×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الإثنين, 08 أيلول/سبتمبر 2014

في ذكرى رحيله، نجيب محفوظ .. الروائي العالمي المُغرِق في المحليّة

كتبه  أحمد عبد العليم

 

نجيب محفوظ  المصري الذي عشق تفاصيل القاهرة، وكتب عن مصر وحدها، عن بيوتها وشخوصها وحتى مقاهيها، حتى أخذت مصر بيده إلى العالمية فحاز جائزة نوبل للآداب عام 1988 وهي أرفع الأوسمة الأدبية في العالم.كانت المعادلة بسيطة بالنسبة إليه؛ كثير من التمحور المكاني حول كل ما هو مصري مع ارتباطات زمنية مختلفة وبرؤية واقعية هي معادلة كفيلة لتجعل منه أديبًا عالميًا، وكفيلة بأن ينقش اسمه على الحجر وليس على الماء كي ينال المَجد المُستحق، فكأن محفوظ كان كلما ازداد إغراقًا في المحليّة وفي كل ما هو مصري زاد بريقه العالميّ وزاد إشراقه الأدبي. ولما لا وقد بدأت حكايته العالمية من القاهرة نفسها؟! وبالتحديد في الحادي عشر من ديسمبر/ كانون الأول حيث وُلد في عام 1911، وخلال تلك  الفترة منذ مولده وحتى وفاته في 30 أغسطس/ آب عام 2006  نَحت اسمه بامتياز كأمير متوج على عرش الرواية العربية.

استهل محفوظ إنتاجه الأدبي بروايات تعيد تقديم تاريخ مصر القديمة منها "كفاح طيبة"، قبل أن ينتقل إلى كتابة روايات يعتبرها البعض بمثابة تأريخ للحياة الاجتماعية والسياسية في مصر في القرن العشرين، وكتب محفوظ أطول الروايات المصرية وهي "بين القصريْن" التي نُشرت في ثلاثة أجزاء لطولها بعناوين "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية"؛ وهي عمل أدبي ضخم يسجل حياة مصر منذ مطلع القرن العشرين إلى ما قبل ثورة يوليو/ تموز عام 1952، ومن أشهر مؤلفاته الأخرى "زقاق المدق" عام 1946 و"بداية ونهاية" عام 1948 و"اللص والكلاب" عام 1963 و"السمان والخريف" عام 1977 و"الحرافيش"، وتُعَدّ رواية "أولا حارتنا" هي أكثر أعماله المثيرة للجدل منذ نشرها مسلسلةً في صفحات جريدة الأهرام حتى صدورها لأول مرة في كتاب عن دار الآداب ببيروت عام 1962، ولم يتم نشرها في مصر حتى أواخر عام 2006 عن دار الشروق، وقد حصل محفوظ إلى جانب جائزة نوبل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1968 وعلى قلادة النيل عام 1988 وهي أرفع الأوسمة في مصر، كما حصل على جائزة إبداع أبحاث البحر المتوسط من إيطاليا عام 1990

في الذكرى الثامنة لرحيل محفوظ، يبدو التساؤل الهام متعلقًا بمدى استمرار بريق نجمه أو خفوته، مدى شعبية كتاباته في ظل صعود نجم أدباء جدد وروائيين جدد باتوا محتفظين بالصدارة لفترات طويلة في قائمة الأكثر مبيعًا، وكذلك هناك تساؤل متعلق بمدى وجود محفوظ بين جيل الشباب من القراء.

نجيب محفوظ في بورصة مبيعات الكتب

يقول الكاتب محمد الشاذلي إن نجيب محفوظ "ماركة مسجلة لأنه عاش عصورًا كثيرة وكان شاهدًا على تقلبات سياسية وتغيرات اجتماعية هامة وقعت فيها. في أدب محفوظ، تجد معظم الشخصيات المحيطة بنا، لقد كان هذا الأدب تجسيدًا لمصر. عندما كان  نجيب محفوظ يكتب رواياتٍ تاريخيةٍ، كان يذاكر تلك الفترات التاريخية التي تدور فيها أحداث رواياته جيدًا؛ لذا كان ينتج لنا أعمالاً متميزة. إن أدب نجيب محفوظ بالنسبة للقارىء العادى أدب يدعو للتأمل والتفكير، أما بالنسبة للكاتب فهو عبء كبير، إذا ما حاول أن يحاكي أدبه".

وبخصوص رواج أعمال محفوظ، يقول الشاذلي إنه مازال موجودًا برواياته، رغم احتلال الكتب والروايات الشبابية قائمة الأكثر مبيعًا، ويجد أنه كان من الممكن أن تكون أعماله لها شعبية أكثر لو لم يكن حق نشرها مكفول لدار الشروق المصرية فقط، لأنه بحسب الشاذلي "ضوعفت أسعار روايات محفوظ حوالي أربع مرات، والناس بيلجأوا إما لطبعات قديمة أو للإنترنت وتحميل رواياته وأعماله بي دي إف"، وهذا ما ينفيه الأستاذ مصطفى الفرماوي مدير التوزيع بدار الشروق؛ حيث يقول إن "دار الشروق تقوم بعمل دعاية في الجريدة الخاصة بها لمحفوظ، وأن ذلك تمَّ أكثر من مرة بعرض صفحة كاملة لأعمال نجيب محفوظ بل وعمل خصومات على أعماله تصل إلى 30%، وهو ما لاقى رواجًا وتمَّ بيع كمية كبيرة من أعماله"، ويرى الفرماوي أن هناك بالتأكيد تراجعًا في مبيعات أعمال محفوظ، لكنه يرى هذا التراجع يُستثنى منه بعض الأعمال التي تحافظ على وجودها في قائمة الأكثر مبيعًا، ومنها "أولاد حارتنا، الثلاثية، خان الخليلي، وقشتمر"، ومن هنا يؤكد الفرماوي أن دار الشروق، وهي التي تنشر أعمال محفوظ بشكل حصري لا تقصر في عمل الدعاية اللازمة لأعماله

ويُفسِّر الفرماوي تراجع مبيعات أعمال محفوظ بانتشار روايات الشباب "خاصة أدب الرعب والأدب البوليسي، في حين تراجع الأدب الشعبي بعض الشيء"، ويكمل حديثه قائلاً أن "مصر اختلفت كثيرًا والأذواق اختلفت كثيرًا، وكذلك القراءات لدى الناس اختلفت وخاصة الشباب. ولذلك، فإننا أمام قراء اختلفوا عن قراء السنوات الماضية، في ظل بروز روائيين وكُتَّاب جُدد يستقطبون شريحة كبيرة من القُرَّاء وهو ما يتطلب تشجعيه بقوة عسى أن يفتح ذلك الباب أمام هؤلاء القُرَّاء من أجل قراءة أعمال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وآخرين"

على جانب آخر، يقول الكاتب مصطفى الطوبجي إن مَن لم يقرأ روايات نجيب محفوظ فهو لم يقرأ روايات من أساسه، حيث يبرر الطوبجي ذلك بقوله "ذلك ليس بسبب حبكته في الرواية، بل ﻷنها كانت ومازالت تصف الواقع بحرفية شديدة كما أن محفوظ كان متمكنًا من رسم شخصيات الرواية، وإيضاح أبعاد كل شخصية". وفيما يتعلق برواج أدب محفوظ يقول الطوبجي "روايات نجيب منتشرة لكن ليس بالقوة التي يقتضيها كونه أديبًا عالميًّا. ذلك أن بعض الشباب رغم ارتفاع معدل القراءة، إلا أنه يفضل الروائيين الشباب مثل أحمد مراد أو من الجيل السابق مثل إبراهيم عيسى؛ وذلك لسببيْن أولهما اللغة المستخدمة في السرد وهي لغة  ليست صعبة، وثانيهما أنها مواكبة ﻷحداث وأفكار وعادات الحاضر".

محفوظ في عيون القُرَّاء

فيما يتعلق بتواجد نجيب محفوظ بين القراء، ورأيهم في رواج أعماله في الوقت الحالي، يقول محمد عوض إنه لابد من التمييز بين مستوييْن من القراء؛ أحدهما قاريء كلاسيكي والآخر قاريء يمكن وصفه بأنه جديد. "على مستوي القارئ الكلاسيكي، من المؤكد أن لنجيب محفوظ حضورًا  ملموسًا جدًّا، ليس لكونه الكاتب المصري الأشهر أو لكونه كاتبًا عالميًّا، ولكن ﻷن أعماله بها قدر من الزخم الفكري الذي يجذب القارئ الكلاسيكي. أنا شخصيًا دائمًا ما أقول إن نجيب محفوظ أبعد بكثير عن الجائزة التي يتم اختزاله فيها. وعلى مستوى العالم، كلما تحدثنا عن الإنتاج الأدبي في القرن العشرين وتعدد أعلامه، لابد لنا من ذكر نجيب محفوظ، وأقصد أن المثقف العالمي بالطبع يعرف نجيب محفوظ بأعماله لا بالجائزة"، ويستنتج عوض بأنه لهذه الأسباب لا يوجد قارئ أو مثقف كلاسيكي لا يقرأ لنجيب محفوظ أو لا توجد أعمال لمحفوظ في مكتبته.

أما فيما يتعلق بالقُرَّاء الجُدد، فيقول عوض" القُرَّاء الجُدد يمكن القول بأنهم محدثو القراءة، وهذا ليس انتقاصًا منهم. غير أن هؤلاء القراء لا يقرؤون إلا الجديد، وكلما كان النص بسيطًا بين أيديهم كلما كان أكثر جاذبية، وهذه الفكرة تتناقض بالتأكيد مع الدسم الذي تتسم به أعمال نجيب محفوظ بلا استثناء. غير أن هناك قيمة أخرى تؤثر على توجهات القراء الجدد، ومن الممكن أن يكون لها تأثير على انجذابهم لكل ما هو بسيط؛ وهي الموضة أو الشهرة؛ فالقراء الجدد لكل ما هو مشهور، أو لكل ما يشتهر على أنه موضة. ويكمل عوض كلامه قائلاً "إن علاقة هذا الجيل من القراء بنجيب محفوظ محصورة في هذه الفكرة، فنجد أنهم قرؤوا "أوﻻد حارتنا" علي ضخامتها، لكنهم لم يقرؤوا مثلاً  "ثرثرة فوق النيل" علي قصرها، فقط بسبب الشهرة التي حظيت بها الأولى".

على جانب آخر، يقول إسلام عماد إنه قرأ لمحفوظ حوالي ثلاثة أعمال هم "أولاد حارتنا، ليالي ألف ليلة، والشيطان يعظ"، ويقول إسلام عن مجمل ما قرأه لمحفوظ "إن أعماله ممتعة جدًّا وقادر على تصوير حياة الحارة المصرية بشخصياتها وأحوالها وتاريخها... أما أهم ما قرأته من أعماله فكان "أولاد حارتنا" بسبب الرمزية التي تذخر بها وهو ما جعلها مثيرة للمشكلات. أما بالنسبة للشباب الحالي، فلا توجد نسبة قراءة كبيرة بينهم لأعمال محفوظ"

وبالتالي فإنه في الذكرى الثامنة لوفاة نجيب محفوظ ورغم تقصير الدولة المصرية في الاحتفاء به – بحسب الأستاذ مصطفى الفرماوي - إلا بعرض عدد من الأفلام المأخوذة من أعماله، وفي ظل احتكار دار الشروق لنشر أعماله – بحسب محمد عوض – الذي يرى أن الاحتفاء بمحفوظ يجب أن يكون بتوفير أعماله بأسعار رخيصة وهو ما يراه أمر صعب، لا يمكن إنكار أن محفوظ مازال موجودًا وحاضرًا بأعماله التي مازالت توجد في قائمة المبيعات، وكذلك في اختيارات القُرَّاء بتوجهاتهم المختلفة وتنويعاتهم المختلفة، وتلك هي عبقرية محفوظ الذي أبدع حتى مَسح على إبداعه سحرًا لا يفقد بريقه مع مرور الزمن، ولا يفقد أثره أو قيمته حتى مع بروز كُتاب وروائيين جدد.  

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة