×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الأربعاء, 13 آب/أغسطس 2014

جرجي زيدان .. مؤسس مدرسة التنوير "دار الهلال"

كتبه  محمود عزت *


كانت الصحافة الشامية صاحبة السبق فيما عرف بظاهرة الهجرة الصحفية، فقد هاجر جزء كبير من الصحفيين الشوامإلى الغرب،مثل تركيا وفرنسا وإيطاليا وقبرص وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية. أما الجزء الآخر منهم فاتجه إلى الهجرة الداخلية إلى المشرق، وكان النصيب الأكبر من هذه الهجرة متجهًا إلى مصر.

ظهرت العديد من التفسيرات لتحليل هذه الظاهرة، فمنها ما يذهب إلى القول بأن أسباب تلك الهجرة تعود إلى طبيعة الشخصية الوطنية للشاميين؛ حيث إن الهجرة من الملامح الأصيلة لشخصية المواطن الشامي، وإنهم توارثوها عن أجدادهم الفينيقيين. وإن كان هذا التفسير أكثر منطقية إذا جاء ليفسر الهجرة الاقتصادية بحثًا عن فرص عمل وكسب الرزق، ولكنه لا يصلح لتفسير الهجرة الصحفية، فمهنة الصحافة لم تكن في تلك الفترة من المهن التي تسعى وراء كسب أو ثراء، فإن عدد الصحفيين الشوام الذين كانوا من ذوي الأفكار الليبرالية والذين هاجروا من الشام كان كبيرًا جدًّا، في الوقت الذي اعتبرت فيه الليبرالية مبادئ ثورية تُعرِّض من يعتنقها لأشكال عديدة من الاضطهاد.

لذا فالسبب الحقيقي وراء هجرة الصحفيين الشوام، هو ما كانوا يعانونه من اضطهاد وقسوة القيود التي وضعها الحكم العثماني التركي على أعمالهم، وكذا فقدهم لحقهم في حرية التعبير؛ حيث تميزت فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني (1876- 1909) بطابع استبدادي شمل الولايات العثمانية كلها بصفة عامة وبلاد الشام بصفة خاصة، فتم تقييد حرية الصحافة الوطنية ومورست معها كافة أشكال التعطيل والمصادرة والإلغاء، فقد كان السلطان عبد الحميد الثاني يخشى من "دولة الصحافة".

ومما يؤكد أن هجرة الصحفيين الشوام تعود إلى افتقادهم لحرية الرأي والتعبير في بلادهم، أن موجة الهجرة تناقصت كثيرًا بعد صدور الدستور العثماني عام 1908، بل وعاد الكثير من المهاجرين مرة أخرى إلى بلادهم.

وقد بدأت الموجة الأولى لهجرة الصحفيين الشوام إلى مصر في عهد الخديو إسماعيل وبالتحديد في العشر سنوات الأخيرة من حكمه (1869 - 1879)، ويعتبر لويس صابونجي أول صحفي شامي يهاجر إلى مصر؛ حيث قام بإصدار صحيفة باسم النحلة الحرة التي تُعد أول مجلة شامية تهاجر إلى مصر، وقد صدر العدد الأول منها في عام 1871، وهي تعتبر امتدادًا لأعداد المجلة الإحدى والثلاثين التي كانت قد صدرت ببيروت، وانتقلت إلى مصر بعد أن أصدر راشد باشا والي سوريا التركي أوامره بتعطيلها، وعن سبب تعطيلها أشار  صابونجي بشكل غير مباشر في افتتاحية أول عدد يصدر منها في القاهرة قائلاً: "النحلة الحرة تُطبع في بلاد حرة، تُنشر عند اللزوم ودون ميعاد لإصلاح ما تفسده الجنة والجنان بين العباد".

أما جرجي زيدان مؤسس مدرسة التنوير – دار الهلال – فقد ولد في بيروتفي 14 ديسمبر 1861م لأسرة مسيحية فقيرة، تعود جذورها إلى قرية تُدعى "عين عنوب". انتقلت بعد ذلك جدته لأبيه لكي تعيش في بيروت مع ابنتيها وابنيها وكان أكبرهم حبيب زيدان والد جرجي زيدان.

