الأربعاء, 03 شباط/فبراير 2016

"الرواد اللبنانيون في مصر" لكريم مروة

كتبه  "النهار"

ليس غريباً على المفكر كريم مروة أن ينشغل بالمكوّنات والأسس والركائز التي قامت عليها النهضة العربية، ودور اللبنانيين فيها، وخصوصاً في غمرة ما يشهده العالم العربي، ولبنان، من عواصف وأنواء وانتكاسات تهدد المكتسبات النهضوية والحضارية، وتعيد الأمور إلى ما كانت عليه أحوال العرب في عصور التخلف والانحطاط.

كتابه، "الرواد اللبنانيون في مصر في الصحافة والفكر والأدب والفنون"، الصادر عن "الهيئة العامة المصرية للكتاب"، يؤدي وظيفة أساسية نحن في أمسّ الحاجة إلى فاعليتها ورمزيتها على السواء، في زمن القحط الحضاري الذي يجتاح لبنان والمنطقة العربية، وخصوصاً بعد ما آلت إليه الثورات العربية، في ليبيا ومصر وسوريا واليمن، وصعود الحركات الظلامية والتكفيرية، ونشوب الاقتتالات الطائفية والمذهبية والإتنية في أكثر من بلد عربي.

ما معنى أن يلقي كريم مروة الضوء، الآن، على هذه الكوكبة من الرواد اللبنانيين، وما أدخلوه على مصر، وأثاروه من تفاعلات ثقافية وفكرية؟ يعني، في جملة ما يعني، أن الظلام الوجودي لم يكن آنذاك مصيراً حتمياً، وخصوصاً أن يد السلطنة العثمانية التي كانت ثقيلة وسوداء، لم تستطع أن تلجم الرواد اللبنانيين عن التطلع إلى آفاق أخرى، يبثّون من خلالها أفكارهم ومواهبهم وإبداعاتهم المختلفة. وهو يعني أيضاً أن الرواد اللبنانيين الآن، في الفكر والفلسفة والعقلانيات والأدب والفن والسياسة، يجب أن يؤمنوا بأن الظلام الراهن ليس حتمياً، وأنه يمكنهم أن يساهموا في استنهاض المعاني الجوهرية التي قام عليها بلدهم، وفي إعادة الاعتبار إليها، على رغم كل ما يشدّ بلبنان إلى الدرك الظلامي الرهيب، أكان في السياسة أم في المجتمع أم في التناحر المذهبي والطائفي.

ليست عودة كريم مروة إلى الماضي الحضاري القريب، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن اعشرين، عودة انتكاسية أو ماضوية. إنها استلهام لشخصيات الماضي، بما تنطوي عليه من طاقات خلاقة في الميادين كافة، لمساءلة شخصيات الزمن الراهن، وحملها على التأمل في الواقع وفي المصير، والخروج بأفكار ومفاتيح واقتراحات تتيح التحرر من عنق الزجاجة القاتل، بحثاً عن آفاق الأمل والانعقاق والحرية.

في زمن الخوف على المصير، ليس مَن يتمكن من مواجهة الطرق المسدودة أكثر من المثقفين والمفكرين والأدباء. وهذا ما يريده كتاب كريم مروة منهم، بقدر الإضاءة على الرواد السابقين.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة