الأعمال في توتر دائم، لذلك معظم وسائل الإعلام كانت رافضة لسياسات ذلك النظام ومنتقدة له على طول الخط. وبالطبع لا يمكن اختزال طبيعة العلاقة بين السلطة والإعلام في ملكية رجال الأعمال للقنوات بل إن هناك دوافع أخرى ترتبط بتأييد الإعلام للسلطة من عدمه ومنها المزاج العام للشارع على سبيل المثال؛ حيث أشارت أحداث ما بعد 25 يناير إلى أن النخبة الإعلامية بَنَت توجهاتها ومواقفها بناء على اتجاه الشارع ولم تستطع خلق رأي عام معين، على عكس ما حدث قبيل 30 يونيو وما بعدها؛ إذ كانت وسائل الإعلام، وكأنها دخلت في اتفاق ضمني، متجهة إلى منحى واحد لا غيره يؤيد تدخل الجيش لعزل مرسي والضغط عليه للاستجابة لمطالب الجماهير العريضة.

أما العامل الثالث، فيرتبط بما طرحه الرئيس السيسي في ذاك الفيديو المُشار إليه، من ضرورة وجود أذرع للسلطة في وسائل الإعلام، وفي هذا الصدد يُشار إلى 3 أنماط من الإعلاميين تظهر في المشهد:

النمط الأول: رجل الأمن المُتَّشِح برداء الإعلامي: وقد انتشر هذا النمط بشكل كبير في الفترة الأخيرة؛ إذ ظهر على القنوات الفضائية بعض الإعلاميين الذين استطاعوا الحصول على معلومات من "جهات أمنية" تمكنوا من خلالها أن يحققوا شعبية في الشارع المصري، ويتخذ هذا النمط من السلطة الأمنية مرجعًا، ويؤيدها تأييدًا مطلقًا أعمى في كافة القرارات والتصرفات.

النمط الثاني: الإعلامي العتيق ذو الشعبية: ويعتمد النظام على هذا النوع من أجل الارتكان إلى شعبيته في توجيه الرأي العام نحو سياسات معينة، على أن يلتزم بعدم توجيه انتقاد للسلطة أو لقراراتها المطلوب منه تمريرها.

النمط الثالث: الإعلامي الذكي المُنتقد بتوازن: ويتيح النظام لهذا النوع من الإعلاميين أن ينتقد سياسات النظام لكن بحذر بحيث يظهر أمام الرأي العام أن الإعلام ينتقد السلطة أحيانًا بما يؤكد وجود ديمقراطية في البلاد، إلا أن هذا النمط الأخير غير منتشر بكثافة ولا تسمح به النظم ذو المرجعية العسكرية كثيرًا والدليل على ذلك ما ورد على لسان رئيس الجمهورية من استنكار لما تهكمت به إحدى الصحف على أزمة الكهرباء.

والأنماط الثلاثة يتفقون على خدمة سياسات النظام والترويج لها مع إعطائهم هامش من الحرية في التعليق على الأحداث، إلا أن بعض الإعلاميين ليسوا على هذا القدر من الذكاء للتمييز في طبيعة الانتقادات وكيفية توجيهها، بما يثير أزمات على مستوى العلاقات الدولية، كما حدث مع إحدى مقدمي البرامج حينما انتقدت دولة المغرب بشكل مُسِف، أو الأخرى التي أغلقت الاتصال الهاتفي في وجه السفير الإثيوبي في ظل اشتعال الأزمة على مياه النيل بين مصر وأثيوبيا، وفي الحالتين تم وقف البرامج الخاصة بهما.

المهنية الغائبة والدور المفقود

لا جدال أنه لا يوجد إعلام على مستوى العالم كله يتسم بالحيادية التامة أو الموضوعية المفرطة في تناول الأحداث، إلا أن ما نسعى إليه هو على الأقل ضرورة وجود حد معقول من المهنية في تناول القضايا والموضوعات التي تهم الرأي العام، وتوضيح الحقيقة بدلا من تصدير الوهم.

إن رسالة الإعلام تتلخص في خدمة الحقيقة وذلك عن طريق صياغة الخطاب الإعلامي بصدقية وموضوعية ونزاهة، ومن أجل ذلك اشتهرت المقولة: "إن الخبر مقدس والتعليق حر". والخبر لا يجب أن يحتمل إلا الصدق أو الكذب. أما التعليق فهو إطلاق لعنان الفكر للغوص في فهم الخبر بمعرفة أسبابه ومسبَّباته وتعمقها ووضع الخبر في سياقه، وإيضاح ما قد يعتريه من غموض وإعطاء الفرصة للمتلقي للتمييز بين الآراء المختلفة حول هذا الخبر أو ذاك. وليس من المهنية على الإعلام أن يخفي الحقائق عن الجمهور أو أن يضعف اهتمامه من قضايا ذات أهمية قصوى بهدف إرضاء النظام وعدم تهييج المواطنين عليه، لأن هذا من شأنه في النهاية أن يهد أركان المجتمع لأنه في حال إدراك المواطنين للحقيقة على أرض الواقع فإن الكفر بالنظام وإعلامه سيكون هو أول شيء يتحقق، وبغياب الشفافية والمصارحة في تناول القضايا، تتغيب الحقيقة ويتصدر الكذب والوهم المُوجه بما يخدم النظام ولا يخدم الدولة ولا المجتمع.

فالإعلام المُوجه هو عدو الحقيقة، وهو أكبر خطر يواجه المجتمع حتى لو استطاع النظام تحجميه أو ترويضه، فهذا الدور الحقيقي للإعلام والذي طالبت به جموع المواطنين بعد 25 يناير مازال مفقودًا ولم يبدُ في الأفق أنه سيتشكل بعد، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: هل بالفعل الإعلام المصري يريد أن يكون مهنيًا وموضوعيًا في تناول الأحداث؟ أم أنه يفضل الدور الذي يمارسه الآن لما فيه من مصلحة مُحققة له حتى وإن كانت غير مستدامة؟!

 

 

 

*باحث في العلوم السياسية 

تعامل المصريون مع كلام وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بعد الإطاحة بالإخوان عن مصر المزدهرة والتي هي "قد الدنيا"، على أنها وعد بالرفاه، غير أنه عاد ليوضح اللبس قبل الانتخابات الرئاسية، حين قال إن جيلين سيعيشان شظف العيش قبل أن ينعم بالرغد الجيل الثالث. كان واضحا أن السيسي يقصد تخفيض سقف التوقعات الذي حلق عاليا.

ظهر بعد ذلك أن تخفيض سقف الآمال كان أكثر مما يجب، إذ نشر جوا من التشاؤم، فاختار السيسي خلال الحملة الانتخابية أن يؤكد أن المصريين سيبدؤون تلمس التحسن في أوضاعهم سنتين فقط بعد بداية عهده.

ومع بداية رئاسة السيسي، تحدث الرجل مطولا عن الاقتصاد المتداعي والمتآكل، وضرورة أن يضحي الجميع من أجل الحلم الموعود.

وإن لم يكن للمشير كمرشح رئاسي برنامج انتخابي مكتوب يمكن استقراء رؤيته الاقتصادية من خلاله، إلا أنه لم يخف في لقاءاته المتلفزة أن هناك صعوبات اقتصادية تواجهمصر وتهددها بالانهيار المالي، وأنه سيضطر لاتخاذ إجراءات من شأنها أن تحول دون هذا التداعي.

لم تمنع دواعي الاعتبارات السياسية السيسي من أن يعلن أن المعاناة والتضحية ستستمر لسنوات حتى تنعم أجيال أخرى بثمار الإصلاح الاقتصادي. وعلى الرغم من هذا، دارت توقعات الكثيرين أن السيسي سيستلهم نموذج الناصرية في سياساته الداخلية والخارجية، بما يعني أنه سيتجه إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني على أساس من الدور القوي للدولة والقضاء على الفساد المستشري في جهاز الدولة أو في النخب الاقتصادية المرتبطة بها، غير أن الخطاب الاقتصادي للسيسي كرئيس ثم ما قام به من إجراءات اقتصادية أبدى لكثيرين أن النظام القائم الذي يستجمع قواه أبعد ما يكون عن الناصرية، وأنه تكرار للمباركية في مرحلتها الأخيرة النيوليبرالية، والتي شحذت من عوامل السخط الشعبي ودفعت به نحو الثورة.

بيد أن رأيا آخر اعتبر أن النهوض الاقتصادي لا يكون إلا بدولة ذات اقتصاد رشيق، تكون قد تحررت من ثقل أعباء العجز في الموازنة، الذي تفرضه الفاتورة الكبيرة للدعم، ويحاجج هؤلاء بأن الدعم يستفيد منه في غالبيته الأغنياء لا الفقراء. السيسي شخصيا خرج في خطاب ذكرى العاشر من رمضان الأخيرة عن مناسبة كلمته ورسميتها، ليقول إن الشخص الذي يشتري سيارة بمليون أو نصف مليون جنيه، تدفع له مصر سنويا أربعة آلاف جنيه كدعم للوقود، وهو لا يستحق هذا الدعم على الإطلاق.

حتمية الإصلاح الاقتصادي: إجراءات تقشفية

يجمع الاقتصاديون المعنيون بالحالة المصرية أن الاقتصادي المصري ما كان له أن يستمر دون اللجوء إلى إجراءات إصلاحية تعيد هيكلته على المدييْن القريب والمتوسط، غير أنهم يختلفون حول فسلفة الإصلاح الكامل ووجهتها. وربما نستطيع تحديد العديد من نقاط الاختلال في بنية الاقتصاد المصري. لقد أورث نظام مبارك من جاء بعده تركة ثقيلة من الأزمات الاقتصادية المرتبطة بالهيكلة المختلة لاقتصاد تراجعت فيه القطاعات الإنتاجية لحساب قطاعات الخدمات، وعلى الرغم من نجاح نظامه في تحقيق نسب نمو عالية، غير أن عوائد النمو لم تستقط إلا في جيوب نخب اقتصادية وسياسية وأمنية شكلت الطبقة السياسية الحاكمة في سنوات نظامه الأخيرة التي تآكلت فيها الطبقة الوسطى لتتوسع الطبقة الفقيرة نتيجة تلاحم سوء الإدارة الاقتصادية واستشراء الفساد الإداري والسياسي. من هنا ارتبط الحراك الاجتماعي قبل ثورة يناير/ كانون الثاني بمجابهة العمال والموظفين لسياسات الخصخصة وإفساد وإهلاك القطاع العام وسياسات التشغيل نتيجة بلوغ مستويات البطالة معدلات قياسية. غير أن الثورة وما نتج عنها من اضطرابات سياسية أدت إلى إدخال الاقتصاد المصري في حالة ركود حيث تراجعت مستويات التشغيل وانخفضت مستويات الاستثمار العام وهربت رؤوس الأموال الأجنبية وهو ما زاد من تردي وضع الموازنة العامة وميزان المدفوعات وعجز الاحتياطي الأجنبي.

وفي ظل انعدام أفق الاستقرار السياسي، وغياب خطط جدية لإنقاذ الوضع الاقتصادي، لم يكن أمام الدولة إلا اللجوء إلى أسهل الحلول وهو الاقتراض، خاصة من جهة الحلفاء السياسيين لنظام الإخوان (لا سيما قطر التي قدمت قروضا بشروط ثقيلة)، ثم لنظام 30 يونيو (دول المحور السعودي في الخليج)، وهذه القروض كانت المسكن الذي منع انهيار الوضع الاقتصادي لمدة ثلاثة سنوات، وقد كان السيسي قد صرح بأن هذه المساعدة المالية الخليجية لن ستعف البلاد أكثر من ستة أشهر أخرى.

وبالتالي اقتضت خطة التعافي الاقتصادي الحتمية، التي شكلت أولوية لحاكم مصر الجديد، طبقًا لعمرو عادلي الباحث بكارنيغي الشرق الأوسط " زيادة النمو والاستثمار، وبالتالي معدّلات التوظيف، كما أن التعافي الاقتصادي هو أيضاً شرط مسبق لأي عملية إعادة هيكلة مالية جادّة وشاملة تبدو البلاد في أمسّ الحاجة إليها في المدى المتوسط. إن كلتا العمليتين يجب أن تحدثا بالتوازي. فمن خلال خفض العجز، ستؤدّي إعادة الهيكلة المالية إلى تحرير مزيد من الموارد للاستثمار الخاص، وهو الأمر الذي يعدّ ضرورياً لتحقيق النمو الاقتصادي وإيجاد فرص العمل. ومع ذلك، يجب أن يصاحب عملية إعادة الهيكلة هذه تحقيق الاستقرار السياسي والأمني كي يحدث التعافي الاقتصادي، وإلا فإن إعادة الهيكلة المالية ستدفع الاقتصاد إلى موجة ركود أعمق مع خفض الإنفاق الحكومي ورفع الأسعار نتيجة لإلغاء الدعم" .

وإلى جانب اعتماد السيسي على هياكل وسلطة الدولة القديمة، فإنه يعتمد أيضا على شرعية سياسية قوامها الشعبية الكبيرة التي عبر عنها تمرير الاستحقاقات الدستورية والرئاسية، ويخاطر الاتجاه بالهيكلة المالية وتقليص الدعم بهذه الشعبية، وبالتالي كانت السلطة ولا زالت بين مطرقة الضرورة الاقتصادية وسندان الشرعية السياسية. وعلى أيٍ نجح خطاب السيسي الذي قلص من توقعات الجماهير في التجهيز نفسيًّا لبدء أجراءات الهيكلة المالية، كما أن فراغ المؤسسات السياسية المتمثل في غياب القوى السياسية الثورية وعدم وجود برلمان منتخب كان في صالح اتخاذ حزمات قرارات اقتصادية وتشريعات إدارية سريعة من قبل الجهاز التنفيذي الذي يقبع الرئيس على قمته دون منازع.

تمثلت الإجراءات الاقتصادية التي تم اتخاذها منذ بداية يوليو/ تموز الحالي، وهو بداية السنة المالية في:

-           تخفيض عجز الموزانة: وكان السيسي قد رفض الاقتراح المقدم من مجلس الوزراء سابقًا بمشروع موزانة بلغ عجز الموازنة فيها 300 مليار جنيه، وتجاوز إجمالي الدين الداخلي والخارجي حوالي 2.1 تريليون جنيه، ومن ثم قلصت الحكومة من الإنفاق بمعدل 18 مليار جنيه ليصل إلى حوالي 789 مليار جنيه مقارنة بحوالي 807 مليارات جنيه، ورفعت من الإيرادات لحوالي 549 مليار جنيه في مقابل 517 مليار جنيه في الموازنة السابقة، وفي المحصلة النهائية تم تخفيض عجز الموازنة إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، أي إلى 240 مليار جنيه مقابل 12% في العام المالي السابق.

-           خفض دعم الطاقة: فإلى جانب استهداف الموازنة تخفيض نسبة فوائد الدين العام فوائد الديون بنحو 2.5 مليار جنيه، وإعلان استهداف خفض الدين العام على مدار السنوات الثلاث المقبلة ليبلغ ما بين 80% و85% من الناتج المحلي الإجمالي، بدلا من النسبة الحالية التي تقدر بـحوالي 93.7%.، خفضت الحكومة من دعم الطاقة بمعدل 41 مليار جنيه، ليكون بحدود 100 مليار جنيه. لقد جاء قرار الحكومة المفصل برفع أسعار الوقود واستهلاك الطاقة على النحو التالي؛

o          رفع سعر بنزين 80 بنسبة 87% والسولار بنسبة 63% وبنسبة175% للغاز الطبيعي و40% لبنزين 92 و7% لبنزين 95، مع الإعلان عن الاتجاه نحو رفع كامل الدعم عن الوقود تدريجيًّا على مدار ثلاث سنوات.

o          رفع أسعار شرائح استهلاك الكهرباء بنسب تتراوح بين 15% و20% تمهيدًا لإنهاء دعم الكهرباء نهائيًّا خلال 5 سنوات.

o          كما تم تحديد أسعار بيع طن المازوت ليصل إلى 1400 جنيه للصناعات الغذائية، و2300 جنيه لشركات إنتاج الكهرباء، و2250 جنيه لشركات صناعة الأسمنت، و1950 جنيه لقمائن الطوب والاستخدامات الأخرى.

-           حزمة ضرائب جديدة: حيث تم تعديل قانون الضرائب العقارية ليشمل المحلات التجارية التي تزيد قيمتها الإيجارية عن 24 ألف جنيه سنويًّا بواقع 10%، وكذلك تم فرض ضريبة سنوية رأسمالية على الأرباح المحققة من البورصة (الربح الناتج من عملية بيع الأسهم)، وعلى التوزيعات النقدية بنسبة 10%. غير أن أكثر الضرائب المفروضة اتساعًا في نطاقها كانت في نص القرار الجمهوري الصادر في 6 يوليو الجاري الذي فرض ضرائب على السجائر والكحوليات لتحصيل ما يعادل 6 مليارات جنيه من إجمالي 9.4 ملايين مدخن يمثلون حوالي 17% من إجمالي السكان وفق إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

-           خفض دعم السلع الغذائية: ليصل نصيب الفرد من السلع المدعومة إلى 15 جنيهًا شهريًّا بدلاً من 18 جنيهًا؛ ليصل إجمالي الدعم السلعي إلى حوالي 31.6 مليار جنيه مقابل 34.1 مليار جنيه قبل التعديل.

-           تحديد الحد الأعلى للأجور في كامل أجهزة الدولة والمؤسسات والشركات التابعة لها في 42 ألف جنيه شهريا، وهو نفسه الراتب الشهري لرئيس الجمهورية.

الفقراء وموجة نيوليبرالية جديدة

أكدت الحكومة أن فائض خفض الدعم والضرائب سيذهب إلى قطاعات الصحة والتعليم، غير أن هذه الإجراءات خاصة تلك المتعلقة بخفض دعم الطاقة، سرعان ما ظهرت آثارها على الشرائح المتوسطة والدنيا في الطبقة المتوسطة والفقراء الذين دائمًا ما تقصمعجلة الاقتصاد المتثاقلة ظهورهم.

أما الرئيس السيسي، الذي لم يتصدر مشهد هذه الإجراءات فأوضح على نحو حاسم في لقاء أخير جمعه مع لفيف من رجال الأعمال المسيطرين على مفاصل الاقتصاد المصري أن الرؤية الاقتصادية لنظامه تتمثل في إقامة اقتصاد سوق حرة واقتصاد حر، وذلك بشكل واع ومسؤول يأخذ في الاعتبار الاحتياجات الأساسية لمحدودي الدخل، بهدف تحسين أحوالهم وزيادة مواردهم تعظيما للطبقة المتوسطة ككتلة رئيسية في المجتمع، وسيكون لمصر تجربتها الاقتصادية الخاصة التي ستبنى بسواعد أبنائها. ومثل هذا التوكيد الرئاسي لا يمكن قراءته إلا في ظل القرارات التقشفية الأخيرة التي لم تراع محدودي الدخل، لكنها راعت بالأساس تحقيق اتزان اقتصادي على المستوى الكلي Macro من خلال استهداف عجز الموازنة، دون الأخذ في الاعتبار أن حزمة القرارات قد عمقت من تردي أوضاع أغلبية المصريين، وهو جوهر السياسات النيوليبرالية التي اعتمدها نظام مبارك في مرحلته الأخيرة. وهو ما جعل البعض يشير أن النظام الحالي يمثل مباركية بدون مبارك.

ومن الملفت للنظر أن النظام في استهدافه "توفير المال" للدولة، قام إلى جانب هيكلته المالية، بفتح حساب للتبرعات، ثم نجح في الحصول على 10 مليار جنيه في شكل تبرعات ودية من رجال الأعمال، دون أن تظهر عنه–بحسب مراقبين- أي التفاتة لإعادة تأسيس علاقة الدولة بتحالفات رجال الأعمال، فيما تجبي القاهرة الأموال من جيوب ترهقها الارتفاعات المتتالية في الأسعار.

إلا أن رئيس الوزراء إبراهيم محلب كان قد صرح في حوار لجريدة "المصري اليوم"  بأن "الرأس الكبيرة لن تسمح بالخلط بين السلطة والثروة"، وهو ما يؤكد أن السيسي ينطلق في نظرته إلى الدولة من رؤية تقليدية تعتبر الدولة الفاعل الأول في المجتمع، وهو يتمتع إزاءه بسلطة أبوية، لا يعود معها مقبولا ظهور مراكز قوى تنازعه سلطته، لا سيما من طبقة رجال الأعمال، التي يدمن كثير من "رجال الدولة" النظر إليها على أنها كيانات طفيلية لا تفكر إلا في الربح السريع والمصالح الضيقة والعلاقات مع الخارج من تلك التي تعود عليها بعوائد نفعية خاصة، بعيدا عن مصالح الدولة التي تضع في اعتبارها مصالح الدولة ككل، وتمثل بطريقة أو بأخرى الممثل الأسمى للأمة، وتعكس رؤيتها عقل الشعب ووعيه لمصالحه الحيوية.

وتشير التقارير  الرسمية إلى وصول معدل البطالة إلى 13 %، وإلى انتشار الفقر بمعدل يصل إلى 26%، وهي نسب يبقى الواقع متفوقًا عليها بكثير. ومع ثبات معدلات الدخول، فإن رفع الدعم سيؤدي بالتأكيد إلى آثار سلبية على القدرة الشرائية للأفراد. فمن المتوقع أن زيادة أسعار الوقود والطاقة ستؤدي إلى ارتفاع نسبة التضخم  العام إلى  13% خلال 6 أشهر بعد زيادة أسعار الوقود،وفي ارتفاع أسعار السلع الغذائية المعتمدة على النقل، والأمر ذاته ينطبق على السلع الزراعية والحديد والأسمنت والأسمدة وقطاعات التشييد والبناء والاتصالات والنقل والمواصلات، حيث بدأت شركات النقل، التابعة لقطاع الأعمال العام، فرض زيادة رسمية على نقل السلع الغذائية الحرة بواقع 20% على الطن الواحد، ما سوف ينعكس على أسعار مختلف السلع تلقائيًّا. ونتيجة لهذا التضخم، ستزداد نسبة الركود الاقتصادي نتيجة تزايد توقعات التضخم لدى الأفراد والمؤسسات هو ما يؤدي لانكماش سوق السلع الاستهلاكية والخدمات، وسيطرة الركود على التعاملات الاقتصادية، ومن ثمَّ التسبب في خسائر للشركات والمصانع الأقل في حجم نشاطها الاقتصادي، مما يؤدي إلى تصاعد الاحتكار، وسيطرة كبار المنتجين على قطاعات اقتصادية متعددة، مما يزيد من أثر ارتفاع الأسعار.

تعلن الحكومة في خطتها "الإصلاحية" أن تستهدف إلغاء الدعم كليًّا، وأن إجراءاتها الحالية ليست إلا بداية لطريق وطويل، وعلى الجميع أن يتحمل، كما يبدو أنها مطمئنة بشكل كبير إلى هدوء الشارع وإلى عدم اتجاهه نحو الثورة أو الانتفاضة. خاصة بعد أن نال الإرهاق والاضطهاد جميع القوى السياسية والثورية. وفي الوقت الذي تتضح فيه معالم الصيغة النيوليبرالية للنظام الاقتصادي، يتصاعد إغلاق المشهد السياسي على النحو الذي قد يراكم مظالم يختلط فيها السياسي بالاجتماعي على المدى المتوسط.

وكي تتجنب الحكومة مثل هذا التراكم والكبت، عليها أن توازي رفع الدعم بإيجاد خطة تنموية متوسطة المدى تستطيع تثبيت مستويات الاستثمار والتشغيل وإعادة بناء البنية التحتية للدولة، وبالتالي الخروج من نمط الدولة الجباية الضريبية إلى الدولة التنموية. غير ان هذا يحتاج إلى قرار سياسي وتفكير خارج الصندوق لا يضع جمع الأموال وسد العجوزات هدفًا وحيدًا له. وقبل هذا وذاك، يحتاج مثل هذا القرار تهيئة بيئة سياسية واجتماعية لتحقيق الاستقرار السياسي الجاذب للاستثمار والتنمية، وهذه مسألة أخرى. ولكن على المدى القصيرة تحتاج الحكومة إلى إعادة توجيه السياسة الضريبية وتقليص الدعم كي يتم توزيع الأعباء على مختلف الشرائح بشكل لا يضع كل العبء على الطبقة الفقيرة المثقلة.     

 

 

 

[1]http://www.carnegie-mec.org/2014/06/18/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1/hdzp

 

[2]http://www.almasryalyoum.com/news/details/480804