الخميس, 25 أيلول/سبتمبر 2014

مصر والشام: تاريخ من السكر والشيكولاته

كتبه  هشام السروجي

 

علاقة مصر بالحلويات علاقة تاريخية، وهذا ما يظهر فى الموروث الثقافي المصري، حيث يقول المثل الشعبي الشهير "للي بنى مصر كان فى الأصل حلواني"، ولهذا المثل أصل تاريخي، نسبةً إلى جوهر الصقلي باني القاهرة فترة حكم الدولة الفاطمية، وتقول الروايات أن جوهر كان يعمل حلوانياً في"صقلية"، ثم اشتراه الخليفة المنصور بالله كمملوك.

وبرغم براعة الصقلي فى العسكرية وتقلده أرفع المناصب، إلا أن ولعه بصناعة الحلوى لم ينتهي، فهو الذي أدخل صناعة "الكنافة والقطايف" إلى مصر، والتي أصبحت جزءاً من الموروث الثقافي المصري المرتبط بشهر رمضان، وذلك يعود إلى أن جنود الدولة الفاطمية، كانوا يوزعون الحلوى على المصريين فى ذلك الشهر، عند أحد أشهر أبواب القاهرة المُسمى على إسم جوهر الصقلي، ومن هنا أطلق عليه إسم "بوابة الحلواني" نسبة إلى مهنة بانيها الأصلية، وكذلك إلى توزيع الحلوى على المصريين.

وأستمر إرتباط المصريين بالحلويات حتى شهدت تلك الصناعة طفرة، بعد أن قام أهل الشام من سوريا ولبنان، بتحديث وتطوير تلك الصناعة الرائجة، ففي أواخر القرن الـ18 كانت مصر قبلة للتجارة والصناعة فى المنطقة العربية، إن لم تكن في العالم أجمع، فقد إستقر بها رجال الأعمال والصناع والحرفيين من الفرنسيين والإيطاليين واليونانيين والشوام، وكلٌ برع فى مهنته وتخصصه، وكان من أشهر صناع الحلويات فى تلك الفترة هم الفرنسيين والشوام، إلا أن الفرنسيين كانت صناعتهم مقتصرة على الطبقة الأرستقراطية من الباشوات والأمراء وكبار رجال الأعمال، فى حين أن الحلويات اللبنانية والسورية ، كانت تحظى بالرواج فى طبقة عريضه من الشعب المصرى من الموظفين والعمال المتوسطين الدخل والفقراء، لذا فقد شهدت الحلويات الشاميه سوق واسع ورواج كبير عن منافستها من الحلوى الفرنسية.

وانتشرت المحال المملوكه للشوام فى الأسواق المصرية القديمة، وكانت المهنة فى ذلك الوقت مقتصرة على الشوام، حالها حال باقي الصناعات التى كانت حكر على طائفة أو جنس بعينه، مثل إحتكار البوفيهات والبارات على اليونايين، والفندقة على الإيطاليين، وتصليح الساعات على اليهود وهكذا.

يقول الحاج محمود صاحب محلات حلوانى "الحلمية"، أن أشهر صناع المهنة حتى مطلع القرن الحالي، كانوا من الشوام المنتشرين فى ربوع مصر، وقد تخرج من تحت أيديهم أغلب مشاهير صناعة الحلوى وأصحاب المحال الكبرى فى مصر، ومن أشهر المناطق التى مارس فيها الشوام مهنة صناعة الحلويات، باب الشعرية والموسكى فى القاهرة وكذلك محافظة الإسكندرية، وأضاف أنه ينسب إليهم العديد من أنواع الحلوى المعروفة فى مصر، مثل أصابع زينب والبسبوسة والكنافة بأنواعها.

كنفانى

ومن جهة أخرى فقد أرّخت الدراما المصرية، لتلك المهنة وإرتباطها بأهل الشام ،حيث ترسخت تلك الصورة فى وجدان المصريين، وهو ما تجسد فى شخصية "معلوف، ناصح وليمون" الحلوانى الشامي، وهى الشخصيات التى جسدها الممثل إلياس مؤدب،  الذى ولد فى مصر من أب سورى وأم مصرية، لذا فقد أجاد اللهجة السورية واللبنانية وأداهما بإتقان، أمام أسطورة الكوميديا الكلاسيكية إسماعيل ياسين فى العديد من الأعمال السينمائية،منها (مصري فى لبنان ،حلال عليك وبيت النتاش) وغيرهم، مما جسد فيهم "مؤدب" شخصية الحلوني الشامي.

إلياس مؤدب

ومع الوقت أتحذت الحلوى الشامية طريقها إلى أذواق النخبه من الطبقة الراقية، بعد أن أفتتح "نزار شقير" فروع لشركته "باتشي" فى مصر، والتى تميزت عن مثيلتها من كبار الشركات العالمية، وأصبحت رمزاً للشيكولاته الراقيه الصنع صاحبة الطعم المميز، والتى تنتشر فروعها حول العالم. ولشقير أيضاً قصة مثيرة مع الحلوى.

عندما كان طفل في محل خاله المتواضع في قلب بيروت قبل أكثر من أربعة عقود، لم يكن يدري أن غرامه بطعم بالحلوى، سيكون حدثاً مفصليّاً فى حياته يؤسس على أثره، أكبر إمبراطورية فى عالم الشيوكولاتة تعرف باسم "باتشي". شقير ، الذي أسره طعم الكاكاو منذ الصغر فظل متعلقاً به، وما أن كبر كسر أفق المتوقع بتأسيسه مشروع نافس خلاله كبرى شركات الشوكولاتة البلجيكية والسويسرية.
منذ عمر العاشرة، كان يهرب من المدرسة لمساعدة خاله في بيروت على تصنيع الشوكولاتة في محله المتواضع، ولم يكن ليعلم أن ولعه بطعم الشوكولاته سيجعل منه أحد أهم مصنّعيها.


شقير من مواليد بيروت، سافر في الـ 18 من عمره إلى الكويت، وعمل هناك في شركة لتصنيع الغاز، ثم عاد إلى لبنان ليبدأ بمهنة أسس عبرها «باتشي»، التي لاقت نجاحاً كبيراً بعد افتتاح محله بمساعدة أربعة من الموظفين، حيث كان يفتتح فرعاً جديداً كل ستة أشهر، لتصل عدد محال باتشي في العالم إلى 150 فرعاً.


حصل على منحة من مصرف لبنان لقرض ميسر من دون فوائد اشترى عبره آلات حديثة للمصنع الذي أنشأه العام 1990، موسعاً مجاله في العمل بالمصانع التي افتتح فروعها في كل من مصر وسوريا والسعودية وعمان والإمارات، وحالياً يدير فروع باتشي المختلفة نزار شقير وأبناؤه الثلاثة من لبنان، قد أفتتح "باتشى" فى مصر 6 فروع حتى الأن.


وعن سبب التسمية يقول شقير فى أحد التقارير الإعلامية، أن الإسم لمع في ذهنه وهو جالس في يوم ما بانتظار طائرته المتوجهة إلى لبنان، حيث شاهد إعلاناً لطيفاً كتب عليه «باتشي» وتعني قبلة باللغة الإيطالية، ومع القليل من التحريف اتخذ من الاسم علامة تجارية تعرف باسم "باتشى".

 

cover patchi

chocolat pachi  12

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة