×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الإثنين, 11 كانون2/يناير 2016

عبقرية الإنسان والمكان في ضوء شخصية مصر

كتبه  وليد فكري

كثيرة هي الكتابات التي تتناول مصر من حيث المكان والإنسان والتاريخ، باحتفاء بالعبقرية والتميز والتفرد، وأقل منها تلك التي تتناول نفس الموضوعات بشكل علمي رصين يخلو من حالة "الهتاف" الحماسي والخطاب التفخيمي.

من تلك الكتابات القليلة العمل العلمي القيّم "شخصية مصر" للدكتور جمال حمدان، والذي لا يتحدث فيه عن مصر من حيث كونها "البلد الأكثر تميزًا وعظمة وثراء وعبقرية في العالم" كما يبتذل الكثيرون الحديث عن مصر في كتاباتهم، بل أنه يحلل بشكل علمي رصين دقيق "الشخصية المصرية"، من حيث المكان والإنسان والموقع والجغرافيا الداخلية والجيولوجيا والتطور وغيرها من مكونات تلك الشخصية، دون أن يقع في الفخ الذي وقع فيه الكُتاب سالفو الذكر، وهو الأمر الذي يضيف الكثير لقيمة هذا العمل رغم مرور عشرات السنين على وضعه.

ولنبدأ بالمكان شكلًا وموقعًا، فكثيرًا ما كنتُ أتسائل وأنا أنظر لخريطة مصر: ماذا لو كنت أعيش في فرنسا أو شيلي أو أستراليا وطُلِبَ مني أن أرسم الخريطة؟

لابد أنه كان ليكون مطلبا صعبا بعكس رسم خريطة مصر ذات الشكل المربّع شبه المثالي.

هذا ما يلفت د.جمال حمدان النظر له في فصل شيّق من الجزء الأول من الكتاب، حيث يلفت النظر للشكل المربع للقُطر المصري، واصفًا جغرافية مصر بالبساطة، إلا أنه يسارع فينفي عنها ما يقال من أنها "جغرافيا صُنِعَت للأطفال"، فيؤكد أن وجه مصر الجغرافي إن لم يكن أقرب للبساطة منه للتركيب، فإنه أقرب للتركيب منه للتعقيد.

من مظاهر تلك البساطة -بخلاف الحدود شبه المربعة- أن وادي النيل يقسم مصر إلى هضبتين شرقية وغربية، والوادي نفسه منقسم إلى دلتا شمالًا وصعيد جنوبًا، والجانبان الشمالي والشرقي من مصر يحدهما بحران كبيران بطول الجانبين، يرسمان بدقة ضلعين مائيين من مربع الحدود المصري، بينما يرسم الجانبان الجنوبي والغربي الضلعين البريين. ويلفت الكاتب نظرنا إلى أنه يجب على دارس الجغرافيا المصرية أن يراعي في دراسته الخطوط الطبيعية الثلاث، المكونة لحدود وجسد مصر: الصحراء، النهر، والبحر.

في ضوء هذا الكلام، فإن القارئ للتاريخ المصري الطويل يلاحظ أن المصريين قد أجادوا استغلال هذه المميزات، لإقامة دولتهم وحمايتها من الغزاة من جهة، واستغلال هذه المعطيات الجغرافية كوسائط للتواصل مع العالم من جهة أخرى.

فمن ناحية وقوع الوادي بين مساحتين من الصحراء، كانت هذه ميزة استغلت كمانع طبيعي من الصحراء، التي تظهر كتابات د.جمال حمدان شدة قسوتها، لحماية المدن المصرية من الغزاة، فكان على الغازي، في زمن تقطع فيه المسافات بشق الأنفس، أن يعبر صحراء حارة قاحلة، مفتقرة للمياه، تمتلئ بمساحات الرمال الناعمة والحصى الصلب والصخور الحادة، ليبلغ مناطق المدن ويهاجمها.

والقارئ لكتاب الجبتانا، -قصة الخلق والتكوين الفرعونية-، يلاحظ أن المصري القديم قد نظر للوادي الخصب باعتباره المستقر الآمن للمصريين، بينما نظر للصحراء باعتبارها موطن الأشقياء، المحكوم عليهم بالحياة منفيين مرتحلين إلى الأبد. الأمر الذي يعكس أثر طبيعة وجه مصر على الوجدان الجمعي للمصريين.

ولو أراد هذا الغازي أن يتحرك بحرا، فإن بين البحر الأحمر والوادي هذه الصحراء سالفة الذكر. ولو جاء من الشمال عبر المتوسط، فإن هذا البحر -الذي يفسر د.حمدان اسمه بتوسطه قارات العالم القديم-، يقف حائلا مائيا بين "الآخر" ومصر، وهو مساحة مكشوفة، يمكن للمراقب أن يرى عبرها سفن الغزاة ويستعد لها.

وأما عن التواصل السلمي مع الدول الأخرى، فإن البحر الأحمر كان يلعب دور الوسيط بين مصر والجزيرة العربية شرقا، وبينها وسواحل أفريقيا جنوبا، والمتوسط كان يمارس نفس الدور، بالنسبة لسواحل الشام وآسيا الصغرى وأوروبا وشمال غرب أفريقيا.

ولا يعني ما سبق أن الصحراء كانت مساحة خاوية لا قيمة لها عند المصريين إلا كمانع طبيعي، فصحراء الشرق، تحديدا سيناء إلى الشمال، كانت بمثابة معبر بري لكلّ من جزيرة العرب والشام عبر الطريق المسمى طريق حورس، والذي كانت تمر عبره جيوش الفراعنة وصولا لبلاد الحيثيين في العراق، وهو الطريق الذي ورثت الدول والأنظمة اللاحقة للفراعنة استخدامه للتجارة والحرب، خاصة الحروب الشهيرة سواء بين البطالمة والسلوقيين، أو الفاطميين والعباسيين، أو الإمدادات المتوجهة لحرب الفرنجة، أو الجيش الخارج لمواجهة المغول في فلسطين، أو حملات محمد علي باشا إلى الشام وتركيا، وغيرها..

كذلك كانت الصحراء الغربية بمثابة بوابة لمد النفوذ المصري غربا، وصولا لعمق الشمال الأفريقي، عبر مختلف العصور. حتى أن الحدود المصرية القديمة كانت تصل إلى "برقة" الليبية حاليا.

بل وحتى نقمة الصحراء كأرض قاحلة الداخل إليها مفقود، أجاد المصريون استغلالها لصالحهم، خلال فترات الاضطهاد الروماني للمسيحيين الأقباط الأوائل، بقيام هؤلاء بالهرب إلى الصحراء والتحصن في موانعها الطبيعية، ضد بطش الجيوش الرومانية الثقيلة التي لا تتحمل الصحراء.

هذا عن الصحراء والبحر، فماذا عن النهر؟

إضافة لدور نهر النيل في توفير الماء والطمي، ودوره السياسي شديد القدم في توحيد الأراضي المصرية تحت نظام حاكم واحد، فإنه قد لعب دورا كبيرا في حركة النقل التجاري والحربي.

فمن الناحية التجارية، كان النيل بمثابة طريق دائم بين المدن المصرية الواقعة على ضفافه، للتبادل التجاري ونقل السلع للأسواق المحلية. أما على المستوى العالمي، فكان بمثابة المعبر للمدن غير المطلة على المتوسط، لنقل منتجاتها إلى مرافئ الشمال، تمهيدًا لتصديرها للخارج عبر البحر..

ومن الناحية العسكرية، فقد كان النهر معبرا للسفن الحربية المشحونة بالعتاد والجنود، سواء داخليا للقضاء على تمرد أو تسلل عسكري خارجي، أو خارجيا وصولا للمتوسط، لدعم الجيوش البرية من خلال فتح جبهة بحرية على العدو، أو القيام بغزوة بحرية خالصة، وهذا الدور بالذات قد تطور عبر العصور الوسطى، منذ قيام أحمد بن طولون بتأسيس أسطول حربي مصري قوي، وصولا لعصر المماليك الذين انتقلوا من مرحلة الدفاع ضد هجمات الفرنجة البحرية، لمرحلة مهاجمة القواعد الإفرنجية في قبرص ورودس.

كان وجه مصر إذن بمثابة المنحة الطبيعية الغالية التي كانت العنصر الهام في معادلة، أضيف إليها العنصر البشري، ليكون ناتجها قيام وجود حضاري قوي محصن ضد العدوان، وفي الوقت نفسه منفتح على الآخر..

هذا ما نستنتجه في ضوء التناول العلمي الدقيق من د.جمال حمدان لـ"وجه مصر"، وما تؤكده الكتابات التاريخية المتنوعة، التي تناولت أهم الأحداث المرتبطة بهذا الموضوع من كتابه.

ماذا عن موقع مصر؟

عن هذا يقول الدكتور جمال حمدان في كتابه: "مصر هي حجر الزاوية، والأرض الركن في الثلاثية القارية التي يتألف منها العالم القديم، والوحيدة التي تلتقي فيها قارتان وتقترب منها الثالثة أكثر ما تقترب، لا سيما وأنها تقع عند التقاء أربعة ضلوع من هاتين القارتين. وبهذه الصفة فإنها لا تمتاز فقط بالموقع المركزي المتوسط في قلب الدنيا القديمة، ولا بالموقع المدخلي أو موقع البوابة فحسب، ولكن أيضًا بالموقع العقدي البؤري."

الواقع التاريخي يؤكد ما يقوله الدكتور حمدان، فالمتأمل في حركة التجارة والغزو والتبادل الثقافي في العالم القديم، منذ أقدم العصور وحتى العصر الحديث، يدرك أن مصر -عبر الوسائط المختلفة- هي البوابة الأمثل من آسيا لكلّ من أفريقيا وأوروبا، ومن أوروبا لكلّ من آسيا وأفريقيا، ومن أفريقيا لكلّ من آسيا وأوروبا.

صحيح أن البحر المتوسط وموانىء الشام والجنوب الأوروبي والشمال الأفريقي لعبت دورًا كبيرًا في حركات الانتقال والتواصُل، ولكن دائمًا كانت مصر كوسيط حضاري أو جغرافي هي صاحبة الدور الأكبر..

والملاحَظ أيضًا أن ما زاد هذا الدور بروزًا وتنوعًا هو "النقلات" النوعية التي شهدتها مصر عبر عصورها المختلفة فيما يتعلق باستغلال موقعها لتسهيل التواصل الإنساني بشتى صوره -السلمية والحربية-، هذه النقلات أبرزها شق "طريق حورس" المار بشمال سيناء وصولًا للشام في العصر الفرعوني، وحفر قناة سيزوستريس بين البحر الأحمر ونهر النيل في نفس العصر، وتأسيس مدينة الإسكندرية كميناء رئيسي على المتوسط في بداية العصر البطلمي، وتنظيم حركة البريد السريع ومحطاتها خلال بداية العصر المملوكي، والاهتمام والتطوير لمواني الإسكندرية ودمياط ورشيد في العصر نفسه، وشق قناة السويس في العصر الحديث، وغيرها...

بشكل أوضح وأكثر اختصارًا، فإن يد التقدم في مجال النقل والعمران كلما مسّت مصر ومعابرها، استطاعت بدورها أن تبرز أهمية موقعها وطرق استغلاله..

***

كذلك، كانت قيمة موقع مصر من العالم القديم تبدو واضحة خلال فترات الوحدة السياسية مع منطقة الشام، كالعصر الأموي، والعباسي الأول، والطولوني، والفاطمي، والأيوبي، والمملوكي، وحكم سلالة محمد علي، والجمهورية العربية المتحدة...

