×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

صورة تجمع سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق فياض صورة تجمع سميح القاسم ومحمود درويش وتوفيق فياض
الإثنين, 15 أيلول/سبتمبر 2014

شعر المقاومة: الوجود والحدود

كتبه  أحمد عبد العليم

يُمثِّل شعر المقاومة تأريخًا لكفاح الشعوب، مختزلاً في مُبدعيهم ومُختزنًا في تجليّاتهم، قائمًا بأحسنهم ومقوّمًا لأسوئهم؛ فالكلمات هي أسلحة الشعوب الرادعة التي تفتك بالمستبدين، والأحرف هي سهامهم القاتلة التي تُدمي الظالمين. أما الإبداع فيظل هو ظلّ الحرية على الأرض، ونافذة الأمل العصيّة على الإغلاق، ويظل الشعر هو مخاض ذلك الإبداع في أبهى صوره، ويُعَدّ شعر المقاومة بصفة خاصة هو النوع الشعري الذي  يُحسن الإمساك بتلابيب الحرية والأمل معًا، مقاومًا عواصف الخوف وبراكين اليأس وخريف الاستبداد بثبات كبير؛ حيث أن "أبيات" الشعر لا تهدمها صواريخ الطائرات ولا رصاص المُستبد، وكذلك لا تهزها زلازل القمع، فشعر المقاومة يظل يقظًا ومجتهدًا في محاولة تخليص الإنسانية الصريعة تحت عجلات الظلم البيِّن؛ حيث يكمن فيه مسيرة الشعوب ومسار مستقبلهم.

ويمكن اعتبار الوجه الثقافي للمقاومة متمثلاً في الأدب بشكل عام والشعر بشكل خاص "شعر المقاومة" هو بمثابة صلب وأساس أوجه المقاومة الأخرى بما فيها المسلحة، لأن الأدب فكرة والفكرة قادر على أن تنجز ما قد لا تنجزه الرصاصة الخارجة من فوهة بندقية،  ولذلك  فإن التساؤل يبدو هامًا عن شعر المقاومة، وجوده وحدوده، أصداؤه وتفاعله، وذلك بالتزامن مع واقع عربي يموج بحراك كبير تمخض عنه توجهات وأفكار وشخوص ورؤى ونظم جديدة.

 

الوجود الراسخ والحدود القوية

 

شعر المقاومة يؤسس حدودًا جديدة لنفسه كلما تآكلت حدوده بفعل ارتفاع موجات الاستبداد والظلم، ليؤكد وجوده الراسخ القوي، فيرى الكاتب والقانوني اللبناني شادي أبو عيسى "أنه في كل عصر اضطهاد واستبداد، يبرز رواد مناضلون مقاومون بالكلمة والفكر واللحن، يُواجهون الظلم والقهر بشغف، وفي عصر المقاومة والنضال الحديث في الوطن العربي، برزت مجموعة من الشعراء عمدوا إلى رفع لواء الحرية بكل حرية ليشكلوا مع النضال العسكري، مرحلة متجددة من العزة والتحرر. وإذا أردنا التطرق إلى أسماء بعض هؤلاء، سنذكر بالتأكيد شعر محمود درويش وسميح القاسم وروبير غانم، هذا المثلث النضالي المتكامل مع بعضه ليُشكل نهضة شعرية في النضال الحر والكلمة الحرة والشعر الحر"، ويكمل أبو عيسى حديثه قائلاً "من لبنان وفلسطين، يتكامل النموذج الشعري الكفاحي في وجه الظلم والفساد والاستبداد؛ فيبرز درويش وقاسم من فلسطين، وغانم من لبنان، ويبدأ التسجيل مع محمود درويش، عبر شعره الملهم، فيسجل أنه عربي وتنتصب القامة مع سميح القاسم الذي يردد (منتصبَ القامةِ أمشي،  مرفوع الهامة أمشي، في كفي قصفة زيتونٍ وعلى كتفي نعشي)، ويعبر روبير غانم إلى كهوف الظلم والاستبداد مناضلاً، فينشد (ثوروا غنّوا .. يا ثوّارْ .. حاكوا الشمسَ الضوءَ انفجروا .. كونوا الشوقَ الحلمَ النارْ .. غنّوا في أعراسِ المجدْ .. أجملَ وَعدْ .. حيث يصير الوطن الساكنُ في التاريخْ ..كل التاريخْ). ويكمل أبو شادي حديثه قائلاً "وهكذا، يكتمل المثلث الشعري النضالي على شكل لهب النار الساطع ليتفجر حرية وكرامة. الجدير ذكره هنا، أن روبير غانم هو الذي اكتشف محمود درويش وسميح القاسم وأطلقهما عندما كان رئيسًا لتحرير "ملحق الأنوار" في منتصف الستينات، وهذا ما ورد ذكره بصورة تفصيلية في صحيفة "الأنوار" اللبنانية (عدد 13/10/2008)"

أما الناقد والكاتب المصري شعبان يوسف فيرى في الشاعر الفلسطيني سميح القاسم الذي وافته المنيّة منذ أيام رمزًا للمقاومة. يقول شعبان "كان سميح بين رفاقه، ومنهم الشاعر الكبير محمود درويش، مثالاً للشاعر الذي ظلّ يقاتل شعرًا ونثرًا وسياسة في مواجهة الأعداء، وجهًا لوجه، من دون النزوع إلى الخروج الأبدي من الأرض، هذه الأرض التي تجسدت في أشعاره كثيرًا، ولذلك فهو كان رمزًا متعدد الصور للمقاومة، صورة الشاعر المقاوم الذي يعيش بين الذئاب ويتلقى كل دقيقة طعنات سيوفهم. ورغم ذلك، فشعره ليس شعرًا تقريريًا، لكنه شعر ممزوج بروح التاريخ والأسطورة والمذاق الآخر"، ويكمل شعبان في معرض حديثه عن شعر المقاومة بشكل عام وشعر سميح القاسم بشكل خاص "كنا نتابع أخباره كأنه واحد من آل البيت الثوري العربي والمقاتل، واختلفت المصائر والأهواء وطرق كتابة الشعر، لكنه سيظل الشاعر الذي وقف طوال حياته في مواجهة أعدائه يقف أمام سيوف الخصم، إنه البديل عنا، كنا نردد قصائده، رغم معاظلة[1] بعضها في البدايات. وكان البحث عنه وعن صوته الذي جاءنا بقوة متعة ما بعدها متعة، وقرأنا دواوينه منذ "دمي على كفي" حتى أشعاره الأخيرة، وكم كان يحزنني ويحزننا الخلاف الذي تحول إلى معركة بينه وبين رفيقه محمود درويش، وكم كنا سعداء عندما انقشع غبار هذه المعركة"

 

شعر المقاومة  نار تحرق ونور يُضيء

 

شعر المقاومة قادر على خلق الأمل وانتزاع الحق من بين فكيّ الطغاة، كأنه نار تحرق المستبدين وتلتهمهم، ونور يضيء لمستقبل الشعوب والأجيال القادمة، حيث يرى أحمد موسى، وهو شاعر مصري شاب، أن "شعر المقاومة موجود في كل شاعر، لكن الرؤى الشعرية الثورية في صياغة الأفكار تختلف من شاعر لآخر باختلاف التناول والطرحبين الرمزية والمباشرة باختلاف حالة كل شاعر". وأما عن تأثيره على الواقع وأصدائه،  فيشبه موسى شعر المقاومة بأنه "مثل الشرارة التي تشعل حريقًا، غير أن حريق الشعر ليس له نار، فصدى هذا الشعر مقصور على المهتمين بالأدب عامة، وأولئك الذين يستندون عليه في مقالاتهم لتحفيز الناس على الثورة والمقاومة، بالإضافة إلى هؤلاء الرافضين للخنوع لأي نظام غير ديمقراطي يسلبهم حريتهم وكرامتهم. كما أن شعر المقاومة  على طرح الواقع في صيغة محببة لقلوب الناس خاصة في أوقات الضجر من السلطة لكنه سلاح لا يصيب غير الإحساس، يوجع ولا يقتل"

في حين  يرى رمزي اليازجي من فلسطين  أن "محمود درويش هو حامل للقضية الفلسطينية وممثلها، والاعتراف بشعره وفوزه خارج فلسطين كان بمثابة الاعتراف بنا وله العديد من المتاحف والأعمال التي لازالت تحت الإنشاء، ويعرقلها الاحتلال الإسرائيلي لما لشعره ذو تأثير كبير علي كل من قرأ له وهو يُحادث بصورة دقيقة كل زوايا فلسطين"، ويوافقه في الرأي أحمد عبده من  مصر في قوله بأن "محمود درويش الله يرحمه شعره معبر جدًا عن القضية"، ويضيف "أن أحمد مطر كذلك بجانب درويش يعبران عن شعر المقاومة"

 

شعر المقاومة وإدارة التغيير

 

شعر المقاومة  قادر على  إدارة دفة التغيير ببراعة كبيرة. وإن كان يتبدى للوهلة الأولى قلة فاعليته، إلا أنه يٌشكل وجدان الشعوب، ويدفعها نحو التغيير، وكذلك قادر على التجديد، وعن هذا تقول نورهان الشناوي من مصر أن "أشخاصًا كثر كانت لهم بصمة في شعر المقاومة لأن كل مرحله سياسيه كانت تستدعي مواكبتها بالجديد من الشعر وهو المحفز المتعارف عليه في الأوضاع السياسية الحالكة وبالرغم من كونها أشعارًا مرحليه إلا أنها لا تندثر وتبقي مخلدة أسماء مبدعيها، ومن أهمهم الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم وهو أكثر الشعراء ارتباطًا بروح الشارع"، وفيما يتعلق بصدى شعر المقاومة وتأثيره في مواجهة الظلم والاستبداد أو الاحتلال، تقول نورهان "الشعر عاطفة ممزوجة بوجهه نظر وهي أقوى سلاح مقاوم ضد الظلم والاستبداد والاحتلال وموجود أثره بوجود القضية التي يدافع عنها ويعتبر موظِف أساسي لشحنات الغضب والاحتقان في الشارع، ونقطه تجمع باعتبار أن الاختلافات في الآراء السياسية واردة لكن الاتفاق والتوافق الوحيد يكون حول مصلحة الوطن المشتركة التي تكون محور شعر المقاومة"

وبالتالي، فإن التساؤل المتعلق بوجود شعر المقاومة وحدوده، هو تساؤل مرتبط بالاستمرارية، ولأن مطالب الشعوب لا تنتهي وسعيها الدؤوب لا ينقطع نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية أو في مواجهة المغتصب والمحتل والمستبد، فإن شعر المقاومة مستمر بين مدٍ وجزر، بين تأثير كبير وتأثير نسبي، المهم أنه موجود وقائم ولا ينقطع، سواء باستعادة شعر المقاومة من أزمان سابقة أو بذلك الشعر الذي يُستجَد مع الواقع الجديد.



[1]جاء في قاموس المعاني أن "عاظَلَ الشاعِرُ في شِعْرِهِ : جَعَلَ بعضَ أَبياتِهِ مفتقرًا في بيانِ معناهُ إِلى بعض".

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة