×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

 

 

لم يكن جبران خليل جبران مجرد أديب قد امتطى ظَهر الأدب كي يحرز الأوسمة أو يقتنص الجوائز، ولكنه كان عبقريًّا عينه على ما هو أهم، كانت عينه على إحراز الخلود واقتناص المستقبل، على أن يظل بكتاباته أسطورة حاضرة لا تغيب، كان أقوى مما تجلّى لنا في "الأجنحة المتكسرة"؛ فقد كان جبران هو "النبيّ"، واستحق بجدارة أن يكون صاحب "البدائع والطرائف" وأن تحمل شخصيته الثرية "دمعة وابتسامة" لأن شخصيته مُحمّلة بالهمّ الإنساني، متوهجة بالروحانيات، ملهمة لكل ما يتعلق بالحياة. جبران هو العبقري العاقل الذي كتب "المجنون"، وهو "السابق" عصره وزمنه فظنّوا أنه "التائه"، ومَنْ أبدع من شخص حملت موهبته الفلسفة والشِعر والموسيقى والرسم باقتدار غريب وبقدرة مدهشة ؟!. هكذا قَدَره وهكذا قَدْره؛ عظيم من العظماء.

ولد جبران في لبنان، في مطلع يناير عام 1883، لبنان الوطن الذي أحبّه جبران وارتأى فيه أنه "أسمى المعاني لم يزل" رغم أنه هاجر منه وهو في سن صغير ة لم تتجاوز ثماني سنوات؛ حيث هاجر مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية وفيها درس الفن وبدأ مشواره الأدبي، حتى وافته المنيّة في نيويورك عام 1931. توفي في أمريكا ليعيش في قلب العرب والعالم.

تتجلّى عظمة جبران وعبقريته في استمراريته حتى الآن، وكي تكتشف ذلك، ليس عليك إلا أن تذهب إلى إحدى المكتبات الكبرى لتجد كتب جبران بها، كذلك كتاباته تتناقلها الأجيال عبر فضاء الإنترنت  حيث العديد من المواقع المكتظة بكتاباته المختلفة، وكذلك على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وبالتالي مهم أن نبحث في التساؤل التالي: كيف استمر جبران رغم مرور أكثر من ثمانية عقود على وفاته؟

اقتباسات صغيرة تحمل معانٍ كبيرة:

يملك جبران من الموهبة والعبقرية ما يجعله يختزل معاني كثيرة في كلمات موجزة، يوجز في جُملَه فتنجز ألف معنى، وجاء ارتباط عدد كبير من قُرّاء جبران من جيل الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب الاقتباسات الصغيرة التي تُعبِّر  عنهم بسلاسة وتصف خبايا النفوس دون تكلُّف، وهو ما تؤكده نوران أحمد، فتاة مصرية من محبي كتابات جبران، حيث تقول أنها تحب للغاية أن تقرأ لجبران، وترى أن استمرار كتاباته وانتشارها يعودان إلى "جمله الواضحة التي تلمس داخل أي إنسان يقرأ له، ولا زالت مواكبة لحالنا الآن؛ وخصوصًا الاقتباسات والجمل الصغيرة"، وأن كتاباته على حد تعبيرها "كلماتها مش غريبة ولا دخيلة ولا بتاعت الزمن الماضي بس"، ودلّلت نوران على موقفها بجملة تحبها من كتابات جبران "حين يغمرك الحزن تأمل قلبك من جديد، فسترى أنك في الحقيقة تبكي مما كان يومًا مصدر بهجتك"، وترى أن هذه الجملة لجبران "تلمس أيّ إنسان" لذا "ستعيش كتابات جبران أبدًا".

وعلى جانب آخر، هناك وجهة نظر أخرى ترى أن كتابات جبران ليست بهذه السلاسة ولكنها عميقة للغاية وأن الجُملة الواحدة قد تحتاج لوقت كبير كي يُفهم معناها، وهذا ما تؤكده هديل، فتاة سورية وهي مؤسسة صفحة على موقع "الفيس بوك" تحمل اسم جبران وتهتم بنشر كتاباته، حيث تقول "أنا من معجبي جبران وبشدة وأنشأت الصفحة من جهة كي أبقى أقرأ لجبران كل يوم، ومن جهة لتنتشر كلماته". وعندما بادرتها بالتساؤل المتعلق عن استمرار كتابات جبران حتى الآن رغم مرور عقود عدة على وفاته، أجابت هديل "بتخيّل كلماته مستمرة لأنها صعبة الفهم وبحاجة لتحليل يعني بالنسبة إلي في كتير شغلات لجبران ممكن أقراها أكتر من مرة وفي كل مرة باخد منها شي. وسبب استمرار كتاباته أيضًا هو شموليتها لأنها تشمل كل جوانب الحياة"، وتكمل هديل بأنها قرأت معظم كتب جبران وأن الكتاب الأبرز له هو كتاب "النبي" لأنه "يتضمن أهم نواحي الحياة" بحسب هديل، خاصة وأنه الكتاب الذي كتب جبران عنه" شغل هذا الكتاب الصغير كل حياتي، كنت أريد أن أتأكد بشكل مطلق من أن كل كلمة كانت حقًا أفضل ما أستطيع تقديمه"، صدق جبران فبعد صدور الكتاب بحوالي تسعة عقود مازال يُقرأ ومازال من الكتب المفضلة لدى قطاع كبير من القرّاء في الوطن العربي.

جبران: الشعلة الزرقاء التي لا تنطفيء

أما ضياء أبو تركي، وهو فلسطيني ومؤسس لصفحة أخرى تحمل اسم جبران وتنشر كتاباته، فيقول أنه فكّر في عمل صفحة على الفيس بوك لجبران لأسباب عدة منها بحسب ضياء "حبنا لما قدمه الراحل والمبدع جبران خليل جبران، وحتى لا يتم نسيانه وحتى يتعرف عليه الجيل الجديد"،ويكمل ضياء حديثه عن تميُّز شخصية جبران خاصة فيما يتعلق إنسانيته والتعامل مع الآخر بكل حب وتقدير، حيث أن من ضمن مميزات جبران – بحسب ضياء - أنه "لا يميز مسلم عن مسيحي أو عربي عن آخر، وأنه مسيحي لكن يحب الإسلام وحارب العنصرية والطائفية"، وأنه قدم الكثير رغم أنه لم يعش سوى أقل من خمسة عقود، وأنه ظل حاضرًا حتى بعد موته حتى أن قبره مكتوب عليه عبارة كفيلة بأن تستحضر روح جبران في مخيلتك كلمة أردت رؤيته، وهي عبارة "أنا حي مثلكم وأنا الآن إلى جانبكم، أغمضوا عيونكم، انظروا حولكم، وستروني".

بينما تركز آسيا أحمد، وهي فتاة تونسية مُحبّة لكتابات جبران، على جبران العاشق الولهان، حيث تركز على رسائله العظيمة لميّ زيادة والتي تعد من التراث الرائع للرجل بعد رحيله حيث صدر كتاب "الشًعلة الزرقاء" والذي يحوي رسائل ذلك الحب الفريد والنادر بين جبران وميّ زيادة، حب تعانقت فيه الأرواح رغم عدم التقاء الأجساد، ورغم الحديث عن تعدد علاقات جبران إلا أنه ظلّ محافظًا على حبه لميّ وعلى إرسال واستقبال الرسائل منها سنوات طويلة؛ حيث كان لجبران علاقات غير محددة، أفلاطونية وجسدية، هذه المغامرات عاشها جبران سرًا, إما حفاظًا على سمعة تلك العشيقات أو خوفًا من تشويه الصورة التي كان يريد أن يعطيها حول نفسه بأنه الناسك الروحاني.

جبران الذي لا يموت !

يقول جبران في "النبي" على لسان حكيمه إن "المحبة لا تعطي إلا نفسها ولا تأخذ إلا من نفسها، المحبة لا تملك شيئًا ولا تريد أن يملكها أحد؛ لأن المحبة مكتفية بالمحبة"، ويقول عن الزواج "قد ولدتم معًا، تظلون معًا للأبد، وستكونون معًا عندما تبدد أيامكم أجنحة الموت البيضاء، أحبوا بعضكم بعضًا، ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود، قفوا معًا"، وعن العمل يقول جبران "قد طالما أُخبرتم أن العمل لعنة، والشغل نكبة ومصيبة،  أما أنا فأقول لكم إنكم بالعمل تحققون جزءًا من حلم الأرض بعيد، جزءً خُصص لكم عند ميلاد ذلك الحلم، فإذا واظبتم على عمل النافع تفتحون قلوبكم بالحقيقة لمحبة الحياة،  لأن من أحب الحياة بالعمل النافع تفتح له الحياة أعماقها، وتدنيه من أبعد أسرارها". ولأن جبران أحب الحياة بالعمل النافع، فقد حقق جزءً من حلم الأرض فيه بأن عاش بيننا وهو في السماء، ووجد أنه يملك موهبة تكفي أن تُفتح علينا أعماق الحياة من خلاله حتى ملأ قلوبنا بالحقيقة المحبة للحياة، كأنه ألهمنا محبة الحياة فألهمتنا الحياة محبته.

 

هكذا هو جبران، يقدم إجابات لكل ما يمكن أن يخطر على بالنا من تساؤلات، عن كل ما يتعلق بالحياة، كأنه أراد أن يهرب من سؤال الموت بإجابات الحياة، ومن تغييب الجسد بالتلاشي إلى بقاء الروح بالكلمات،وحفر لنا بحياته المليئة بالمعاناة حدّ العتمة طريقًا مضيئَا مكتسيًا بالأمل،هكذا هو جبران، عاش فأحيا داخلنا الكثير، ومات فعاش، وبات حقًا جبران الذي لا يموت!!!

نشر في فن وثقافة
الأربعاء, 20 آب/أغسطس 2014 00:00

الصحافة الشامية في مصر

كانت الصحافة الشامية صاحبة السبق فيما عرف بظاهرة الهجرة الصحفية، فقد هاجر جزء كبير من الصحفيين الشوام إلى الغرب مثل تركيا وفرنسا وإيطاليا وقبرص وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية. أما الجزء الآخر منهم فاتجه إلى الهجرة الداخلية إلى المشرق، وكان النصيب الأكبر من هذه الهجرة متجهًا إلى مصر.

ظهرت العديد من التفسيرات لتحليل هذه الظاهرة، فمنها ما يذهب إلى القول بأن أسباب تلك الهجرة تعود إلى طبيعة الشخصية الوطنية للشاميين[i]؛ حيث إن الهجرة من الملامح الأصيلة لشخصية المواطن الشامي، وإنهم توارثوها عن أجدادهم الفينيقيين. وإن كان هذا التفسير أكثر منطقية إذا جاء ليفسر الهجرة الاقتصادية بحثًا عن فرص عمل وكسب الرزق، ولكنه لا يصلح لتفسير الهجرة الصحفية، فمهنة الصحافة لم تكن في تلك الفترة من المهن التي تسعى وراء كسب أو ثراء، فإن عدد الصحفيين الشوام الذين كانوا من ذوي الأفكار الليبرالية والذين هاجروا من الشام كان كبيرًا جدًّا، في الوقت الذي اعتبرت فيه الليبرالية مبادئ ثورية تُعرِّض من يعتنقها لأشكال عديدة من الاضطهاد.

لذا فالسبب الحقيقي وراء هجرة الصحفيين الشوام، هو ما كانوا يعانونه من اضطهاد وقسوة القيود التي وضعها الحكم العثماني التركي على أعمالهم، وكذا فقدهم لحقهم في حرية التعبير؛ حيث تميزت فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني (1876- 1909) بطابع استبدادي شمل الولايات العثمانية كلها بصفة عامة وبلاد الشام بصفة خاصة، فتم تقييد حرية الصحافة الوطنية ومورست معها كافة أشكال التعطيل والمصادرة والإلغاء، فقد كان السلطان عبد الحميد الثاني يخشى من "دولة الصحافة".

ومما يؤكد أن هجرة الصحفيين الشوام تعود إلى افتقادهم لحرية الرأي والتعبير في بلادهم، أن موجة الهجرة تناقصت كثيرًا بعد صدور الدستور العثماني عام 1908، بل وعاد الكثير من المهاجرين مرة أخرى إلى بلادهم.

بدأت الموجة الأولى لهجرة الصحفيين الشوام إلى مصر في عهد الخديوي إسماعيل وبالتحديد في العشر سنوات الأخيرة من حكمه (1869-1879)، ويعتبر لويس صابونجي أول صحفي شامي يهاجر إلى مصر؛ حيث قام بإصدار صحيفة باسم النحلة الحرة التي تُعد أول مجلة شامية تهاجر إلى مصر، وقد صدر العدد الأول منها في عام 1871، وهي تعتبر امتدادًا لأعداد المجلة الإحدى والثلاثين التي كانت قد صدرت ببيروت، وانتقلت إلى مصر بعد أن أصدر راشد باشا والي سوريا التركي أوامره بتعطيلها، وعن سبب تعطيلها أشار  صابونجي بشكل غير مباشر في افتتاحية أول عدد يصدر منها في القاهرة قائلاً: "النحلة الحرة تُطبع في بلاد حرة، تُنشر عند اللزوم ودون ميعاد لإصلاح ما تفسده الجنة والجنان بين العباد"[ii].

في 9 أغسطس 1873 أصدر سليم حموي بالإسكندرية صحيفة أسبوعية تهتم بالسياسة والأدب هي الكوكب الشرقي[iii]، تُعد هذه الصحيفة أول صحيفة شامية تصدر بالإسكندرية، كما أصدر حموي في أول عام 1874 بالإسكندرية أيضًا صحيفة يومية تجارية اسمها شعاع الكوكب، لكن الصحيفتين لم تستمرا طويلاً؛ حيث توقفتا في نفس عام صدورهما، وعن سبب إغلاقهما يقول فيليب دي طرازي في كتابه تاريخ الصحافة العربية: "إن الحكومة أصدرت أمرًا بإلغائهما بلا ذنب ولا سبب، فاستدعى حاكم الإسكندرية إليه صاحب الامتياز سليم حموي وأجبره بالعنف على إرجاع الرخصة إلى الحكومة تنفيذًا لإرادة الخديو بإلغاء الجريدتين، فتظلم سليم حموي للخديو إسماعيل بواسطة خبيري باشا فاستقدمه الخديو إسماعيل وقال له: يسرني أن أرى شابًّا مثلك ساعيًا وراء الجد والارتقاء، وأتمنى أن يكون في بلادي كثير من أمثالك يصرفون أوقاتهم في خدمة الآداب والحكومة والوطن، ولكن بما أن حالة البلاد لا تستوجب انتشار الجرائد فيها بالوقت الحاضر رأيت أن ألغي جريدتك بلا ذنب ولا إثم يستوجبان هذا القصاص، ولكن ما قدر كان فاطلب ما شئت عوضًا عما خسرته". وقد ردد آخرون أن السبب الأساسي وراء إغلاق الصحيفتين هو أن سليم حموي ندد في صحيفتيه بسياسة الخديو إسماعيل ووجه انتقادات شديدة إلى تصرفات الخديو إسماعيل فكان رد فعل الخديو هو إصدار قرار بإغلاق الصحيفتين، والدليل على ذلك أن سليم حموي عاد بعد 5 أعوام وأصدر صحيفة أخرى باسم الإسكندرية في 11 يوليو 1878[iv] انتقدت تصرفات الخديو إسماعيل مرة أخرى فأنذرتها الحكومة ثم عطلتها شهرًا ثم أصدرت قرارًا بإغلاقها نهائيًّا.

يعتبر الأخوان الشاميان سليم تقلا وبشارة تقلا من أبرز الصحفيين الشوام الذين هاجروا إلى مصر؛ حيث أصدرا بالإسكندرية صحيفة الأهرام أسبوعيًّا في 5 أغسطس 1876، وأصدرا أيضًا صحيفة يومية هي صدى الأهرام عام 1877[v] حتى يتمكنا من متابعة أحداث الحرب الروسية العثمانية التي كانت قائمة في ذلك الوقت وكانت تشغل الرأي العام المصري نظرًا لمشاركة بعض الجنود المصريين بها. تجنس الأخوان تقلا بالجنسية الفرنسية[vi] فأصبحا تحت الحماية الفرنسية مما شجعهما على انتقاد بعض تصرفات الخديو إسماعيل، ومن ذلك مقال نُشر بالأهرام في إبريل 1879 واتُهم فيه الخديو إسماعيل بسرقة أموال الدولة، أيضًا نشر بشارة تقلا بصحيفة صدى الأهرام مقالاً بعنوان: "ظلم الفلاح" تحدث فيه عن استغلال حكومة الخديو إسماعيل للفلاح المصري فتم القبض على بشارة تقلا وقضى في السجن 3 أيام؛ حيث خرج بوساطة فرنسية[vii]، وأصدر الخديو إسماعيل أوامره بتعطيل صحيفتي الأهرام وصدى الأهرام فأصدر الأخوان تقلا صحيفة الوقت التي استمرت في الصدور حتى قيام الثورة العرابية.

أيضًا من الصحفيين الذين يحتلون مكانًا بارزًا بين الصحفيين الشوام الذين هاجروا إلى مصر أديب إسحق؛ حيث أصدر في القاهرة صحيفة "مصر"[viii] في إبريل 1877 بتوجيه من جمال الدين الأفغاني، واستمرت هذه الصحيفة في الصدور إلى أن نجح التدخل الأجنبي في عزل الخديو إسماعيل وتولي ابنه الخديو توفيق، ولعبت هذه الصحيفة دورًا بارزًا في التعبير عن الحركة الوطنية في نهاية عصر الخديو إسماعيل، ودعمت بشكل كبير أفكار وآراء جمال الدين الأفغاني الذي ساهم أيضًا في توجيه غيرها من الصحف الشامية مثل: صحيفة التجارة اليومية التي أصدرها سليم النقاش بالإسكندرية في 15 مايو 1878 وشاركه في إصدارها أديب إسحق، وعلى الرغم من كونها صحيفة تجارية تهتم في المقام الأول بالأخبار المالية وحركة التجارة والسوق فإن أعدادها لم تكن تخلو من المقالات التي عبرت عن أفكار التيار الوطني الذي كان يقوده الأفغاني، وساهم أيضًا في تحريرها عدد من تلاميذه مثل: الشيخ محمد عبده، وإبراهيم اللقاني، وعبد الله النديم بالإضافة إلى المقالات التي كان يكتبها الأفغاني بنفسه. ونتيجة لاتباع صحيفة التجارة هذه السياسة تم إغلاقها بأمر من الخديو توفيق في نهاية عام 1879 بعد انقلابه على الحركة الوطنية. ثم أصدر سليم النقاش صحيفة يومية هي المحروسة في 5 يناير 1880، كما أصدر أخرى أسبوعية هي العصر الجديد وشارك في تحرير الصحيفتين عدد كبير من الصحفيين الشوام مثل: أديب إسحق، فضل الله الخوري، وجرجس بن ميخائيل نحاس، ورفائيل الخوري، وأمين البستاني وغيرهم، واستمرت الصحيفتان في الصدور حتى قيام الثورة العرابية.

أيضًا من الصحفيين الشوام الذين هاجروا إلى مصر في نهاية عصر الخديو إسماعيل سليم عنحوري[ix] الذي أصدر صحيفة مرآة الشرق في 24 فبراير 1879، وكانت تصدر مرتين في الأسبوع بتشجيع من الخديو إسماعيل؛ حيث كانت سياستها تلتزم بالدفاع عن تصرفات الخديو ومواقفه، وقد استمر عنحوري في إصدار صحيفته حتى العدد السابع عشر؛ حيث اضطر إلى العودة إلى بلاد الشام تاركًا صحيفته إلى أمين ناصيف اللبناني الذي سرعان ما قام بتغيير سياسة الصحيفة؛ حيث وظفها لخدمة التيار الوطني، وساهم في تحريرها عدد من رموز هذا التيار مثل: جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وإبراهيم اللقاني، واستمرت على هذه السياسة إلى أن لقيت نفس المصير الذي لقيته بقية الصحف التي كانت تعبر عن هذا التيار في ذلك الوقت.

توقفت الموجة الأولى لهجرة الصحفيين الشوام إلى مصر بعزل الخديو إسماعيل عام 1879 وتولي الخديو توفيق الذي انتهج سياسة مناقضة تمامًا، فقد انقلب على الحركة الوطنية وأغلق العديد من الصحف الشامية التي كانت تعبر عنها، وعندما قامت الثورة العرابية عام 1882 شابت الحياة السياسية في مصر حالة من الاضطراب، وانعكست بالضرورة على الهجرة الصحفية الشامية، كما اضطر العديد من الصحفيين الشوام إلى إغلاق صحفهم والعودة إلى بلاد الشام؛ فعلى سبيل المثال أصدر الأخوان تقلا صاحبا الأهرام صحيفة اسمها "الوقت" استمرت حتى الثورة العرابية، فأصدرا بعد ذلك صحيفة الأحوال لكنها ما لبثت أن توقفت بسبب حدوث مذبحة الإسكندرية وهجوم الثائرين على مطبعة الأهرام وإحراقها بسبب مناصرة صاحبيها سليم وبشارة تقلا للخديو، بالإضافة إلى ذلك فقد تعرض الصحفيون الشوام في تلك الفترة للانتقاد الشديد من جانب الصحافة الوطنية المصرية المناصرة للثورة العرابية، وذلك بسبب الموقف المعتدل الذي اتخذته الصحف الشامية في مصر من الثورة، فبعد أن كان الصحفيون الشوام من أشد المدافعين عن الحرية والمعارضين للاستبداد تحولوا فجأة إلى موقف الاعتدال في طلب الحرية، وهو الأمر الذي أثار غضب قادة الثورة لاسيما وأن هذه الصحف كانت في الفترة السابقة للثورة لسان حال الحركة الوطنية في مصر، ونتيجة لذلك استغنى قادة الثورة عن الصحف الشامية واستعاضوا عنها بصحف يصدرها صحفيون مصريون مثل صحيفة المفيد لحسن الشمسي، والطائف لعبد الله النديم، واضطرت الحملة التي شنها الصحفيون المصريون على نظرائهم من الشوام إلى إغلاق صحفهم والعودة إلى بلادهم مرة أخرى[x].

تدفقت الموجة الثانية من الصحفيين الشوام إلى مصر عقب الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، واستمر هذا التدفق حتى نهاية الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، وقد بدأت هذه الموجة بعودة هؤلاء الصحفيين الذين سبق واضطروا إلى إغلاق صحفهم والعودة إلى الشام أثناء أحداث الثورة العرابية، فقد عاد سليم تقلا وبشارة تقلا وأصدرا الأهرام من جديد واضطرا إلى أن يطبعا الصحيفة في مطبعة أخرى بسبب الحريق الذي أصاب مطبعتهما إبان مذبحة الإسكندرية. وفي 29 سبتمبر 1882 نشرت الأهرام صورة للجنرال ولسلي قائد الحملة الإنجليزية على صدر صفحتها الأولى وأبدت ترحيبها الشديد بالإنجليز وهاجمت عرابي، وأعاد الأخوان تقلا بناء مطبعة الأهرام مرة أخرى بعد أن حصلا على تعويض من الحكومة المصرية لحرق المطبعة، واستمرت الأهرام في الصدور بالإسكندرية إلى ما بعد وفاة سليم تقلا عام 1892، وباشر بشارة تقلا إدارة الصحيفة وتحريرها ثم قام بنقل إدارة الأهرام إلى القاهرة لتصدر يوميًّا بعد أن كانت تصدر أسبوعيًّا، كما أصدر صحيفة صدى الأهرام بالإسكندرية لتقوم بنشر الأخبار بين سكانها. وعندما توفي بشارة تقلا عام 1901 خلفه في إدارة الأهرام جبرائيل تقلا، ورغم أن الأهرام رحبت بالاحتلال البريطاني في البداية فإن هذه السياسة لم تستمر فترة طويلة فسرعان ما أخذت الأهرام في معارضة سلطات الاحتلال، ثم استقرت سياسة الأهرام بعد ذلك في الدعوة لأن تكون مصر للمصريين تحت السيادة العثمانية، مع الميل لتأييد السياسة الفرنسية. وقد شارك في تحرير الأهرام عدد كبير من الصحفيين الشوام ومنهم: إسكندر صباغ، وجرجي نصار، وخليل زيدان، ونجيب حداد، ورشيد شميل، وخليل مطران، وأنطون الجميل، ويوسف البستاني، وداود بركات، وغيرهم.

أيضًا من الصحفيين الشوام الذين عادوا إلى مصر عقب الاحتلال البريطاني أمين ناصيف الذي أصدر صحيفة مرآة الشرق مرة أخرى في 14 إبريل 1883، والتي كانت قد توقفت عن الصدور إبان الثورة العرابية، وشاركه في تحريرها نقولا توما، واستمرت الصحيفة في الصدور حتى إبريل 1886. بعد ذلك أصدر ناصيف صحيفة أخرى هي الصادق في 2 سبتمبر 1886 واتسمت سياستها بمعارضتها الشديدة لسلطات الاحتلال البريطاني، واستمرت في الصدور لمدة 4 سنوات ثم احتُجبت نتيجة لمرض صاحبها. عاد أيضًا من سوريا سليم النقاش وأعاد إصدار صحيفة المحروسة عام 1884 واستمرت تصدر أسبوعيًّا حتى وفاة صاحبها في العام نفسه، وتولى إدارة الصحيفة بعد ذلك ابنه خليل النقاش الذي حولها عام 1886 إلى صحيفة يومية، وفي 11 يناير 1909 انتقل امتياز صحيفة المحروسة إلى إلياس زيادة وقام بتحريرها عدد من الصحفيين الشوام مثل: إبراهيم الحوراني، وإدوار مرقص، ومي زيادة (ابنة إلياس زيادة)، وغيرهم.

إلى جانب عودة الصحفيين الشوام الذين هربوا من مصر إبان الثورة العرابية هاجرت إلى مصر أعداد أخرى من الصحفيين الشوام وأصدروا بالقاهرة والإسكندرية صحفًا شامية جديدة، ففي عام 1883 هاجر إلى مصر كل من يعقوب صروف وفارس نمر واصطحبا معهما مجلة المقتطف التي كانا قد أصدراها في بيروت في أول يونية 1876.

تعاقبت بعد ذلك الصحف والمجلات التي أصدرها الصحفيون الشوام المهاجرون إلى مصر مثل: صحيفة القاهرة التي أصدرها سليم فارس بن أحمد فارس الشدياق عام 1885، وصحيفة الحقوق التي أصدرها أمين شميل عام 1886، والتي تُعد أول صحيفة قانونية قضائية في مصر، ومجلة اللطائف التي أصدرها شاهين مكاريوس عام 1886، ومجلة الشفاء التي أصدرها الدكتور شبلي شميل عام 1886، وصحيفة الببغاء التي أصدرها نجيب غرغور عام 1887 بالإسكندرية، ومجلة الراوي التي أصدرها خليل زينية عام 1888، ومجلة الأحكام التي أصدرها نقولا توما عام 1888، وصحيفة المقطم التي أصدرها يعقوب صروف وفارس نمر وشاهين مكاريوس عام 1889، وصحيفة المحاكم التي أصدرها يوسف رصاف عام 1890، وصحيفة صدى الشرق التي أصدرها حبيب فارس اللبناني عام 1891، ومجلة الهلال التي أصدرها جرجي زيدان بالقاهرة عام 1892.



[i]- حسن كامل الموجي، دور الشاميين في الصحافة المصرية 1841 – 1900، ص 1-7.

[ii]- مجلة النحلة الحرة، العدد الأول عام 1871

[iii]- نعمات أحمد عثمان، تاريخ الصحافة السكندرية 1873- 1899، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة. ص  448- 458.

[iv]- نعمات أحمد عثمان، المرجع ذاته 1899، ص  448- 458.

[v]- نعمات أحمد عثمان،المرجع ذاته 1899، ص 449

[vi]-  فاروق أبو زيد، الصحافة العربية المهاجرة، مكتبة مدبولي، القاهرة. ص 42

[vii]- ـــــــــــــــــــــ، المرجع ذاته، ص 42

[viii]- ــــــــــــــــــــ، المرجع ذاته، ص 42 - 43

[ix]- ـــــــــــــــــــ، المرجع ذاته، ص 43

[x]- ــــــــــــــــــ،المرجع ذاته، ص 44 - 45

نشر في فن وثقافة