إن خضوع تلك المنطقة لسلطة مركزية واحدة، ونظم إدارية موحدة، والتزامها نفس السياسات الخارجية مع "الآخرين"، من المؤكد أن من شأنه تعزيز دور بلدانها التي تلعب دور الجسر بين القارات الثلاث..

والقارىء في تاريخ مراكز التبادل التجاري وحركات القوافل -بالذات في العصور الوسطى- يلاحظ ما سبق، سيما أن ازدهار تلك المراكز وارتفاع نشاط التواصل والتبادل كان يرتبط غالبًا بوحدة هذه المنطقة... فالمسافر عمليًا يتحرك في أراضي دولة واحدة ذات جناحان، يمتد الشرقي منهما لشمال الشام والعراق كمدخل لآسيا، والغربي إلى المغرب العربي وما بعده من بلدان تقود طرقها لقلب أفريقيا..

والباحث عن أدلة تاريخية لذلك لا يبذل مجهودا كبيرا، فأشهر الحملات العسكرية الهادفة لإقامة إمبراطورية كبيرة في المنطقة العربية -حتى قبل أن تصبح عربية- كان لابد له من المرور بمصر كمعبر، بل وكان غالبا ما يستخدمها كمركز للإدارة والإمداد والتموين...

هذا إن لم يجعل منها عاصمة لإمبراطوريته كذلك...

والقارىء في كتابات أشهر الرحالة كابن بطوطة وابن جبير وليون الأفريقي -وغيرهم- جد أن مرورهم بمصر إن لم يكن على سبيل السياحة والاطلاع، فإنه كان ضروريا ليتصل بالجوانب الأخرى من العالم برا أو بحرا...

تجاريا كان لهذا الموقع أثره في سعي القوى التجارية في الجمهوريات الإيطالية -مثل بيزا وجنوة وفلورنسا والبندقية- وإسبانيا والبرتغال وفرنسا وكتالونيا، للتقرب من السلطات الحاكمة خلال العصر المملوكي للحصول على امتيازات وتسهيلات تجارية في الإسكندرية.

وفي العصور الحديثة خلال الصراع الاستعماري، كانت مصر دوما تمثل الجائزة للمنتصر الراغب في السيطرة على طرق التجارة والحرب، والساعي كذلك لقطع الطريق على منافسيه أمام التواصل مع مستعمراته، ويبدو هذا جليا في سعي فرنسا بقيادة نابوليون بونابارت لقطع الطريق بين انجلترا ومستعمراتها الهندية، كأحد أهم أهداف الحملة الفرنسية على مصر.

ومن ناحية أخرى، كان سعي بريطانيا بعد العام 1923 لإبقاء قوة عسكرية لها في القنال يهدف- بين مجموعة أهدافه- إلى قطع الطريق على التواصل العربي-العربي بين الجناحين الآسيوي والأفريقي للوطن العربي... وحماية بعد ذلك للكيان الإسرائيلي من أن يجد نفسه محاصرا من الشمال والجنوب بأعداء عرب يرفضون وجوده.

أخيرا، بقي أن ألفت النظر لأن هذا الموقع المتميز جعل من القاهرة إحدى نقاط مثلث الأمن القومي العربي المكون من العواصم الثلاث: القاهرة، دمشق وبغداد، وهي حقيقة لا ترجع للعصر الحديث فحسب، بل برزت أهميتها خلال العصور الوسطى وحروب الفرنجة في الشرق المعروفة بالصليبية، منذ سعي الزنكيين لمحاصرة الوجود الأوروبي في المشرق العربي، وحتى سقوط آخر معقل للفرنجة في الشرق، عكا، على يد المماليك بقيادة السلطان الأشرف خليل بن قلاوون.

الموقع إذن يفرض نفسه على التاريخ المصري، بل والعربي والعالمي أيضا، كعامل أساسي مؤثر في جريان الأحداث والتغيرات القديمة والحديثة، ما يعني فرض مسؤولية دائمة على أية أنظمة تحكم مصر، مؤداها أن تجيد التفاعل مع موقعها، سواء تجنبا للمخاطر أم سعيا للمكاسب.

في سياق حديث الدكتور جمال حمدان عن الإنسان المصري يلفت نظرنا مقطعان هما:

"نحن المصريون، من نكون؟ ما الأصل والعرق والنسب؟ ومنذ متى ظهر المصريون كشعب وكشعبة من البشر؟ وكيف يبدون اليوم شكلا، وأين يقع الإنسان المصري في العائلة البشرية؟"

"إن مصر لم تكن حصانا تغير عليه عدد من المسافرين أثناء الرحلة أو عدد من الركاب أثناء سباق التتابع، وإنما استمر راكبه -المصري القديم والمعاصر هو الأول والأخير والوحيد طوال الرحلة دون أن يتغير، وقصارى ما تغير فيه رداءه ولونه وجلده.

لو جرب القارىء أن يسير في أي شارع رئيسي في مصر متأملاً وجوه المارة، فسيلاحظ تنوعاً في الملامح يصعب معها تحديد أصول أصحابها، بين الألوان السمراء والبيضاء والشقراء والقمحية، وبين العيون الضيقة والواسعة، وبين الشعور المجعدة والمسترسلة الناعمة والخشنة، وبين الأنوف الصغيرة والمدببة والفطساء، وبين القامات المعتدلة والضئيلة والعملاقة. إلخ...

الأمر يختلف كثيرا عما إذا جرب المرء ذلك في شارع أمريكي يميز فيه الآسيوي والأنجلوساكسوني واللاتيني والأفريقي، أو شارع فرنسي يلاحظ فيه الفرنسي والعربي والأسمر الأفريقي، وغيرهم...

صحيح أن بعض الملامح المصرية قد تشي بأصول قبطية قديمة، أو أفريقية نوبية، أو أوروبية، ولكن بشكل عام فإن الإنسان المصري هو النتاج الطبيعي لعملية اختلاط أجناس كثيرة منذ عصور الفراعنة وإلى يومنا هذا...

ولو جرب القارىء بعد ذلك أن يسأل عينات عشوائية من المصريين عن أصولهم، فسيجد بينهم الصعيدي القبطي، والنوبي، والبدوي، والجنوبي عربي الأصل، وصاحب الأصول الشامية أو المغربية أو الأرمنية أو اليونانية... وذلك بالذات في أكبر مدينتين مصريتين، وأكثرهما تأثرا بحركات الهجرة والتزاوج عبر العصور: القاهرة والإسكندرية.

ما السر في هذا المزيج الفريد من التنوع والاختلاط؟

السر هو أن مصر عبر عصورها المختلفة توفرت بها كل العوامل الإنسانية -التي تضيق عن حصرها مساحة هذا المقال- المؤدية للنتيجة الحتمية، وهي الامتزاج بين مختلف الأعراق والأصول التي عاشت وتعيش على أرضها.

هذا الامتزاج كان أقوى بكثير من التحديات التي وقفت في طريقه، منها على سبيل المثال لا الحصر ترفع بعض الفئات عن التزاوج مع غيرها، وحرص بعض الفئات من السكان الأصليين لبعض المناطق المصرية على نقاء النسب بحصر التزاوج فيما بينها، وترفع بعض الطبقات الحاكمة مثل البطالمة والمماليك عن الزواج من الطبقات المحكومة.

في المقابل، حظي هذا الامتزاج بعوامل مساعدة عبر التاريخ، منها المصاهرات بين بعض ملوك الفراعنة وأمراء وملوك الدول المجاورة، وسعي بعض الفاتحين العرب للزواج من المصريات، وتخفيف المماليك حظر اختلاط أبناء طبقتهم بالمصريين، وكذلك تخلي بعض الفئات السكانية عن التقاليد العتيدة الرافضة للتزاوج من خارجها، كالنوبيين وصعايدة الهوارة وعرب الصعيد مثلا، ونظرهم لتلك التقاليد باعتبارها عادات بالية لا تناسب العصر.

والذي ساعد على ذلك أن المصريين على المستوى العرقي ليسوا -في غالبهم المؤثر- عنصريين إلى الحد الذي يقف دون تقبلهم الوافد الراغب في التمصر، طالما أنه يلتزم احترام أهل البلد وتقاليدهم ومعتقداتهم، بينما يواجهون العنصرية والترفع بمثلهما، لهذا فإننا نلاحظ امتصاص المصريين للوافدين الذين صدقوا الرغبة في التمصر كالبطالمة والعرب، في مقابل لفظ أولئك المترفعين كالرومان والعثمانيين.

وأما عن مثال الحصان والراكب فإنه يلمس وترا حساسا في نفس المهتمين بالتاريخ المصري..

فدائما يوجد هذا الاتهام الجاهز للمصريين أنهم منذ ما بعد عصر الفراعنة لم يحكمهم مصريون وإنما أجانب وافدون.

المشكلة أن من يلوكون هذه المقولة لم يسألوا أنفسهم من هو المصري؟ هل هو المولود لأب وأم مصريين أم هو ذلك الذي اندمج في حركة تاريخ مصر من منطلق انتماء لهذا البلد -سواء كان الانتماء مصريا خالصا أم جزءا من انتماء عربي شامل-؟

الواقع التاريخي يقول إن المصري هو هذا الأخير الذي تعامل مع مصر باعتبارها جزء من قضيته، وباعتباره هو جزءا من قضيتها.

بين هؤلاء نجد أنظمة وحكاما عديدين عبر التاريخ: البطالمة، العرب المتمصرون، الأيوبيون، المماليك، أسرة محمد علي...

فكل هؤلاء جعلوا لأنفسهم في القضايا التاريخية المصرية مكانا هاما، وارتبطت أهم محطات تاريخهم الخاص بمصر وتاريخها وأهم أحداثها، فكيف بعد ذلك ننظر لهم كمجرد أجانب صادف أن حكموا البلاد؟

وحتى فيما لا يتعلق بالحكام بالضرورة، فإننا نجد أسماء غير مصرية الأصول تفاعلت إيجابيا مع التاريخ المصري، واعتبرها المصريون في وجدانهم الجمعي من أهل البلد، بداية من الأولياء الذين يحتفل بهم الملايين كل عام، مرورا بأبناء الجاليات الأجنبية المتمصرة والمؤثرة في ثقافة المجتمع، وانتهاء بالعديد من الأسماء في مجالات الفن والأدب، كمحمود سامي البارودي وأحمد شوقي وأنور وجدي ونجيب الريحاني وستيفان روستي وغيرهم.

السؤال الآن أين موطن العبقرية هنا؟

والإجابة بسيطة، إنها تلك الحاسة التي تجعل المصريين -بغير اتفاق- يضمون في وجدانهم الجمعي من يحسون بانتماءه لهم، فيعتبرونه واحدا منهم، وفي الوقت نفسه يلفظون ذلك المترفع المتكبر عليهم: عملية تلقائية متوارثة ليست لها قوانين مكتوبة ولا قواعد عرفية موروثة، وهي في الوقت نفسه تؤدي عملها منذ أقدم العصور بتلقائية واستمرارية وانتظام يلفت النظر.

ختاما...فإن عناصر أي دولة ثلاث: الإقليم والإنسان والسلطة الحاكمة، وأول عنصران -المكان والإنسان- هما الأهم، فهما المنطلق وهما المنتهى وهما المؤثران في مجريات الأمور وحركة التاريخ... وهما الثابتان في بقائهما، حتى وإن أصابهما التأثر بمعطيات التاريخ، في حين أن السلطات تتبدل وتتغير...

لهذا، فإن تركيز الدكتور جمال حمدان في عمله الضخم "شخصية مصر" كان في أغلبه على عاملي المكان والإنسان، وهذا التركيز هو من أهم أوجه عبقرية هذا العمل الثري وقيمته.

هو عمل لم يكتف بمجرد تقديم المعلومة والتحليل، بل هو بمثابة إطلاق لعملية تحليل مستمرة ودائمة للعناصر المكونة للوطن المصري عبر كلّ من المكان والزمان.

قد يسأل البعض، وله بالطبع حق السؤال: "لماذا يحظى كتاب شخصية مصر بالذات بهذا الاحتفاء والاهتمام وتلك المكانة المميزة في المكتبة العربية التي بها ما بها من كتابات عن مصر من منظور علوم كالجغرافيا والتاريخ والاجتماع وغيرها".

بالفعل، فإن المكتبة العربية فيها العديد من المؤلفات المتميزة في تلك المجالات، تحديدًا فيما يخص مصر، ولكن كتاب "شخصية مصر" بالذات جمع بين عدة مميزات استحق بها هذه المكانة، وهذا عرض لبعضها على سبيل المثال لا الحصر..

أولاً، فإن ثمة فارق بين كتاب يستعرض مصر من النواحي الجغرافية، التاريخية، الاجتماعية، السكانية، الجيولجية..إلخ، كل جانب على حِدة، وكتاب، كعمل الأستاذ جمال حمدان، يقوم بعملية "تفكيك" لمصر وتحليل لعناصرها وتناوُل لكيفية تفاعُل مكونات المعادلة المؤدية للكيان الوطني الذي نعيش فيه وعلاقة كل عنصر بباقي العناصر تأثيرًا وتأثرًا.

فإن كان التعريف الأكاديمي لـ "الدولة" هو اجتماع ثلاث عناصر هي: الإقليم، الشعب، والسلطة الحاكمة، فإن حمدان يقوم بعملية فحص وتحليل للعنصران الثابتان، الإقليم والشعب، في ضوء مجموعة من العلوم والتخصصات كالجغرافية والجيولوجيا والتاريخ والديموغرافية (السكان) وعلم الاجتماع وغيرها، مع استعراض الخط الزمني لكل عنصر وعلاقات السببية بينه وما أثر فيه، بحيث يقدم للقارىء صورة تجمع بين الشمولية والدقة.

ثانيًا، على ذكر الخط الزمني وعلاقات السببية، فإن من أهم ما يميز هذا العمل الضخم هو أنه يقدم عملية تتبع تاريخي للأحوال والظروف المعاصرة، بالنسبة للمكان والإنسان، بحيث يقدم للقارىء إجابة سؤال هام: كيف وصل هذا الشيء أو ذاك لهذا الوضع أو ذاك، وكيف كان من قبل وكيف انتقل من صورته القديمة للصورة الحالية، جاعلًا هذا القارىء يدرك أن عنصراً الإنسان والمكان إن كانا ثابتان من حيث الوجود فإنهما متغيران من حيث صورة وتكوين كلا منهما.

ثالثًا، فإن اللغة والمنهج الذان استخدمهما جمال حمدان في صياغة كتابه تميزا بالرصانة والموضوعية، لا "التهويل" ولا "التهوين" كما قال في جزء من مقدمة كتابه تحت عنوان "ما يُكتَب وما لا يُكتَب"، حيث انتقد كلّاً من التهويل والتهوين في سياق الحديث عن مصر، وما يكون من البعض حين يتحدثون عن مصر بلغة الإطراء والتمجيد مستشهدين بما قد يرد في بعض المصادر القديمة من كتابات تؤكد مدحهم، مهملين ما قد يكون في نفس المصادر من ذكر لنقائص أو عيوب.

وفي المقابل ينتقد التناول المهون من شأن مصر والمصريين والذي يعتبر أن ليس بهما إلا كل نقيصة وعيب، ويصل إلى اعتبار أن معاناة المصريين هي ما يستحقونه تمامًا.

