الجمعة, 06 أيار 2016

نعوم شبيب..رائد العمارة الحديثة في مصر

كتبه  إسلام حجازي

بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على رحيله، تحاول "صلة" إلقاء الضّوء على مسيرة واحد من روّاد العمارة الحديثة في مصر، والذي كان من أهم المهندسين الذين سبقوا عصرهم في مجال العمران، ونادوا بتحرّر علم وفن العمارة المصرية من القيود التقليدية والاتجاه بها نحو مزيد من خطوات الحداثة، مع أنه ولد في عصرٍ لم تكن فيه الأساليب المعمارية والإنشائية الحديثة قد لاقت رواجاً في مصر بصفة خاصة، وفي منطقتنا العربية على وجه العموم، لاسيما في مجالات تشييد الأبنية غير التقليدية الضخمة وناطحات السحاب، لكنه استطاع أن يكون المؤسس للكثير من تلك الأعمال، ونقلها بصورة جمالية فريدة في أحياء القاهرة الكبرى، وظل يبتكر طوال حياته المهنية، ويوائم في مشاريعه الهندسية بين التقنيات الانشائية الحديثة والظروف البيئية المحيطة بها، إنه رائد العمارة الحديثة في مصر المهندس نعوم شبيب.

 

حياته وفلسفته المعمارية

وُلد نعوم شبيب في 28 نوفمبر 1915، ويُعتبر واحداً من أشهر المعمارين المصريين في عصره، ويُرجّح بعض الباحثين أنه من أصولٍ لبنانية من الجيل الثاني، وقد حصل على بكالوريوس في الهندسة المعمارية مع مرتبة الشرف من كلية الهندسة في جامعة فؤاد الأول العام 1937، والتي تم تغيير اسمها في ما بعد إلي جامعة القاهرة، ثمّ حصل على درجة الماجستير في الهندسة وميكانيا التربة من جامعة القاهرة العام 1954، وتبعه بماجستير آخر في الهندسة الإنشائية من الجامعة نفسها العام 1956.

وفي بداية السبعينيات، انتقل شبيب إلى كندا برفقة زوجته وأولاده الأربعة، حيث عمل فيها كمهندس إنشاءات لشركة "SNC" للمشورة الهندسية بين عامي 1974 و1977، مستخدماً كفاءاته في إنشاء القباب الرقيقة من الخرسانة سابقة التجهيز.

ومن بين المشاريع التى قام بها في كندا، تصميم مبنى المركز النووي في مدينة جانتيي، وظل  متواجداً في كندا حتى وفاته في 13 مايو 1985 في مدينة مونتريال.

وبين عامي 1941 و1970، أدار شبيب شركته الخاصة والكائنة في 13 شارع جامع شركس في منطقة باب اللوق في القاهرة، وهو الشارع الذي يحمل اسم "صبري أبو علم" حالياً.

وقد ضمّت هذه الشركة حوالي خمسة عشر موظفاً، وفي أوقات معينة وصل إجمالي عدد العاملين في جميع مواقع الأشغال التي تتم تحت إشراف هذه الشركة لأكثر من ألف عامل.

وكان شبيب معروفاً في الوسط المهني بكفاءته ونزاهته في أعمال العمارة والهندسة الإنشائية والمقاولات، ونجح في إنشاء عدد كبير من المشاريع التجارية والسكنية في مختلف أحياء القاهرة، وذلك من خلال استخدام تقنيات معمارية وإنشائية مبتكرة، تجازوت العصر الذي عمل فيه وظلّ معظمها شاهداً على عظمة هذا الرجل، ودوره في تطوير علم وفن العمارة الحديثة في مصر.

كان المهندس شبيب صاحب فلسفة متميزة في الهندسة المعمارية والانشائية، لا تنظر إلى المبنى بمعزل عن محيطه الذي يتواجد فيه، وإنما تتعامل معه في إطار القوى والقيود والطاقات المرتبطة به، حيث كان من أهم المؤمنين بوجود ارتباط وثيق بين المواد والطاقة والإنسان والمجتمع، وكان يرى أنه كلما زاد الترابط والتكامل بين هذه العناصر الأريعة، زاد نجاح العمل وتحقق له التميّز والاتساق.