كان حبيب زيدان رجلاً أميًّا يملك مطعمًا صغيرًا معروفًا لدى عدد كبير من الكتاب والصحفيين أمثال: إبراهيم اليازجي، وعبد الله البستاني، كما كان يتردد عليه باستمرار طائفة من طلاب الكلية الأمريكية التي أنشئت عام 1866 على يد جماعة من المبشرين الأمريكيين، ولما بلغ جرجي الخامسة أرسله والده للدراسة بمدرسة حرة يديرها القسيس إلياس؛ لكي يتعلم الكتابة والحساب ويستفيد به في تدوين الحسابات بدلاً من الاستعانة بكاتب حسابات من خارج الأسرة.

انتقل بعد ذلك إلى مدرسة الشوام؛ حيث تعلم اللغة الفرنسية، ولم تستمر هذه المدرسة طويلاً فتم إغلاقها عام 1870 وكان عمره 9 سنوات، وانتقل بعدها جرجي إلى مدرسة المعلم طاهر خير الله واستمر يدرس بها مدة عامين[i]. وقد ساعدت شهرة صاحب المدرسة على انتقال عدد كبير من تلاميذ مدرسة الشوام إليها، وعن هذا الرجل يقول جرجي زيدان:

"كان المعلم طاهر شديد العناية بتعليم التلاميذ محافظة على شهرة مدرسته والتماسًا لنجاحها، استمر جرجي يدرس بها لمدة عامين وانتقل بعدها إلى مدرسة المعلم مسعود الطويل حيث تعلم اللغة الإنجليزية".

لم ينتظم جرجي في المدارس، فتركها وبدأ والده يستعين به في العمل بالمطعم، غير أن والدته رفضت له العمل بالمطعم، فاتجه إلى تعلم صناعة الأحذية وهو في الثانية عشرة، ومارسها لمدة عامين حتى أوشك على إتقانهالكنه تركها، لعدم ملاءمتها لصحته، وعاد للعمل بالمطعم مرة أخرى.

لم تشغل هذه الأعمال جرجي عن القراءة والاطلاع، فقد كان يبدي منذ صغره ميلاً قويًّا إلى المعرفة، وشغفًا بالأدب علىوجه الخصوص، فانتظم في حضور حفلات جمعية شمس الدين بدر الأدبية التي أنشئت في بيروت، وكانت فرعًا لجمعية الشبان المسيحيين في إنجلترا، وتوثقت صلته بعدد كبير من رجالالصحافة وأهل اللغة والأدب أمثال: يعقوب صروف، وفارس نمر، وسليم البستاني، وعدد من طلبة المدرسة الكلية للطب في بيروت، وكان هؤلاء يدعونه إلى المشاركة في احتفالات الكلية، فعزم على الالتحاق بها وترك العمل نهائيًّا وانكب على التحصيل والمطالعة؛ راغبًا في الالتحاق بمدرسة الطب، وتمكن من اجتياز اختبارات المدرسة في الحساب والجبر وعلوم الطبيعة والهندسة إلى جانب اللغتين العربية والإنجليزية وانتظم في دراسة الطب عام 1881م. وفي عام 1882 تم طرده من المدرسة مع تلاميذ آخرين، نتيجة لإضرابهم من أجل حرية الرأي وللاحتجاج على عزل أستاذهم لويس عن التدريس، إلا أنه نال في هذين العامين شهادة في الكيمياء التحليلية بدرجة امتياز، وأخرى في اللغة اللاتينية التي كان يدرسها فارس نمر، وانتقل بعد أن أمضى بها ما يقرب من عامين إلى مدرسة الصيدلة، وحصل على شهادتها.

اعتزم جرجي زيدان دراسة الطب في مدرسة قصر العيني بمصر، وكان ناظرها وقتئذ عيسى باشا حمدي ولم يكن معه ما يكفي نفقات السفر، فاقترض من جار له ببيروت ستة جنيهات على أن يردها إليه حينما تتيسر له الأحوال، وبالفعل في أكتوبر عام 1883م سافر زيدان إلى القاهرة لكنه تراجع عن فكرة الالتحاق بمدرسة الطب لطول مدة الدراسة بها.

 أخذ زيدان بعد ذلك يبحث عن عمل يتفق مع ميوله، ففي عام 1883م بدأ مشواره الصحفي فعمل محررًا في صحيفة "الزمان"[ii]اليومية التي كان يصدرها علكسان صرافيان في القاهرة، والتي كانت من الصحف القليلة التي سمحت لها سلطات الاحتلال البريطاني بالاستمرار في الصدور[iii]، وفي عام 1884م عمل مترجمًا بمكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة، ورافق كمترجم الحملة الإنجليزية التي توجهت إلى السودان لإنقاذ القائد الإنجليزي "غوردون" من حصار المهدي وجيوشه، وقضى بها عشرة أشهر شهدت عديدًا من الوقائع الحربية، وحينما عاد إلى مصر نال ثلاثة أوسمة تقديرًا لجهوده في الحملة.    

لم يستقر زيدان في مصر بعد حملة السودان، ففي عام 1885م سافر إلى بيروت؛ حيث انضم إلى المجمع العلمي الشرقي الذي أُنشئ عام 1882م وقضى به عشرة أشهر درس خلالها اللغات الشرقية (العبرية والسريانية)، وفي عام 1886م تمكن من تأليف أول كتبه تحت عنوان "الفلسفات اللغوية والألفاظ العربية"[iv]، وهو يُعد أول جهد واضح بُذِل في تطبيق مبادئ فقه اللغة المقارن على اللغة العربية، وإن كان غير عميق التناول، وهو ما جعله يُعيد فيه النظر مرة أخرى، وفي عام 1904م أصدر منه طبعة جديدة بعنوان"تاريخ اللغة العربية".

في تلك الفترة بدأت مجلة المقتطف تجتذب إليها العديد من العلماء والأدباء، وراسلها زيدان بمقالاته الأدبية وبحوثه العلمية ونشرت له العديد منها. في عام 1886م سافر زيدان إلى لندن وتردد على دور العلم بها، وعقب عودته مباشرةً من لندن تولى إدارة مجلة المقتطف بعد أن نقلها صاحبها يعقوب صروف من بيروت إلى القاهرة عام 1885م، وعمل بها زيدان لمدة عام ونصف أي حتى عام 1888م[v]قام خلالها بجميع شئونها الإدارية والتحريرية مقابل 8 جنيهات شهريًّا؛ حيث قدم استقالته ليتفرغ  للتأليف، وألف مجموعة من الكتب مثل: تاريخ مصر الحديث، وتاريخ مصر الماسونية، والتاريخ العام. في نهاية عام 1888م، اتجه زيدان للعمل بالتدريس؛ حيث انتدبته المدرسة العبيدية الكبرى ليتولى إدارة التدريس العربي فيها، وقضى بها سنتين، وفي تلك الفترة تمكن من تأليف أولى رواياته التاريخية، رواية "المملوك الشارد"[vi]

وفي عام 1891م اشترك معنجيب متري "مؤسس دار المعارف"  في إنشاء مطبعة، ولم تستمر الشراكة بينهما سوى عام؛ حيث استقل جرجي زيدان بالمطبعة لنفسه، وأسماها مطبعة التأليف، بينما قام نجيب متري بإنشاء مطبعة مستقلة أسماها مطبعة المعارف.

انصرف بعد ذلك جرجي زيدان عن الكتابة والتأليف وأراد كغيره من الشاميين دخول مجال الصحافة، وعندما صدرت الهلال كانت الثقافة في مصر تقتصر على الأدب وجاءت الهلال لتعطي الثقافة معنى أوسع وأشمل فضمت التاريخ والفلسفة والعلوم والاجتماع والسياسة والاقتصاد وامتزج الفكر بالفن والعلم بالفلسفة، كما استهدفت تثقيف القارئ لا التبرير للحاكم، وكانت تساعد كل صاحب رأي على الوصول إلى القارئ وتعبر عن كل فكر أصيل مهما اختلفت المدارس الفكرية.

كانت الصحف هي الوسيلة الأولى لتثقيف أبناء الشعب المصري، وقد شهدت مصر وقت صدور الهلال حركة ثقافية وصحفية جادة، فكانت هناك منافسة شديدة بين المصريين واللبنانيين من أجل إصدار المزيد من الصحف، وكانت تصدر في مصر حوالي 170 صحيفة وقد عاصر صدور مجلة الهلال عددٌ من الصحف والمجلات مثل: الأهرام التي صدرت على يد بشارة تقلا وسليم تقلا في 5  أغسطس 1876، ومجلة المقتطف التي صدرت في لبنان عام 1876 على يد يعقوب صروف وفارس نمر ثم قاما بنقلها إلى القاهرة عام 1885، والمقطم التي صدرت في 14 فبراير عام 1889 على يد يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس، والمؤيد التي صدرت في ديسمبر عام 1889 على يد الشيخ علي يوسف، والنيل التي صدرت في 17 ديسمبر عام 1891 على يد حسن حسني، والبستان التي صدرت في 9 إبريل عام 1892م على يد عبد الواحد حمدي، ومجلة الأستاذ التي أصدرها عبد الله النديم في 24 أغسطس 1892 أي قبل صدور الهلال بأسبوع وكانت تحتوي على مقالات رفيعة المستوى امتدادًا لمجلة العروة الوثقى التي أصدرها كل من جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده في باريس، ولم تستمر "الأستاذ" سوى عام واحد؛ حيث أغلقت بأمر من قوات الاحتلال البريطاني، ومجلة الفتاة التي صدرت عام 1892 على يد هند نوفل لكنها أغلقت عام 1894، ومجلة الرشاد التي أصدرها محمود سلامة عام 1892 واستمر صدورها حتى عام 1895، وغيرها.

لم تصمد الغالبية أمام التحديات التي شهدها المجتمع المصري في تلك الفترة فسرعان ما احتُجبت بعضها نتيجة الصدام مع السلطة الحاكمة أو لعدم إقبال الناس عليها، ولم تستطع أن تترك أثرًا عميقًا في نفوس القراء، أما الهلال فهي المجلة الثقافية الوحيدة التي استطاعت أن تصمد أمام الظروف التي شهدتها عند صدورها، فقد صدرت الهلال في وقت كانت فيه مصر خاضعة للاحتلال الإنجليزي الممثل في المندوب السامي البريطاني (اللورد كرومر)، الحاكم الفعلي لمصر لمدة ربع قرن. كما واكب صدور الهلال عام 1892 وفاة الخديو توفيق بقصره بحلوان وتولي عباس حلمي الثاني عرش مصر بعد رحيل توفيق، وكان عباس شابًّا سعى إلى تسلم سلطاته كاملة فوقع في صدام مع كرومر وحظي عباس بعطف الحركة الوطنية، ويقول الدكتور يونان لبيب رزق عن عام صدور الهلال:

"كان ما جرى في مطلع ذلك العام من الوفاة المفاجئة للخديو توفيق واعتلاء ابنه الشاب الذي لم يكن قد أكمل بعد الثانية عشر عامًا "عباس حلمي الثاني"، ومع ما جرى مع هذا الحدث من تطورات أثرت في المستقبل المصري أيما تأثير، وهي نهاية عهد  الاستسلام التي ميزت السنوات العشر السابقة فهذا هو الذي قد جمع سائر كبار الجند لحلف يمين الطاعة للعرش".

هذا بالإضافة إلى تدهور التعليم،فمدرسة الهندسة على سبيل المثال لم يدخلها خلال السنوات الثلاث السابقة لعام 1892 سوى 5 تلاميذ، كما اضطرت مدرسة الطب لإغلاق أبواب الفرقتين الأوليين؛ إذ لم يقبل على دخولها تلميذ واحد جديد. نفس الحال بالنسبة للمدارس الحربية، فنتيجة لتقلص عدد أفراد الجيش المصري في تلك الفترة إلى 10 آلاف بين ضابط وجندي، وكان هذا العدد قد وصل إلى 80 ألف في عهد إسماعيل لم يكن بمصر سوى مدرسة حربية واحدة لا يزيد عدد أفرادها عن 100 تلميذ. انعكس تدهور التعليم على الحياة الاجتماعية فقد كان الجهل والأمية من سمات ذلك العصر.

شهد أيضًا عام 1892 حدثًا هامًّا هو افتتاح جسر جديد بين بولاق القاهرة وإمبابة لاتصال خطوط السكك الحديدية وسارت عليه قطارات السكك الحديدية من الأقصر إلى القاهرة فالإسكندرية فدمياط فرشيد فالسويس فبورسعيد. فقد شهدت مصر تطورًا هامًّا في الحياة الاجتماعية فتم ربط المدن المختلفة بالقاهرة عن طريق السكك الحديدية والطرق الزراعية مما ساعد على زيادة توزيع الكتب والمطبوعات والدوريات في كل أنحاء القطر المصري. كان الوضع السياسي في ذلك الوقت يبشر بظهور الأحزاب السياسية والصحف الجديدة الناطقة باسم هذا الحزب، ولم تقتصر على صحافة الأحزاب الوطنية لكنها شملت أيضًا صحفًا وأحزابًا مصطنعة كانت سياستها تقوم بالأساس على المساندة والولاء للاحتلال.

بدأ جرجي زيدان رسالته في خدمة القارئ العربي بإصدار مجلة الهلال[vii]في عام 1892م، وصدر العدد الأول منها في الأول من سبتمبر 1892. وقد كتب في مقدمته يقول:

 "لابد للمرء فيما يشرع فيه من فاتحة يستهل بها، وخطة يسير عليها، وغاية يرمي إليها.. أما فاتحتنا فحمدًا لله على ما أسبغ من نعمه وأفاض من كرمه.. والتوسل إليه أن يلهمنا الصواب وفصل الخطاب، وأما خطتنا فالإخلاص في غايتنا.. والصدق في لهجتنا.. والاجتهاد في وفاء حق خدمتنا، ولا غنى لنا في ذلك عن معاضدة أصحاب الأقلام من كتبة هذا العصر في كل صقع ومصر..

أما الغاية التي نرجو الوصول إليها فإقبال السواد على مطالعة ما نكتبه ورضاؤهم بما نحتسبه وإغضاؤهم عما نرتكبه، فإذا أتيح لنا ذلك كنّا قد استوفينا أجورنا فننشط لما هو أقرب إلى الواجب علينا[viii].

 في السنوات الأولى من تاريخ مجلة الهلال كرس جرجي زيدان كل نشاطه من أجل نجاح الهلال فقد تولى وحده جميع شئون المجلة التحريرية والإدارية وكان يشرف بنفسه على عمليات الطبع، والطريف أن جرجي زيدان أراد أن ينافس نفسه فأصدر مجلة اسمها الفرائد، ولم تستمر سوى عامين فقط.

 أدرك بعد ذلك أن مجهوده الفردي غير كافٍ لاستمرار مجلته فاستعان باثنين من الأصدقاء والأقارب لمعاونته على شئون المجلة: الأول هو إلياس زيدان وكان يكتب مقالات في الهلال إلى جانب عمله كمعاون في المستشفى الفرنساوي ببيروت، والثاني هو نقولا يوسف فياض وكان يراسل الهلال من بيروت.

في عام 1894 أصدر جرجي زيدان سلسلة روايات الهلال وكانت عبارة عن أعمال مترجمة، كان الهدف من إنشائها منافسة الروايات الأخرى التي لا تتفق مع عادات وتقاليد أهل البلاد ومحاربة غلاء أثمانها، وعن هذه السلسلة يقول جرجي زيدان:

"كلفنا جماعة ممن نثق بحسن ذوقهم ومن كتابنا الأدباء أن يكتبوا بهذا الفن إما تأليفًا أو ترجمة بعد اختيار الرواية على ما يناسب الذوق السليم وأخذنا على نفسنا طبع هذه الروايات على نفقتنا وسميناها "روايات الهلال"؛ لأنها تؤلف أو تترجم بإيعاز منشئ الهلال وتطبع وتنشر في إدارة الهلال" والرواية الأولى التي نشرت وأعلن عنها هي رواية "استراتونكي" والرواية الثانية "لصوص فينيسيا" وتناولت هذه الرواية أحوال فينيسيا، وعاداتهم وتقاليدهم".

حظيت مقالات جرجي زيدان بالنصيب الأكبر في مجلة الهلال المتمثلة في المقالات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية. كانت المقالات الخارجية التي تأتي إليها من بعض الأدباء والعلماء للنشر بالهلال نادرة لكن سرعان ما فتحت الهلال أبوابها في العقد الثاني من صدورها لكتابات العديد من العلماء والأدباء الشرقيين أمثال: نقولا فياض، وإلياس فياض، وحافظ إبراهيم، وشبلي شميل، وغيرهم. كما نشر جرجي زيدان في تلك الفترة مقالات اجتماعية واقتصادية بالإضافة إلى عدد من المقالات التاريخية مثل: النهضة المالية المصرية، والإحصاء المصري، واللغة العربية والمدارس، وتاريخ التعليم في مصر.

زاد إقبال القراء على مجلة الهلال وزادت عناية جرجي زيدان بها أكثر وأكثر فأنشأ بابين أحدهما لنشر غرائب العادات والأخلاق، وثانيهما لنشر أحوال الدول المعاصرة من الوجهة المالية والعسكرية والنظامية ومن وجهة الملك والسلطان مع الرسوم والإيضاحات اللازمة.     

ظهرت بعد ذلك طبقة جديدة من المتعلمين كان لديهم ميل كبير إلى دراسة العلوم الحديثة والفلسفة والتاريخ والاقتصاد، وغيرها مما جعل جرجي زيدان يرغب في التوسع في المجلة من خلال زيادة أبوابها، ففي عام 1913 وحتى عام 1914 زاد عدد أبواب مجلة الهلال إلى 12  بابًا تناولت موضوعات ووجهات نظر مختلفة في مجالات عديدة كالفلسفة والأدب، كما ازداد عدد صفحات مجلة الهلال 16 صفحة.

وطوال حياته قدم جرجي زيدان للمكتبة العربية العديد من المؤلفات والكتب منها[ix]:

-     كتب التاريخ:

1- تاريخ التمدن الإسلامي 1902.

2- تاريخ مصر الحديث من الفتح الإسلامي إلى الآن مع فذلكة في تاريخ مصر القديم 1889.

3- العرب قبل الإسلام، صدر جزء واحد منه عام 1908، ولم تصدر بقية أجزائه.

4- التاريخ العام منذ الخليقة إلى الآن، صدر جزؤه الأول عام 1908 ببيروت، ولم يكمله بعد ذلك.

5- تاريخ إنكلترة منذ نشأتها إلى هذه الأيام، 1899.

6- تاريخ الماسونية العام منذ نشأتها إلى هذه الأيام، 1889.

7- تاريخ اليونان والرومان (وهو جزء من تاريخ أوربة)، 1897.

8- طبقات الأمم أو السلائل البشرية، "طبعة الظاهرية عام 1912".

9- أنساب العرب القدماء (وهو رد على القائلين بالأمومة والطوتمية عند العرب بالجاهلية)، 1906.

-     كتب التراجم والسير:

1- تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، 1902.

2- بناة النهضة العربية، كتاب الهلال العدد72.

3- رحلة جرجي زيدان إلى أوربة عام 1912، صدر في الهلال عام 1923.

-     كتب الجغرافيا:

1- عجائب الخلائق، 1912

2- مختصر جغرافية مصر 1891.

-     كتب اللغة العربية وتاريخ آدابها:

1- الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية، 1886.

2- تاريخ اللغة العربية باعتبارها كائنًا حيًّا ناميًا خاضعًا لناموس الارتقاء، 1904.

3- تاريخ آداب اللغة العربية، 1911.

4- الألفاظ العربية والفلسفة اللغوية.

-     كتب في الاجتماع:

1- علم الفراسة الحديث موضوع الاستدلال على أخلاق الناس وقواهم ومواهبهم من النظر إلى أشكال أعضائهم.

2- مختارات جرجي في فلسفة الاجتماع والعمران، 1920.

-     روايات تاريخ الإسلام:

1- فتاة غسّان.

2- أرمانوسة المصرية

3- عذراء قريش.

4- 17 رمضان.

5- غادة كربلاء.

6- الحجاج بن يوسف.

7- فتح الأندلس.

8- شارل وعبد الرحمن.

9- أبو مسلم الخراساني.

10- العباسة أخت الرشيد.

11- الأمين والمأمون.

12- عروس فرغانة.

13- أحمد بن طولون.

14- عبد الرحمن الناصر.

15- فتاة القيروان.

16- صلاح الدين الأيوبي.

17- شجرة الدر.

18- الانقلاب العثماني.

19- أسير المتمهدي.

20- المملوك الشارد.

21- استبداد المماليك.

22- جهاد المحبين.

ولجرجي زيدان مخطوط عنوانه "مصر العثمانية"، ويشمل تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى الحملة الفرنسية، أعدّه ليكون محاضرات تلقى في الجامعة المصرية، وقد نشر المخطوط فيما بعد ضمن سلسلة كتاب الهلال.

وتوفي جرجي زيدان في 21 يوليو عام 1914م عن عمر يناهز 53 عامًا.

وكان جرجي زيدان أول من كتب في تاريخ الصحافة العربية وأخبار الصحافة من العرب، ثم أتى بعده الدكتور إبراهيم عبده والذي ألف العديد من الكتب ومنها (تطور الصحافة المصرية)، والدكتور خليل يوسف صابات والدكتور أحمد حسين الصاوي اللذان ألفا عديدًا من الكتب في نشأة الصحافة والطباعة وفنون الإخراج الصحفي في مصر والمشرق العربي، ثم يأتي بعده الدكتور محمود نجيب أبو الليل الذي كتب عن الصحافة الفرنسية في مصر عدة مؤلفات.

 

 

 

 

* مؤلف كتاب " دار الهلال مدرسة التنوير"

 
 
 
 
77 1
 
 
 
ATT76572 1
 
 
 


[i]- فتحي رزق، 75 نجمًا في بلاط صاحبة الجلالة، القاهرة، دار التعاون، بدون تاريخ، ص 95 - 96.

[ii]- كانت صحيفة الزمان الجريدةاليومية الوحيدة في القاهرة بعد أن عطل الاحتلال الإنجليزي الصحافة في تلك الفترة.

[iii]-  سناء عبد الرحمن، دور مجلة الهلال في تشكيل الأنماط  الثقافية في المجتمع المصري، رسالة دكتوراة، كلية الإعلام، قسم الصحافة - جامعة القاهرة، ص 124.

[iv]-  فتحي رزق، 75 نجمًا في بلاط صاحبة الجلالة ، ص 97.

[v]- سناء عبد الرحمن، دور مجلة الهلال في تشكيل الأنماط الثقافية في المجتمع المصري، ص 124- 125.

[vi]- فتحي رزق، 75 نجمًا في بلاط صاحبة الجلالة ، ص 97 - 98

[vii]- سناء عبد الرحمن، دور مجلة الهلال في تشكيل الأنماط الثقافية في المجتمع المصري ، ص 125.

[viii]-  مجلة الهلال العدد الأول 1 سبتمبر 1892 ص 1، 2.

[ix]- شوقي أبو خليل، جرجي زيدان في الميزان، دمشق، دار الفكر، ص18 – 22.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة