×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الأربعاء, 11 أيار 2016

جورجي زيدان: حلم في بيروت وأنجز في القاهرة

كتبه  موقع المعرفة

تعد حياة جورجي زيدان نموذجاً للعصاميّ الذي شق حياته وسط طريق ملبّدة بالغيوم مليئة بالثغرات، فاجتاز ذلك بالهمة العالية والإرادة الصلبة.

ولد جورجي زيدان في بيروت في 14 كانون الأول ديسمبر من العام 1861 لأسرة مسيحية فقيرة، كان عائلها رجلاً أميّاً يملك مطعماً صغيراً، وكان يتردد عليه طائفة من رجال الأدب واللغة، وطلاب الكلية الأميركية.

ولمّا بلغ زيدان الخامسة من عمره، أرسله والده إلى مدرسة متواضعة ليتعلم القراءة والكتابة والحساب، حتى يستطيع مساعدته في إدارة المطعم وضبط حساباته، ثم التحق بمدرسة "الشوام" فتعلم فيها اللغة الفرنسية، ثم تركها بعد فترة والتحق بمدرسة مسائية تعلّم فيها الإنجليزية.

لم ينتظم جورجي في المدارس، فتركها وعمل في مطعم والده، غير أن والدته لم تُرد له العمل في المطعم، فاتجه إلى تعلّم صناعة الأحذية وهو في الثانية عشرة ومارسها عامين حتى أوشك على إتقانها لكنه تركها، لعدم ملاءمتها لصحته.

ولم تشغله هذه الأعمال عن القراءة والاطلاع، فقد كان يبدي منذ صغره ميلاً قوياً إلى المعرفة، وشغفاً بالأدب على وجه الخصوص، وتوثّقت صلته بعدد كبير من المتخرجين في الكلية الأميركية، ورجال الصحافة وأهل اللغة والأدب من أمثال يعقوب صروف، فارس نمر، سليم البستاني وغيرهم، وكان هؤلاء يدعونه إلى المشاركة في احتفالات الكلية، فهفّت نفسه إلى الالتحاق بها مهما كلفه الأمر، أو بذل من جهد ومشقة، فترك العمل نهائياً العام 1881 وانكب على التحصيل والمطالعة، راغباً في الالتحاق بمدرسة الطب، فتحقق له ذلك بعد اجتيازه اختباراً في بعض المواد العلمية عكف على تعلمها ثلاثة أشهر، وبعد أن أمضى في مدرسة الطب عاماً كاملاً تركها إلى مدرسة الصيدلة.

الهجرة إلى القاهرة

اعتزم زيدان الهجرة إلى القاهرة ليُتم بها دراسة الطب، ولم يكن معه ما يكفي نفقات السفر، فاقترض من جار له في بيروت ستة جنيهات على أن يردها إليه حينما تتيسر له الأحوال، ولما نزل القاهرة في العام 1883، صرف عزمه عن الالتحاق بمدرسة الطب لطول مدة الدراسة، وأخذ يبحث عن عمل يتفق مع ميوله، فعمل محرراً في صحيفة "الزمان" اليومية التي كان يملكها ويديرها رجل أرمني الأصل يدعى علكسان صرافيان.

وكانت صحيفة "الزمان" الجريدة اليومية الوحيدة في القاهرة بعد أن عطّل الاحتلال الإنجليزي صحافة ذلك العهد، وبعد نحو عام عُيّن مترجماً في مكتب المخابرات البريطانية في القاهرة العام 1884، ورافق الحملة الإنجليزية التي توجهت إلى السودان لإنقاذ القائد الإنجليزي غوردون من حصار المهدي وجيوشه، ودامت رحلته في السودان عشرة أشهر عاد بعدها إلى بيروت في العام 1885.

العودة إلى بيروت

وفي بيروت انضم إلى المجمع العلمي الشرقي الذي أنشئ في العام 1882 للبحث في العلوم والصناعات، والإفادة منها بما يعود على البلاد بالنفع والخير، وتعلم اللغتين العبرية والسريانية، وهو ما مكّنه من تأليف أول كتبه "فلسفة اللغة العربية" العام 1886، وهو يعدّ أول جهد واضح بُذِل في تطبيق مبادئ فقه اللغة المقارن على اللغة العربية، وإن كان غير عميق التناول، وهو ما جعله يعيد فيه النظر مرة أخرى، ويعود إليه منقحاً ومعدلاً في طبعة جديدة أصدرها بعد ذلك في 1904 بعنوان "تاريخ اللغة العربية"، بعدها زار زيدان لندن، وتردد على مكتباتها ومتاحفها، ومجامعها العلمية، ثم عاد إلى القاهرة.

الاستقرار في القاهرة

استقر زيدان بالقاهرة، وتولى عقب عودته من لندن إدارة مجلة "المقتطف"، وظلّ فيها عاماً ونصف العام، وقد قدم استقالته من المجلة العام 1888، ليعمل مدرّساً للغة العربية في المدرسة "العبيدية الكبرى" لمدة عامين، ثم تركها ليشترك مع نجيب متري في إنشاء مطبعة، ولم تستمر الشركة بينهما سوى عام، انفضت بعده واحتفظ زيدان بالمطبعة لنفسه، وأسماها مطبعة "الهلال"، فين حين قام نجيب متري بإنشاء مطبعة مستقلة باسم مطبعة "المعارف"، ثم أصدر زيدان بعدها مجلة "الهلال"، وكان يقوم بتحريرها بنفسه، إلى أن كبر ولده إميل وصار مساعده في تحريرها.

نشاطه الفكري

كان زيدان متمكّناً من اللغتين الإنجليزية والفرنسية إلى جانب اللغة العربية، واسع الاطلاع بهما، وبخاصة في ما يتصل بالتاريخ والأدب العربيين، واتجهت مؤلفاته الأولى نحو هذا المضمار، وإن مالت نحو الدراسات التاريخية، فأصدر في العام 1889 كتاب "تاريخ مصر الحديثة" في مجلدين، و"تاريخ الماسونية والتاريخ العام"، وهو موجز في تاريخ قارتي آسيا وأفريقيا، ثم توالت كتبه: تاريخ إنجلترا، تاريخ اليونان والرومان، جغرافية مصر وطبقات الأمم وغيرها، غير أن هذه الكتب لم تلفت إليه الأنظار، ولم تلق نجاحاً يذكر، إلى أن أنشأ مجلة "الهلال" التي ارتبطت حياته بها ارتباطاً وثيقاً.

وفاته

كان زيدان يعمل بانتظام شديد، وبعزيمة قوية، ينكبّ على القراءة والتدوين، وافته المنية وهو بين كتبه وأوراقه في مساء يوم الثلاثاء الموافق 21 من يوليو 1914، وقد رثاه كبار الشعراء من أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران بقصائد مبكية.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

Threesome