وحين نقرأ كتاب "شخصية مصر" فإننا نجد أن صاحبه قد ألزم نفسه الموضوعية في ذكر الإيجابيات والسلبيات ووصف الأوضاع وتحليل نقاط القوة والضعف، ويقرن كتاباته بالجداول والخرائط والإحصائيات مما يعطيها مصداقية علمية وعملية، فلم يقع فيما سبق له انتقاده (رغم أن كثيرون من أصحاب الأقلام قد وقعوا في نقيصة انتقاد الشيء ثم ارتكابه).

رابعًا، فإن من أهم مميزات هذا الكتاب أنه "غير موجَه"، لا الكاتب موجه من الدولة ولا هو يحاول توجيه القارىء، حتى ما يمكن وصفه بـ"التوجيه اللاإرادي"، الذي قد يرتكبه بعض الكُتاب بغير قصد لا وجود له في هذا الكتاب.

ومن أوجه عبقريته أنه في نفس الوقت قد حمل من شخصية ورؤية صاحبه ما لا تصعب ملاحظته، وإنه لمن المؤسف أن فقدنا هذا الرجل قبل أن يخبرنا كيف استطاع تحقيق التوازُن بين أن يعرض ما لديه بموضوعية وأن يترك فيه بصمته الخاصة بارزة.

خامسًا، وليس أخيرًا، فإنه من الكتب القليلة التي توافق اسمها بدقة مع موضوعها، فهو بالفعل عبارة عن تحليل لشخصية مصر كأرض، شعب، دولة، مجتمع، جغرافية، جيولوجيا، وتاريخ.

هذا الرجل حين اختار اسم "شخصية مصر" لعمله الضخم قال فأوجز، وربما قد يستهين البعض بمسألة مدى توافق الاسم مع الموضوع، إلا أنها في حقيقة الأمر تنم عن مدى تمكُن الكاتب من تحقيق مستهدفه مما يكتب.

باختصار: هذا الرجل أراد أن يحلل شخصية مصر وقد حقق هدفه بالفعل فأوفى وكفَّى.

هذه المميزات الخمس، على سبيل المثال لا الحصر كما أسلفتُ القول، تجعل لكتاب "شخصية مصر" مكانة مميزة بين الكتابات العربية، بل وبين محتوى الموروث الإنساني كله بغير مبالغة، وحتى إن كانت بعض الأرقام والبيانات والمعلومات الواردة فيه قد اختلفت عنها في زمننا بحكم مرور بضعة عقود على وضعه، فإن هذا ليس مما ينتقص منه أو يجعله كتاب "عفى عليه الزمن"، إن كان ثمة كتاب يمكن أن نصفه بذلك، لأن مجرد قراءة الكتاب للتعلم من أسلوبه ومنهج تناول موضوعاته وكيفية عرضها لهي أمر يستحق بذل الجهد، فهو نفسه يعتبر درسًا عمليًا في توظيف المنهج العلمي والموضوعية العلمية لتقديم عمل قيّم يستحق أن يُقرأ وأن يُعتَبَر من أهم المراجع المصرية الصادرة في العصر الحديث.

3 تعليقات

  • تعليق mostafa abdel fattah abdel salam الأحد, 24 كانون2/يناير 2016 02:20 أرفق mostafa abdel fattah abdel salam

    هذا الكتاب اطلق عليه وثيقة مصر يجب تدريسه فى كل مراحل التعليم ويمتحن فيه كل من يتقدم للعمل العام سياسيا او اعلاميا فمن لم يقرأ هذا الكتاب ويستوعبه جيدا فهو غير جدير بتمثيل مصر

  • تعليق ahmed ramadan الجمعة, 22 كانون2/يناير 2016 17:33 أرفق ahmed ramadan

    آأمل عرض هذا الكتاب علي حلقات حتي يمكن الاستفادة من هذه الدراسة للعبقري د/جمال حمدان ولكم الشكر

  • تعليق  ممدوح جميل الأربعاء, 20 كانون2/يناير 2016 13:08 أرفق ممدوح جميل

    رحم الله الدكتور حمدان رحمة واسعة وجزاة الله خير جزاء اللهم امين

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

Threesome