 

وليس من قبيل الصدفة أن شبيب أراد أن يعمل في نفس الوقت مهندساً معمارياً ومهندس إنشاءات ومقاولاً، حيث كان يتعامل مع الشكل الجمالي والهيكل وأعمال البناء كعناصر مترابطة ومتكاملة مع بعضها البعض، وأراد أن يستغلّ مهاراته وخبراته المهنية في هذه المجالات الثلاثة بشكل مترابط، يساعد في تشييد مجموعة من المباني التي تؤدي وظيفتها على أفضل نحو ممكن، ويعمل على إيجاد مساحات تكون المعيشة فيها مناسبة ومريحة.

2

 

ابتكاراته المعمارية والانشائية

كانت تغطية الأسقف الخرسانية تمثّل تحديّاَ تقنياً كبيراَ في ذلك الوقت، حيث كان عليها أن تغطي مساحات شاسعة تصل لـ 800 متر مربع في بعض الأحيان.

ومن أجل التغلّب على هذه الإشكالية، اخترع شبيب طريقة تنفيذ فريدة لها، وذلك عن طريق تشكيل قالب على الأرض من الطين على هيئة قبّة، وتسليحها بقضبان من الصلب، ثم صبّ طبقة رقيقة من الخرسانة المسلحة عليها حتى تأخذ شكل القالب وتغطي قضبان التسليح، وبعد تماسك الخرسانة يتم رفعها بالروافع لتوضع في مكانها على ارتفاعات وصلت إلى 12 متر، وقد قام بتسجيل براءة اختراع لهذه التقنية في التنفيذ تحت اسم أقواس شبيب "Voûtes Chebib"، وتم استخدام هذه الطريقة في تنفيذ عدد من المشاريع مثل دار سينما ومسرح علي بابا، ومبني كايرو موتورز، وكنيستي سانت تريز في بورسعيد، وسانت كاترين في منطقة مصر الجديدة.  

3

 

بعض المباني التي تمّت باستخدام تقنية "أقواس شبيب" في مصر

لم تكن تقنية "أقواس شبيب" هي الابتكار الوحيد لشبيب، حيث ابتكر نوعاً خاصاً من الأساس، يصلح للاستخدام في التربة غير القادرة على تحمل الأحمال المركّزة، وذلك من خلال تصميم قواعد إنشائية جديدة وفريدة من نوعها في ذلك الوقت، تعمل على توزيع الأحمال على أكبر قدر ممكن من سطح الأرض عن طريق زيادة عدد نقاط الاتصال بين القواعد والأرض، وذلك من خلال العمل على بناء محموعة من القواعد الطائرة على قطع مكافئ من الخرسانة المسلحة الرقيقة بارتفاع متر تقريباً.

كما ابتكر شبيب نوعاً من الركائز المزوّدة بذراع شديد التحمل لاستخدامه في التسوية الدنيا، وهذه النوعية من الركائز كانت تسمح ببناء أساسات متينة باستخدام وسائل بسيطة.

حكايات أول ناطحات سحاب في سماء القاهرة

4

في العام  1954، قام شبيب ببناء أول ناطحة سحاب في سماء القاهرة، وتم اختيار شارع رشدي في وسط المدينة ليكون شاهداً على هذا الإنجاز العظيم في وقته، والذي عرف باسم برج راديو.

تكوّن هذا البناء من 22 طابقاً وبلغ طوله 76 متراً، وقد تم تغطية واجهتين اثنتين من الواجهات الأربعة الخاصة بهذا البناء بحائط رقيق ومميز من تعريشات خرسانية، تبدو وكأنها مشربيات مصنوعة على الطراز الإسلامي القديم، بغرض تظليل الحائط الذي يوجد خلفها وحمايته من سخونة أشعة الشمس في بلد حار مثل مصر.

وكان شبيب هو المهندس المعماري ومهندس الانشاءات والمقاول لهذا البناء السكني، والذي تم تشييده من خلال استخدام أحدث التقنيات الانشائية المتواجدة في ذلك الوقت، حيث تم استخدام أعمدة وعوارض خشبية وبلاط مصنوع من الخرسانة المسلحة، ووضعت قوالب الطوب بين الحوائط المحيطية، وبعد ذلك تم تغطيتها بمونة من الإسمنت الخشن.

لم يكن هذا البناء هو الإنجاز الوحيد للمهندس العبقري شبيب في مجال ناطحات السحاب، حيث بدأ العمل في العام 1955 لبناء ثاني ناطحة سحاب تُسجل في سيرته الذاتية المتميزة، وانتهى من تشييدها بالكامل في العام 1958، وكانت هذه العمارة مملوكة لسمير زلزل وحرم ثابت ثابت، وتكونت من 31 دوراً، كل دور فيهم كان به شقتين، إيجار الشقة الواحدة منهم كان 30 جنيه، وكان هذا المبلغ كبيراً ويوازي راتب موظف كبير في الحكومة آنذاك.

وقد تواجدت هذه العمارة على كورنيش النيل في منطقة "غاردن سيتي"، والتي تعد واحدة من أرقى أحياء العاصمة المصرية، وكلّف بناؤها حوالي 300 ألف جنيه في ذلك الوقت، وقد اعتاد سكان المنطقة على تسمية هذا البناء باسم عمارة "بلومنت" نسبة إلى إحدى الإعلانات التجارية الكبيرة لنوع من السجائر يحمل نفس الاسم، والذي تم وضعه عليها.

5

عمارة بلومنت وأخبارها تتصدر الصحف في الخمسينيات

ومن الطريف أنه في سنة ما، تعرضت هذه العمارة لحريق في إحدى أدوارها العلوية، ووقتها أكدت قوات الدفاع المدني أنها عاجزة عن إنقاذ سكان العمارة، لأنها لا تمتلك سلالم ومعدات بهذا الارتفاع، كما اعترض بعض المسؤولين عن مرافق المياه على إنشاء هذه العمارة لأنهم لا يمتلكون أجهزة تسمح لهم بضخ المياه وتوصيلها إلى الأدوار العليا.

ومن ناحية أخرى، أبدى بعض المعماريين آنذاك، ومنهم المعماري الشهير ميشيل باخوم، تحفّظهم على هذا التصميم الهندسي وحذّروا السكان من التعرّض لأخطار الزلازل وتأثيرات الرياح على العمارة، إلا أن ذلك لم يمنع الناس من الإقبال على السكن في هذه العمارة، وكان من أشهر سكانها الفنان محمد فوزي.

وعلى الرغم من كل هذه المخاوف والتحذيرات التي سادت أثناء تشييد هذه العمارة، مازالت هذه العمارة قائمة في مكانها على شارع كورنيش النيل في حي "غاردن سيتي".

 

برج القاهرة .. أشهر معالم مصر الحديثة

13276620264511

يذهب الكثيرون منا إلى برج القاهرة الذي يعد واحداً من أهم معالم التاريخ الحديث في مصر، بل ويعتبره البعض المعلم الثاني الأكثر شهرة بعد أهرامات الجيزة، للاستمتاع برؤية بانورامية رائعة ومشاهدة أدق تفاصيل ومعالم مدينة القاهرة الشهيرة من خلال النظّارة المكبرة المثبتة في أعلى البرج.

وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول إن عدداً قليلاً فقط من المواطنين يعرف قصة بناء هذا البرج والمهندس الذي قام بتصميه وأشرف على تنفيذه. وفي العام 1954، كان شبيب هو المهندس المعماري والإنشائي الوحيد الذي قام بتشييد ناطحات سحاب في مصر، وقد اختارته الحكومة المصرية لكي يقوم بتصميم وتشييد برج يرمز إلى عظمة مصر الحديثة، ويكون شاهداً على محاولة رشوة الرئيس جمال عبد الناصر من قبل الولايات المتحدة، حيث تعود قصة إنشاء وتمويل البرج إلى اقتراح من وكالة المخابرت الأميركية لحكومتها بمنح الرئيس المصري مبلغ 3 ملايين دولار، بهدف تحييده عن موقفه المؤيد للقضية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي. وقد شعر عبد الناصر بالإهانة من جراء محاولة رشوته، فقبل الأموال ولم يوقف دعمه للجزائريين في نفس الوقت، وقرر توبيخ أميركا على تصرفها بشكل علني وفضحها أمام التاريخ، وأمر بتحويل مجمل هذه الأموال لبناء برج يكون شاهداً على رشوة أميركا وكرامة المصريين، ولذلك سُمي البرج عند الأمريكان بـ"شوكة عبد الناصر"، وأطلق عليه المصريون "وقف روزفلت".

بدأت أعمال تشييد البرج في العام 1954، ولكنها توقّفت لمدة ثلاث سنوات تقريباً، بين عامي 1956 و1959، بسبب العدوان الثلاثي على مصر إثر قيام عبد الناصر بتأميم قناة السويس.

وتم الافتتاح الرسمي له في 11 أبريل من العام 1961، وقد وقع الاختيار على منطقة حي "الجزيرة" بوسط القاهرة لتكون مكاناً لبناء هذا البرج، والذي بلغ طوله 187 متراً، ونصف قطره 14 متراً، فكان برج القاهرة في وقت تشييده أعلى من هرم خوفو الأكبر بحوالي 43 متراً، وظلّ أطول مبنى في مصر وشمال إفريقيا لنحو 50 عاماً، وأطول مبنى في إفريقيا لمدة 10 أعوام حتى العام 1971، عندما تم تجاوزه من قبل برج "هيلبرو" في جنوب إفريقيا.

وقد تطلّب إنشاء البرج براعة معمارية وإنشائية كبيرة في سبيل إعطاء مظهر جمالي خفيف لمبنى طويل القامة مع الاحتفاظ بصلابته وثباته على مدار الزمن، حيث تكوّن البرج من نصاب مركزي من الخرسانة المسلحة، تحيط به أربعة أعمدة، ومن مجموعة منصات مركبة واحدة فوق الأخرى على ارتفاع البرج، وتساند هذه المنصات الغلاف الخارجي للبرج، والذي يأخذ شكل متوازيات أضلاع من الخرسانة المسلحة، ويزيد حجم متوازيات الأضلاع تدريجياً، بدءاً بأسفل البرج، مما يعطي إيحاءً بحركة انسيابية صاعدة كلما نظرنا إلى أعلى البرج، ثم تأتي هذه الخطوط المتداخلة على طول البرج لتتفتح بقمّته في شكل زهرة اللوتس الفرعونية.

وقد تم اختيار الغرانيت الوردي اللامع القادم من مدينة أسوان لقاعدة البرج وسلّمه الرئيسي.

مبنى جريدة "الأهرام" الجديد

7

في بداية العام 1962، اختارت إدارة جريدة "الأهرام" المصرية شبيب ليكون المهندس المعماري ومهندس الانشاءات لتصميم وبناء مبنىً جديد لها بجوار مبناها القائم في شارع الجلاء، والذي كان يتكوّن من طابق واحد فيه المطابع الدوارة فقط، وقد استمرت أعمال البناء في هذا المشروع ست سنوات كاملة، ومع ذلك لم تتوقف طباعة الجريدة طوال هذه الفترة الزمنية، وقام شبيب بإعداد تصميم هندسي مذهل لهذا المبنى، يتكون من 12 طابقاً ويشغل مساحة قدرها 30 ألف متر مربع، وقد شمل المبنى أربعة هياكل، يتميّز كل منها عن الآخر في شكلها وموادها وحجمها ونوافذها.

وعلى الرغم من ذلك، كانت هذه الهياكل الأربعة منسجمة ومتكاملة مع بعضها البعض بشكل انسيابيّ رائع، وشكّلت في مجموعها تحفةً معماريةً جميلة وفريدة، تجمع على نحو سلس بين المنحنيات والخطوط المستقيمة، وتتباين فيها القاعة الزجاجية الكبيرة المضيئة في واجهتها الرئيسية مع الحائط الطويل المصنوع من حجر الغرانيت.

وقد استجاب هذا المبنى في تصميماته الخارجية والداخلية، والتي تميّزت بقدر كبير من الحداثة  المعمارية والانشائية في ذاك الوقت، لجميع الاحتياجات المتعلقة بالمساحات المناسبة واللائقة للعاملين في الجريدة. وحسب ما نشرته جريدة "الأهرام"، بعد افتتاح مبناها الجديد بشكل رسمي في العام 1968، أصبح هذا المبنى واجهة لعدد هائل من الزوار الوافدين من جمع أنحاء العالم، والراغبين في مشاهدة إحدى أحدث وأجمل المباني المتخصصة في عالم الصحافة في ذلك الوقت.

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة