×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الثلاثاء, 17 أيار 2016

كلوفيس مقصود: قطوف من حياته

كتبه  صقر أبو فخر - السفير

كلوفيس مقصود طراز نادر يكاد يندثر من المثقفين العرب. فهو كاتب ومفكر وصحافي وديبلوماسي وأستاذ جامعي وسياسي معاً، وقد جعل خبراته كلها في خدمة الفكر القومي العربي وقضية فلسطين. والمقصود بعبارة «طراز نادر» أن ثمة عناصر كثيرة ساهمت في تشكيل شخصيته ووعيه السياسي قلما توافرت لغيره. فهو ماروني، ووالدته أرثوذكسية، ونشأ في بيئة درزية، وتزوج سُنّية. فليس غريباً بعد هذا كله، بل قبل ذلك، أن ينتمي إلى الفكر القومي التقدمي. والمعروف أن كلوفيس مقصود تأثر بوالدته الأرثوذكسية التي كانت تردد دائماً عبارة «نحن عرب»، كما تأثر بخاله جورج حنا اليساري وأحد مؤسسي الحزب التقدمي الاشتراكي. ولعل شدة التزامه الفكر القومي دفعه، في إحدى المراحل، إلى التفكير في الاستقالة من الحزب التقدمي الاشتراكي والانضمام إلى حزب البعث. وكان ميشال عفلق وصلاح البيطار يرتادان مقهى مسعود في باب إدريس، بينما يرتاد أكرم الحوراني باتيسيري سويس مقابل الكاتدرائية الكبوشية في باب إدريس أيضاً. وكان كلوفيس يسعى بين مسعود وسويس مثل سعي إسماعيل بين الصفا والمروة. لكن ميشال عفلق قال له، ولجبران مجدلاني وموريس صقر، إن الأفضل هو البقاء في الحزب التقدمي الاشتراكي لتعميق عروبته. وفي ما بعد لم يلبث أن التحق مجدلاني وصقر بحزب البعث، أما كلوفيس مقصود فاستقال من حزبه من دون أن ينضم إلى البعث.

اشتهر كلوفيس مقصود بثقافته الواسعة، وكثيراً ما كان يستطرد في شرح موضوعاته ويطيل. وفي اجتماع لمجلس السفراء العرب في الهند راح السكرتير الأول للسفارة اللبنانية يدوّن كل شاردة وواردة في الاجتماع. وفي أثناء النقاش صدرت عبارة عن كلوفيس، فسأل السكرتير الشاعر السوري الكبير عمر أبو ريشة الجالس إلى جانبه عن معنى تلك العبارة. فرد عليه أبو ريشة بالصوت العالي: بعرضك، لا تسأله كي لا يعيد الشرح مجدداً. وكانت إحدى الصحف الأميركية قد كتبت عن عمر أبو ريشة غداة تقديم أوراق اعتماده للرئيس جون كينيدي: «السفير الذي رقّص الرئيس». فحين جلس الرئيس الأميركي إلى السفير الجديد، وكان الوقت المخصص عشر دقائق فقط، سأله: أين خدمت قبل واشنطن؟ فأجابه أبو ريشة: في الهند. ولما سأله كينيدي عن تلك البلاد راح عمر أبو ريشة، بإنكليزية رفيعة، يحدثه عن الهند ودياناتها وثقافاتها، ويُسمعه أشعاراً عذبة. وطال اللقاء كثيراً، وصار مسؤول التشريفات يشير إلى الرئيس كينيدي مذكراً إياه بالوقت، وإلى أن هناك سفراء ينتظرون دورهم، فكان كينيدي يصرفه بإشارة من إصبع يده. وأخيراً، بعد ساعة من الزمن، خرج كينيدي يودع عمر أبو ريشة، والتقط المصورون صورته وهو يتمايل بينما كان «أبو شافع» ما زال يقرأ له شعراً صافياً.

عمر أبو ريشة، صديق لكلوفيس مقصود، هو السفير الذي رقّص الرئيس. أما كلوفيس مقصود فهو السفير الذي كانت الكلمات تتراقص بين أصابعه وتخرج كالشعر إما إلى الورق، أو إلى المنبر. ومن باب الموازنة فقط، فإن إدوارد سعيد، صديق كلوفيس أيضاً، قاسى كثيراً تنافر اسمه الإنكليزي وعائلته العربية، وعاش منشطر الهوية في القاهرة بين جنسيته الأميركية ومحيطه العربي، وكان انشطار الهوية ذاك عنصراً من عناصر معاناته وإبداعه.

وكلوفيس مقصود، مثل إدوارد سعيد، كان اسمه الأول يتنافر مع اسم عائلته، حتى أن زعيم المسلمين في بورما (ميانمار) حين سأله عن قبيلته لم يتردد في القول: «من بني مقصود». لكن كلوفيس مقصود حوّل اسمه إلى نوادر ضاحكة. فحين زارته أم كلثوم مع إحسان عبد القدوس في منزله في القاهرة، قدّمه إليها صديقه إحسان فقالت: «تشرفنا يا كلوفيس. ده اسمك الفني، واسمك الحقيقي إيه؟». وفي سنة 1957 كتب رسالة احتجاجية على محاكمات الإخوان المسلمين في مصر، فوصلته دعوة من الوزير ورئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم» كمال رفعت. فسافر إلى القاهرة، واصطحبه كمال رفعت إلى منزل عبد الناصر في منشية البكري، وإذا بالرئيس يستقبله على الفور قائلاً: «عامل شيخ عروبة واسمك كلافيس. ما تغيَّر اسمك يا خوي». فرد كلوفيس بالقول: «سيادة الرئيس اقترح عليّ اسماً بديلاً». فقال عبد الناصر: قحطان مثلاً. فأردف كلوفيس: «ما في عندك شي اسم بين بين».

يروي كلوفيس مقصود في مذكراته (من زوايا الذاكرة، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2014) أنه دعا أنورين بيفان زعيم التيار اليساري في حزب العمال البريطاني إلى زيارة لبنان ولقاء كمال جنبلاط. وحين وصل بيفان إلى لبنان رافقه إلى بلدة المختارة، وهناك أُعدّ له استقبال شعبي، وكان مشايخ الدين الدروز، كالعادة، في مقدم المستقبلين. وبينما كان الضيف يسلّم على مستقبليه التفت إلى كلوفيس قائلاً له: لم أعرف أن أعضاء حزبكم لديهم لباس خاص. وفي مدينة نيويورك اصطحب كلوفيس المطربة فيروز لتناول الإفطار في منزل غسان تويني. وهناك تمنى عليها أن ترتل لهم «أنا الأم الحزينة» التي تُرتل في الكنائس في الجمعة العظيمة (صلب المسيح)، فاعتذرت. عند ذلك هددها بأنه سيغني بدلاً منها، وراح يغني بالفعل، الأمر الذي جعل فيروز تستجيب ببعض الدندنات لتتخلص من غنائه.

خلافاً لكثير من المعلومات الشائعة عن ولادته في الشويفات (وأحياناً في وادي شحرور)، فقد وُلد كلوفيس مقصود في مدينة برستو الأميركية التابعة لولاية أوكلاهوما في 17/12/1926. وفي سنة 1930 عاد مع والدته إلى لبنان، بينما بقي والده في أوكلاهوما. وحين وُلد سألت والدته والده: شو إجانا؟ فأجابها: صبي بشع بس مهيوب. ومهيوب ربما من الهيبة، مع أنها تعني بالعامية جميل الطلعة. هكذا يقص كلوفيس مقصود حكاية ميلاده. ومهما يكن الأمر، فقد كسب هيبة علمية حقيقية وهالتين: هالة المفكر، وهالة مالك سلام التي تزوجها في سنة 1974. وفي مرحلة الشباب تعرّف إلى القومية العربية على يدي خاله جورج حنا، وفي سنة 1951 انضم إلى الحزب التقدمي الاشتراكي خصوصاً حين وجد كمال جنبلاط يستقبله في ميناء بيروت فور عودته إلى لبنان من أميركا. لكن، في سنة 1956 وقع تباين في الرأي مع كمال جنبلاط في شأن تأميم قناة السويس، فكمال جنبلاط اعتبر قرار التأميم تسرعاً فيما رأى فيه كلوفيس مقصود محاولة لتحرير مصر من الهيمنة الاستعمارية. وقد تحمس كثيراً لجمال عبد الناصر وسياسته، فاقترحه عبد الناصر سفيراً لجامعة الدول العربية إلى الهند في سنة 1961. ومنذ ذلك التاريخ وهو يتنقل بين الصحافة (عمل في الأهرام من 1967 حتى 1974 وفي النهار من 1974 حتى 1979) والديبلوماسية والتدريس الجامعي. وفي أثناء عمله سفيراً لجامعة الدول العربية في واشنطن (1979 ـ 1990) كان من أبرز المدافعين عن قضية فلسطين في الولايات المتحدة الأميركية. وبرحيل كلوفيس مقصود يُطوى علم كبير من أعلام النصف الثاني من القرن المنصرم، ظل خفاقاً في العالم كله ولا سيما في أميركا. وأخال أن من الصعب اليوم العثور على مثيل لكلوفيس مقصود في علمه وثقافته وقوة حججه وظرفه. إنه خسارة لا تعوّض.

نعى الدكتور وجيه فانوس رئيس ندوة العمل الوطني الدكتور كلوفيس مقصود والدكتور محمد المجذوب، ووصفهما بأنهما من كبار رجال العروبة والفكر والأخلاق والقانون، والصديقان المخلصان للدكتور سليم الحص ولأعضاء الندوة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة