×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الثلاثاء, 02 أيلول/سبتمبر 2014

كتاب هجرة الشوام- عن الهجرة اللبنانية إلى مصر

كتبه  محمد العربي

كتاب هجرة الشوام: الهجرة اللبنانية إلى مصر

المؤلف: مسعود ضاهر

دار الشروق، ط2008

يعتبر هذا العمل الموسوعي الذي قام بتأليفه وإعداد المؤرخ والمفكر اللبناني الدكتور مسعود ضاهر من أهم الأعمال التي ترصد علاقة الشعبيْن اللبناني والمصري خاصة في القرنيْن التاسع عشر والعشرين، حيث يركز على هجرة أهل الشام إلى مصر ، وهي من أهم الهجرات العربية العربية التي ساهمت في إثراء الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في القطريْن، وهي هجرة لا زلنا نلمح آثارها إلى اليوم في أسماء العائلات القاطنية في البريْن وكذلك أسماء الشوارع والأحياء والمنشآت الثقافية والتجارية.

صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في نوفمبر/  تشرين الثاني 1985 في بيروت التي كانت تعاني من أوار الحرب آنذاك، بيد أن هذا لم يمنع الباحث المجد والذي يعمل أستاذًا لتاريخ لبنان الحديث والمعاصر في الجامعة اللبنانية من القيام بجهد بحثي راقي ومقابلات وإحصاءات وتواريخ ووثائق جمعها بين دفتي هذا الكتاب. وكان الدكتور ضاهر قد نال الدكتوراه من السوربون وإلى جانب عمله بالجامعة اللبنانية، فهو يعمل أستاذًا زائرًا في جامعتيْ طوكيو وجورج تاون، وله مؤلفات في التاريخ والسياسة اللبنانية والعربية مثل "الجذور التاريخية للمسألة الطائفية في لبنان 1697-1861" و"المشرق العربي المعاصر: من القبيلة إلى الدولة الحديثة"، و"الدولة والمجتمع في المشرق العربي 1840-1990" و"مشكلات بناء الدولة الحديثة في الوطن العربي" و"النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدمات واختلاف النتائج".

اعتمد ضاهر في منهجية هذا الكتاب على منهج مركب يمزج بين أساليب بحثية عديدة، تتراوح بين تحليل الوثائق وإجراء المقابلات وكذلك المذكرات وغيرها، لذا جاء تأريخه  تمتزج حيًّا الذاكرة الشخصية بالذاكرة الجمعية، وقد تنوعت مصادر الوثائق التي اعتمد عليها الكتاب بين تلك التي أتاحتها سجلات العائلات والهيئات الحكومية والقنصليات والسفارات والكنائس والجامع الأزهر وغيرها. وعلى قدر هذا التنوع والتعقد، يؤكد الكتاب أن هذه الظاهرة التاريخية التي استغرقت قرنًا من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين كانت مركبة ومعقدة الأسباب والمظاهر ومن الصعب حصرها في وجه واحد، ويفيد هذا عند تناول القضايا الخلافية مثل درجة امتزاج الشوام بالمصريين وموقفهم من الاستعمار البريطاني وغيرهما من قضايا.

أطلق المصريين مصطلح الشوام على كل المهاجرين من سورية الكبرى والتي شملت آنذاك سوريا ولبنان وفلسطين، غير أنه فيما بعد اقتصر المصطلح على المسيحيين منهم دون النصارى للدرجة التي أصبح معها هذا المصطلح قرينًا لكلمة "مسيحي سوري". لقد هاجر السوريون واللبنانيون إلى مصر بأعداد كبيرة قياسًا إلى عدد السكان المحليين في المناطق السورية واللبنانية. ومنهم من هاجر إليها طلبًا للحرية السياسية كبعض الكتاب والمثقفين والشعراء والصحافيين، ومنهم من هاجر بدافع الظروف الاقتصادية على اختلاف أنواعها. ولعبت العائلية دورًا أساسيًّا في جذب الشوام إلى مصر فكانت تستقطب المهاجرين تباعًا على قاعدة الأقرب أولاً ثم الدرجة الثانية فالثالثة من القرابة ثم أبناء القرية والمنطقة.

تنوعت خطوط الهجرة التي شكل اللبنانيون الجزء الأكبر فيها، وكانت دمياط أولى المدن المصرية التي استقبلت الهجرات اللبنانية منذ منتصف القرن الثامن عشر، ومن دمياط انتشر المهاجرون باتجاه المنصورة والزقازيق ثم القاهرة حتى وصل بعضهم إلى السودان، وكذلك كانت الإسكندرية وجهة العديد من المهاجرين الذي وصلوا إلى وقطن بعضهم فيها، واتجه آخرون إلى طنطا ثم القاهرة إلى السودان. ومنذ الحرب العالمية الأولى تقلصت أعداد المهاجرين خاصة مع وارتكزت الجالية السورية اللبنانية في القاهرة والإسكندرية والمنصورة. وفي بداية الهجرات لعبت التجارة والتبادل التجاري بين الموانئ المصرية في دمياط والإسكندرية والشامية في بيروت وصيدا الدور الأبرز في تركز  الشوام في مدن مثل دمياط، وبهذا الشأن ينقل ضاهر عن كتاب أصدرته الرهبانية المارونية الحلبية في وادي النيل يدافع تجذر وجود الموارنة في دمياط، يقول الكتاب "إن الجهل دفع البعض إلى المهاجرة بأن الموارنة، أي المستوطنين منهم بمصر، ليسوا مصريين. إلا أن التاريخ الحديث يدلنا أن الموارنة استوطنوا مصر منذ أوائل القرن السادس عشر للميلاد..ومنذ سنة 1725، حصل رهبان رهبنتنا بمصر من كبراء سائر الطوائف الكاثوليكية وخاصة بدمياط، لأجل أولئك المؤمنين فيما يختص احتياجاتهم الروحية..." وحي النصارى في دمياط القديمة شاهد على الدور الفعال الذي مارسته العوائل اللبنانية في المدينة التي كانت أكبر ميناء بمصر قبل أن تفقد تميزها بتغير التركيبة الاقتصادية للمجتمع المصري.

مع هذا التغير الذي حدث منذ دولة محمد علي، توافد الشوام بكثرة، وفيما امتزجت العائلات المسلمة منهم بالمجتمع المصري بسهولة، بقيت العائلات المسيحية متمايزة عن هذا المجتمع، ولعبت مع سيطرة المستعمر دورًا وسيطًا، فيُذكر أن اللغة لعبت دورًا أساسيًّا في بروز السوريين واللبنانيين في مصر. فقد امتلكوا العربية إلى جانب الفرنسية والإنكليزية وسواهما من اللغات الأوروبية، وهذا ما افتقرته الجاليات الأوروبية من فرنسية ويونانية وفرنسية وإيطالية وإنكليزية وكذلك ما افتقده مثقفو الأقباط والمصريين عمومًا. ويذهب ضاهر أن جانب الوساطة التي قام بها الشوام هام جدًا في فهم وضعهم في المجتمع المصري، إلا أن سلامة المنهج تقتضي النظر إلى جوانب أخرى؛ "فقد كان هناك دور طليعي ممتاز للشوام في تحديث المجتمع المصري وعصرنته. وليس صحيحًا إبراز هذا الدور بشكل رومانسي كما يفعل بعض المؤرخين الطائفيين اللبنانيين وذلك بالتشديد على دور اللبناني في نهضة مصر وتطويرها ونقلها من التقليد إلى الحداثة، بل بتحليل الواقع الموضوعي لتطوير المجتمع المصري آنذاك؛ فقد كان للسوريين واللبنانيين كما كان للكثير من اليونان والفرنسيين والإيطاليين والإنكليز وغيرهم دور هام في استقدام نماذج عصرية يتطلبها المجتمع المصري في المرحلة التي وصل إليها".

تعتبر السنوات التي سبقت مباشرة احتلال البريطانيين لمصر عام 1882، إثر ثورة أحمد عرابي وحتى الحرب العالمية الأولى أكثر المراحل أهمية في تاريخ هجرة الشوام إلى مصر ، إن لم نقل العصر الذهبي لهذه الهجرة من حيث العدد والنفوذ والتمدد الجغرافي والبروز في كافة المستويات. ويبرز تمدد الشوام بين مختلف المدن المصرية أن مصر فتحت ذراعيها لمهاجري الشوام دون أية قيود أو تضييقات. فلم تكن هنالك حواجز عرقية أو طائفية بل شكل الشوام عنصر تنشيط فاعل للاقتصاد المصري نظرًا للخبرة الواسعة التي تمتعوا بها وللغات التي أتقنوها بالإضافة إلى صلاتهم الوثيقة بالبنوك والرساميل الأجنبية.

إلى جانب هجرة أفراد متميزين من سوريا ولبنان إلى مصر، كان للهجرة الشامية طابع عائلي وعشائري، لقد هاجرت عائلات وأسر بكاملها إلى مصر، لذا يلقي الكتاب في فصل خاص الضوء على هذه الطبيعة العائلية، فيبرز تاريخ أهم العائلات الشامية، مثل عائلة كنعان وصوصة وزيدان والسكاكيني وفرح وبطرس النجار وصباغ وصابات وصروف وثابت ونمر وسلهب.  كما يذخر الكتاب بسجل يكاد أن يشمل كل العائلات اللبنانية بمصر ، وكذلك بأسماء وتواريخ أبرز السوريين في مصر خاصة هؤلاء الذين برزوا في مجال الصحافة والثقافة مثل آل تقلا صاحبة ومؤسسة الأهرام أكبر المؤسسات الصحافية في مصر حتى اليوم، وكذلك آل زيدان وعميدهم جرجي زيدان المثقف الموسوعي ومؤسس مجلة الهلال؛ المجلة الثقافية العربية العريقة.   

وعن أسباب الهجرة إلى مصر، يعمد ضاهر إلى أهم الكتابات التي تناولت هذه الظاهرة والتي تراوحت بين الانطباعات والكتابة البحثية الموضوعية. لقد اختلفت درجة اندماج الشوام بالمصريين لأسباب مركبة عند كل درجة، وهناك انطباع عن تبعية أغلب الشوام وولائهم للسلطة الحاكمة وطنية كانت أم محتلة، وهو أمر له أسبابه المتعلقة بالتكوين الطائفي والاجتماعي للمهاجرين. كما أن الرئيس تقي الدين الصلح يرى أن ولاء الشوام كان له أيضًا خلفية اجتماعية طبقية، فإن كات الأثرياء منهم موالين للمحتل لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لفقرائهم "فالانقسام الحقيقي فمسألة اجتماعية يتبعها موقف سياسي. ومن الشوام من ساعد الحركة الوطنية المصرية وكان المصريون يحترمونهم كثيرًا، ومنهم من وقف ضدها إلى جانب الإنكليز مثل جماعة المقطم التي هاجمها المصريون بعنف" وجدير بالذكر  بأن الكتاب مهدى إلى مناضلين لبنانيين وقفا إلى جانب القضية المصرية وهما أنطون مارون ورفيق جبور "وإلى رفاق لهما استشهدوا في سجون الاحتلال البريطاني وعمقوا ارتباط اللبنانيين الدائم بقضايا العرب الوطنية والقومية؛ فكانوا مشاعل لها ووقودًا لمعارك الحرية فيها". وكان أنطون مارون قد استشهدا في سجون القاهرة دفاعًا عن حقوق المعتقلين السياسيين وكان من مؤسسي الحزب الشيوعي المصري. أما رفيق جبور فقد طرد من مصر بسبب نشاطه الاشتراكي العلمي، لتغتاله المخابرات البريطانية في إحدى مستشفيات فلسطين، وكذلك برز اسم النقابي فؤاد الشِمالي الذي طُرد من مصر للأسباب نفسها وشارك في تأسيس الحزب الشيوعي اللبناني.

 

 

 

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة