×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

السبت, 23 آب/أغسطس 2014

جبران: "النبيّ" الغائب في عيون الحاضر !

كتبه  أحمد عبد العليم

 

 

لم يكن جبران خليل جبران مجرد أديب قد امتطى ظَهر الأدب كي يحرز الأوسمة أو يقتنص الجوائز، ولكنه كان عبقريًّا عينه على ما هو أهم، كانت عينه على إحراز الخلود واقتناص المستقبل، على أن يظل بكتاباته أسطورة حاضرة لا تغيب، كان أقوى مما تجلّى لنا في "الأجنحة المتكسرة"؛ فقد كان جبران هو "النبيّ"، واستحق بجدارة أن يكون صاحب "البدائع والطرائف" وأن تحمل شخصيته الثرية "دمعة وابتسامة" لأن شخصيته مُحمّلة بالهمّ الإنساني، متوهجة بالروحانيات، ملهمة لكل ما يتعلق بالحياة. جبران هو العبقري العاقل الذي كتب "المجنون"، وهو "السابق" عصره وزمنه فظنّوا أنه "التائه"، ومَنْ أبدع من شخص حملت موهبته الفلسفة والشِعر والموسيقى والرسم باقتدار غريب وبقدرة مدهشة ؟!. هكذا قَدَره وهكذا قَدْره؛ عظيم من العظماء.

ولد جبران في لبنان، في مطلع يناير عام 1883، لبنان الوطن الذي أحبّه جبران وارتأى فيه أنه "أسمى المعاني لم يزل" رغم أنه هاجر منه وهو في سن صغير ة لم تتجاوز ثماني سنوات؛ حيث هاجر مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفيها درس الفن وبدأ مشواره الأدبي، حتى وافته المنيّة في نيويورك عام 1931. توفي في أمريكا ليعيش في قلب العرب والعالم.

تتجلّى عظمة جبران وعبقريته في استمراريته حتى الآن، وكي تكتشف ذلك، ليس عليك إلا أن تذهب إلى إحدى المكتبات الكبرى لتجد كتب جبران بها، كذلك كتاباته تتناقلها الأجيال عبر فضاء الإنترنت  حيث العديد من المواقع المكتظة بكتاباته المختلفة، وكذلك على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وبالتالي مهم أن نبحث في التساؤل التالي: كيف استمر جبران رغم مرور أكثر من ثمانية عقود على وفاته؟

اقتباسات صغيرة تحمل معانٍ كبيرة:

يملك جبران من الموهبة والعبقرية ما يجعله يختزل معاني كثيرة في كلمات موجزة، يوجز في جُملَه فتنجز ألف معنى، وجاء ارتباط عدد كبير من قُرّاء جبران من جيل الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب الاقتباسات الصغيرة التي تُعبِّر  عنهم بسلاسة وتصف خبايا النفوس دون تكلُّف، وهو ما تؤكده نوران أحمد، فتاة مصرية من محبي كتابات جبران، حيث تقول أنها تحب للغاية أن تقرأ لجبران، وترى أن استمرار كتاباته وانتشارها يعودان إلى "جمله الواضحة التي تلمس داخل أي إنسان يقرأ له، ولا زالت مواكبة لحالنا الآن؛ وخصوصًا الاقتباسات والجمل الصغيرة"، وأن كتاباته على حد تعبيرها "كلماتها مش غريبة ولا دخيلة ولا بتاعت الزمن الماضي بس"، ودلّلت نوران على موقفها بجملة تحبها من كتابات جبران "حين يغمرك الحزن تأمل قلبك من جديد، فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يومًا مصدر بهجتك"، وترى أن هذه الجملة لجبران "تلمس أيّ إنسان" لذا "ستعيش كتابات جبران أبدًا".

وعلى جانب آخر، هناك وجهة نظر أخرى ترى أن كتابات جبران ليست بهذه السلاسة ولكنها عميقة للغاية وأن الجُملة الواحدة قد تحتاج لوقت كبير كي يُفهم معناها، وهذا ما تؤكده هديل، فتاة سورية وهي مؤسسة صفحة على موقع "الفيس بوك" تحمل اسم جبران وتهتم بنشر كتاباته، حيث تقول "أنا من معجبي جبران وبشدة وأنشأت الصفحة من جهة كي أبقى أقرأ لجبران كل يوم، ومن جهة لتنتشر كلماته". وعندما بادرتها بالتساؤل المتعلق عن استمرار كتابات جبران حتى الآن رغم مرور عقود عدة على وفاته، أجابت هديل "بتخيّل كلماته مستمرة لأنها صعبة الفهم وبحاجة لتحليل يعني بالنسبة إلي في كتير شغلات لجبران ممكن أقراها أكتر من مرة وفي كل مرة باخد منها شي. وسبب استمرار كتاباته أيضًا هو شموليتها لأنها تشمل كل جوانب الحياة"، وتكمل هديل بأنها قرأت معظم كتب جبران وأن الكتاب الأبرز له هو كتاب "النبي" لأنه "يتضمن أهم نواحي الحياة" بحسب هديل، خاصة وأنه الكتاب الذي كتب جبران عنه" شغل هذا الكتاب الصغير كل حياتي، كنت أريد أن أتأكد بشكل مطلق من أن كل كلمة كانت حقًا أفضل ما أستطيع تقديمه"، صدق جبران فبعد صدور الكتاب بحوالي تسعة عقود مازال يُقرأ ومازال من الكتب المفضلة لدى قطاع كبير من القرّاء في الوطن العربي.

جبران: الشعلة الزرقاء التي لا تنطفيء

أما ضياء أبو تركي، وهو فلسطيني ومؤسس لصفحة أخرى تحمل اسم جبران وتنشر كتاباته، فيقول أنه فكّر في عمل صفحة على الفيس بوك لجبران لأسباب عدة منها بحسب ضياء "حبنا لما قدمه الراحل والمبدع جبران خليل جبران، وحتى لا يتم نسيانه وحتى يتعرف عليه الجيل الجديد"،ويكمل ضياء حديثه عن تميُّز شخصية جبران خاصة فيما يتعلق إنسانيته والتعامل مع الآخر بكل حب وتقدير، حيث أن من ضمن مميزات جبران – بحسب ضياء - أنه "لا يميز مسلم عن مسيحي أو عربي عن آخر، وأنه مسيحي لكن يحب الإسلام وحارب العنصرية والطائفية"، وأنه قدم الكثير رغم أنه لم يعش سوى أقل من خمسة عقود، وأنه ظل حاضرًا حتى بعد موته حتى أن قبره مكتوب عليه عبارة كفيلة بأن تستحضر روح جبران في مخيلتك كلمة أردت رؤيته، وهي عبارة "أنا حي مثلكم وأنا الآن إلى جانبكم، أغمضوا عيونكم، انظروا حولكم، وستروني".

بينما تركز آسيا أحمد، وهي فتاة تونسية مُحبّة لكتابات جبران، على جبران العاشق الولهان، حيث تركز على رسائله العظيمة لميّ زيادة والتي تعد من التراث الرائع للرجل بعد رحيله حيث صدر كتاب "الشًعلة الزرقاء" والذي يحوي رسائل ذلك الحب الفريد والنادر بين جبران وميّ زيادة، حب تعانقت فيه الأرواح رغم عدم التقاء الأجساد، ورغم الحديث عن تعدد علاقات جبران إلا أنه ظلّ محافظًا على حبه لميّ وعلى إرسال واستقبال الرسائل منها سنوات طويلة؛ حيث كان لجبران علاقات غير محددة، أفلاطونية وجسدية، هذه المغامرات عاشها جبران سرًا, إما حفاظًا على سمعة تلك العشيقات أو خوفًا من تشويه الصورة التي كان يريد أن يعطيها حول نفسه بأنه الناسك الروحاني.

جبران الذي لا يموت !

يقول جبران في "النبي" على لسان حكيمه إن "المحبة لا تعطي إلا نفسها ولا تأخذ إلا من نفسها، المحبة لا تملك شيئًا ولا تريد أن يملكها أحد؛ لأن المحبة مكتفية بالمحبة"، ويقول عن الزواج "قد ولدتم معًا، تظلون معًا للأبد، وستكونون معًا عندما تبدد أيامكم أجنحة الموت البيضاء، أحبوا بعضكم بعضًا، ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود، قفوا معًا"، وعن العمل يقول جبران "قد طالما أُخبرتم أن العمل لعنة، والشغل نكبة ومصيبة،  أما أنا فأقول لكم إنكم بالعمل تحققون جزءًا من حلم الأرض بعيد، جزءً خُصص لكم عند ميلاد ذلك الحلم، فإذا واظبتم على عمل النافع تفتحون قلوبكم بالحقيقة لمحبة الحياة،  لأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة أعماقها، وتدنيه من أبعد أسرارها". ولأن جبران أحب الحياة بالعمل النافع، فقد حقق جزءً من حلم الأرض فيه بأن عاش بيننا وهو في السماء، ووجد أنه يملك موهبة تكفي أن تُفتح علينا أعماق الحياة من خلاله حتى ملأ قلوبنا بالحقيقة المحبة للحياة، كأنه ألهمنا محبة الحياة فألهمتنا الحياة محبته.

 

هكذا هو جبران، يقدم إجابات لكل ما يمكن أن يخطر على بالنا من تساؤلات، عن كل ما يتعلق بالحياة، كأنه أراد أن يهرب من سؤال الموت بإجابات الحياة، ومن تغييب الجسد بالتلاشي إلى بقاء الروح بالكلمات،وحفر لنا بحياته المليئة بالمعاناة حدّ العتمة طريقًا مضيئَا مكتسيًا بالأمل،هكذا هو جبران، عاش فأحيا داخلنا الكثير، ومات فعاش، وبات حقًا جبران الذي لا يموت!!!

1 تعليق

  • تعليق نوران أحمد الأحد, 24 آب/أغسطس 2014 08:21 أرفق نوران أحمد

    أبدعت حرفا ووصفا

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة