×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الثلاثاء, 23 شباط/فبراير 2016

أثر مصر ولبنان في ثقافة البحر الأبيض المتوسط

كتبه  عباس محمود العقاد - مجلة الكتاب

والمقصود بطبيعة الحال بلاد البحر الأبيض المتوسط التي تتكلم العربية، ولا خلاف على مصدر ثقافتها الحديثة، أو ثقافتها في القرن التاسع عشر وما بعده، فقد شاءت الحوادث والأحوال العالمية أن يكون الجانب الشرقي من شواطئ هذا البحر أسبق من سائره إلى الأخذ من حضارة الغرب الحديث، وما الجانب الشرقي بعبارة أخرى غير مِصر ولبنان.

ولا نريد بهذا المقال إحصاء ولا دراسة تفصيلية في ثقافة البلدين، ولكننا نريد أن نعرض بعض الملاحظات على نشأة الثقافة في القُطرين، وعلى أثر هذه النشأة في رسالة كل منهما فيما مضى وفي الوقت الحاضر؛ فإن هذه الملاحظات تُرينا كيف توجد النهضة ومتى وجب أن توجد، وإن اختلفت البواعث والأحوال، وكان لكل قُطر ظروفه التي لا تتكرر على مِثالٍ واحدٍ في جميع الأقطار.

كان أثر الثقافة من لبنان على يد أبنائه المهاجرين، وكان أثر الثقافة من مِصر بالهجرة إليها، وبخاصة في ميدان العلوم الدينية.

ومرجع هذا الاختلاف إلى طبيعة البلدين من قديم الزمن، فقد كانت الهجرة من عادة اللبنانيين الأقدمين لاشتغالهم بالتجارة والملاحة، وكان الاستقرار من طبيعة المصريين لاشتغالهم بالزراعة، وقام الأزهرُ بمِصر فاتَّجه إليه طلاب العلوم الدينية واللُّغوية من سائر البلاد الإسلامية، ويكفي أن يُشار هنا إلى الزبيدي والشنقيطي وهذا من المغرب وذاك من المشرق، وكلاهما قصد إلى مِصر في حدود القرن التاسع عشر. أمَّا هِجرة اللبنانيين فقد كان لها الأثر البيِّن على شواطئ البحر الأبيض وما يليها إلى إفريقية الغربية على شواطئ بحر الأطلس، حيث يتكلمون العربية أو يتعلمونها.

ولقد بدأ التعليم العصري في مِصر قبل لبنان، فإن الجامعة الأمريكية أُنشئت سنة ١٨٦٦، وجامعة القديس يوسف أُنشئت سنة ١٨٨١، ولكن الذين اشتغلوا بالكتابة الأدبية من اللبنانيين عند أوائل القرن التاسع عشر كانوا أكثر عددًا بالقياس إلى نسبة السكان من المصريين.

وسبب ذلك أن التعليم العصري أُنشئ في مِصر لتلبية مطالب دولة وأُمة، ولكنه أُنشئ في لبنان ليطلبه مَن يشاء من الأفراد.

فانصرف هَمُّ الدولةِ بمِصر إلى تخريج المهندسين والأطباء ورجال القانون والإدارة، وتولَّت تعليمهم في أوروبة ليترجموا الكتب المدرسية اللازمة للتلاميذ المبتدئين، أو تلاميذ المدارس الثانوية، ولم يكُن من المنتظر في برنامج دولة أن تُخرج الطلاب ليُنشئوا الصحف والمجلات أو ينظموا الشِّعر ويُدرِّسُوه.

فالأدباء الذين نشَئوا بمصر إنما نشَئوا من هذا الطريق، ولم يكن عددُهم قليلًا إلا بالقياس إلى عدد السكان، أو بالنظر إلى المتفرغين للأعمال الأدبية.

ومن الأسباب التي نُعلل بها الاختلاف بين الإقبال على التعليم العصري في لبنان ومِصر، أن المدارس الأمريكية والأوروبية أنشأها بلبنان ومصر أُناسٌ من رجال الدين المسيحيين، وبعضهم مشتغلون بالتبشير أو يستمدُّون المعونة من أنصاره، فلم يجِد المسيحي اللبناني عائقًا يصده عن المدرسة الأوروبية أو المدرسة الأمريكية، ووجد المسلم المصري عائقًا يصده عنهما في أول الأمر على الأقل، ثم شاع إنشاء المدارس العصرية بإشراف الدولة أو الجماعات الخيرية فأقبل عليها الطلاب بغير حَرجٍ، وكان هذا شأن المسيحيين الذين لا يدينون بمذاهب الأوروبيين والأمريكيين؛ فقد نشط القبط لإنشاء المدارس في أنحاء القُطر حين تكاثرت مدارس الإنجيليين وأتباع كنيسة رومة بين الوجه البحري والصعيد.

واتفقت الدواعي الوطنية والدواعي الخارجية بلبنان في وقتٍ واحدٍ على تشجيع الدراسة العربية؛ فأقبل العربيُّ اللبنانيُّ على دراسة لُغتِه لأنها قوام الدعوة الوطنية، واجتهد الأجانبُ في ترويج هذه الدراسة إضعافًا للدولة التركية لا رعاية للقومية العربية، وكان الخير من هذا الاجتهاد وإن تباينت النِّيَّات.

وقد ظهر أثر لبنان في تشجيع المسرحيات وتشجيع التمثيل نفسه؛ لأن التمثيل يستلزِم ظهور المرأة على المسرح، وكان الحجاب حائلًا دون ذلك في مصر إلى أوائل القرن العشرين، ومع الاشتغال بالمسرحيات ينساق الاشتغال بالقصة على العموم، فالذين ألَّفُوا القصة أو ترجموها بمصر، نقلوها إلى الأدب المقروء أو أدب التمثيل المحدود الذي لا يُعرض على الجمهور، كما صنع عثمان جلال.

ثم انطبع التمثيل بطابع الجمهور المصري، فكان للغناء وللنكتة أثرهما في تطوُّر الرواية المسرحية والدور الفكاهي في ختام التمثيل، وساعد الإقبال على المسرح من ناحية الطبقة القارئة على ابتداء التأليف باللُّغة الفصحى واستمراره إلى الوقت الحاضر، فيما عدا المسرحية الشعبية التي نظن أنها تطورت من الدور الفكاهي في ختام التمثيل ولم تتطور مباشرة من الفودفيل وما إليه.

وإذا تناولنا الفوارق بين الثقافة اللبنانية والثقافة المصرية من حيث اللون أو حيث الاتجاه؛ فالثقافة اللبنانية أقرب إلى الأحمر أو أقرب إلى اليسار.

مرجع ذلك إلى عوامل كثيرة تبدأ من القرون الوسطى، وخلاصتها أن لبنان أُمَّة قليلة العدد تتألف من طوائف متجاورة لا تبسط قواعدها حتى تعم وتستقر ويتوارثها المجتمع على ما هو معهود في الشعوب الكبيرة.

ولكننا نكتفي بالعوامل التي طرأت منذ القرن التاسع عشر، وأولها الثورة على السادة الإقطاعيين، فإن الفلاحين المارونيين ثاروا على السادة من أبناء مذهبهم سنة ١٨٥٨، ومهَّدوا بهذه الثورة لتقرير الحكومة الذاتية بعد ذلك ببضع سنوات.

واتصلت دواعي الثورة على الإقطاعيين بدواعي الثورة على الحكومة التركية، فكانت نزعة الثورة غالبة على طبيعة النهضة من أولها.

ثم أدى تقرير الامتيازات لرؤساء الكنائس إلى تمكين سلطانهم في المجتمع، فأحس هذا السلطان رواد الأدب من أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين، وتردَّد هذا الإحساس في كتابات جُبران ونعيمة والريحاني وإخوانهم أدباء المهجر، وإذا كانت الطبيعة تنفر من ضغط الإقطاع، وضغط الحكم الأجنبي، وضغط السلطان الديني؛ فأقرب الجهتين إليها هي جهة اليسار.

لا جرَم تنقسم الثقافة اللبنانية إلى معسكرَيْها المنفصلين اليوم، فهي إمَّا ثقافة دراسات أكاديمية أو ثقافة تمرُّد وجماح، والوسط بينهما قليل.

ففي لبنان اليوم مؤلِّفون أكاديميون لدرس مسائل الاقتصاد أو مسائل التاريخ أو مقرَّرات التعليم على حسب البرامج، وفيها مؤلِّفون يرددون صيحة الانتفاض مفهومة تارة وتارات أخرى غير مفهومة ولا مطبوعة، وكل ما يفهم منها أن كل شيء سيئ، وكل شيء مجعول للهدم، وكل شيء مخالف للتقدُّم والحرية … ولو سُئل كل كاتب عن كل كاتب لكان كل منهم داخلًا في كل من هذه الكلول أو هذه الكلات.

ويمكن أن تسمى هذه الصيحة جناحًا في حركة، ولكنها لا تُسَمَّى حركة كاملة تشترك فيها الفرق والعدد من كل سلاح، فحتى الجيوش الزاحفة لا تستغني عن القواعد ولا تتكل بجملتها على الكشافة من جناح واحد، وسينجلي الغبار عن هذه الصيحة — فيما نعتقدُ — وهي منقطعة عن أصولها مُنبتَّة في ميدانها، لا تنتصر على أحد ولا ينتصر أحد عليها؛ لأنها عَزَلَتْ نفسها تحت الغبار، ويوشك أن يَضرب بعضُها بعضًا، وهو يحسب أنه يضرب في خصوم.

وليس في خاطري نُزُوعٌ إلى المفاضلة أو المفاخرة حين أذكر الاختلاف بين مصر ولبنان في هذا الموقف، وإنما أُقَرِّرُ الواقع حين أقرر أن حركة مصر الثقافية لا تنطوي على جناح واحد، وأنها تسع اليوم أقصى اليمين كما تسع أقصى الشمال، وأن أبناء الأمم العربية لا يُحابون مصر إِذْ يُقبِلون على آثارها الأدبية ويفضلونها على نظائرها، وهذا بعينه يُقال عن مصر قبل خمسين سنة، يوم كانت مؤلفات اللبنانيين والعراقيين المعاصرين أروج المؤلفات الحديثة فيها، ويوم كان قُراء الأدباء اللبنانيين والعراقيين بين المصريين أضعاف قرائهم بين أبناء لبنان والعراق، وإلى زمن قريب سألتْ «دارُ المعارف» قُراء سلسلة «اقرأ» عن خير ما قرءوه منها فوقع الاختيار على رسالة لمؤلف فلسطيني، وكان أربعة أخماس الأصوات من المصريين.

وإذا كان بعض المؤلَّفات الأكاديمية وبعض الرسائل الأدبية أقل اليوم رواجًا في مصر من نظائرها قبل سنوات؛ فتعليل هذا بارتفاع أثمان الكتب وصعوبة التبادل أصح تعليل نراه، وربما عذر الطابع اللبناني لأن أجور العمل وتكاليف الطبع مرتفعة عنده، وربما عذر البائع المصري لأن حصوله على الكتب من لبنان غير ميسور وغير مُجدٍ، وربما زاد هذا العذر وضوحًا أن المكتبات المصرية لا تنفرد بتوزيع الكتب ويشاركها في التوزيع أُناسٌ من أبناء الأمم العربية جمعاء، ولكن النتائج الواضحة من هذه الأعذار جميعًا أن القارئ المصري غير ملوم.

أذكر في هذا السياق أُحدوثةً مضى عليها اليوم أربعون سنة ونيف، وكنت يومئذٍ أكتب في صحيفة الدستور اليومية والأستاذ حافظ عوض يصدر صحيفة المنبر، وإذا بالشاعر إمام العبد يندفع إلى حجرتي ويكاد يَبْيَضُّ من الغيظ … قال وهو يدفع إليَّ صحيفة المنبر وفيها ثناء على قصيدة لمعروف الرصافي، وتنديد بشعراء مصر لأنهم لا ينظمون في أمثال هذه الأغراض: ما هذا يا أستاذ؟ أوَلا يساوي شعرنا أن ينشره المنبر إلا إذا وقَّعته باسم إمام البغدادي أو إمام الرصافي؟ ألا ترى أن هذا اللغو حقيق بالرد عليه؟

ثم قرأ عليَّ ردًّا لم أستحسن نشره، وقلت له: اسمع يا إمام، خير ردٍّ على المنبر كلام أفضل من هذا الكلام.

ونقول اليوم لمن يفاضلون بين الثقافات: اسمعوا … خير مفاضلة أن تكتبوا ما هو أفضل، ويستوي عند القارئ أين يكون الفاضل، وأين يكون المفضول.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

Threesome