×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الإثنين, 11 آب/أغسطس 2014

تاريخ من العلاقات

كتبه  المحرر

 

العلاقات بين مصر  ولبنان قديمة قدم حضارة الشرق وقدم الحضارة الإنسانية ذاتها؛ فمن مصر وفينيقيا القديمة بزغت الكتابة وبها عرف الإنسان سر الخلود.

تحدثنا الجداريات القديمة عن خشب الأرز الذي جلبه الفراعنة القدامى من جبل لبنان، لبناء مراكب الشمس وتوابيت الملوك والنبلاء والكهنة الساعين إلى الخلود والبقاء إلى أبد الآبدين، وعن الإمبراطوريات القديمة التي وحدت البريْن، تارة مركزها في أقصى جنوب مصر وتارة أخرى في شمال ووسط الشام.

وبقدر ما كانت الصراعات بين الإمبراطوريات القديمة داميًّا، بقدر ما أنتج التلاقح الحضاري فرصًا للتعارف والتلاقي والتأثير المتبادل.

في العصور الفرعونية المتأخرة أراد أحد الملوك الفراعنة أن يوسع نظره إلى خارج العالم المعهود، فاستدعى بعثة من البحارة الفنيقيين لتدور بمراكبها الأكثر تقدمًا آنذاك حول أفريقيا لترسم للعالم أول خط تجارة بحري، سيعيد الأوروبيون بعد ألفي عام استكشافه ويسمونه طريق رأس الرجاء الصالح.

وفي العصور الكلاسيكية، ازدهرت مدن فينقية الأصل إلى جانب الإسكندرية في ظل ثقافة هلينية شرقية، غير أن هذه المدن فقدت أهميتها نسبيًّا مع وقوعها تحت سيطرة روما، إلى أن جاء الإسلام ليدمج الإقليمين في إمبراطورية واحدة، وفي القرون الوسطى، تشكلت العلاقة الاستراتيجية العميقة بين مصر وبر الهلال الخصيب، حيث اتضح أن ارتباط كلا منهما ضروري للآخر.

وفي ظل حكم الممالك المتعاقبة، ازدهرت حواضر الشام ومصر واندمج الإقليمان سكانيًّا، فهاجر مصريون إلى بر الهلال الخصيب، كما حصلت هجرة معاكسة، وظلت هذه الحركية باقية في أسماء العائلات والحواضر.

وآذن تخليص مماليك مصر مدن الساحلين اللبناني والفلسطيني من الغزو الافرنجي بنهاية فترة انقطاع هذه المدن عن محيطها الحضاري والثقافي المشرقي، ولا زالت أشرفية بيروت تحمل اسم سلطان مصر الأشرف خليل الذي طرد الافرنجة منها ومن طرابلس في العام 1291.

ثم وقع البران تحت حكم السلطنة العثمانية لعقود بعد هزيمة المماليك في الشام ثم في مصر، ورغم التراجع الحضاري الكبير الذي شهده المشرق في عمومه، بقيت حواضر بيروت والقاهرة والإسكندرية وحلب ودمشق زاهرة، وتمتنت بينها صلات التجارة والقرابة.

ولم يخلُ حكم العثمانيين من محاولات الاستقلال التي قامت في جبل لبنان ثم في مصر في القرنين السابع عشر، والثامن عشر ، فأسس أمير جبل لبنان فخر الدين المعني مملكة هزمت العثمانيين وحققت الاستقلال للجبل والساحل، ورغم طول هذه المحاولة إلا أنها فشلت بهزيمة الثائرين.

وظلت الفكرة باقية وملهمة حتى دفعت حاكم مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر فحارب سلطة استانبول وأعاد وحدة مصر والهلال الخصيب  1830-1841، وأحدث الحكم المصري ثورة في لبنان وعموم بر الشام، فكان نواة لتيار الاستقلال القومي، وبعد انحساره انتعشت الحركة الفكرية في الجبل ونهض ساكنوه ليخرجوا من عزلتهم وليبنوا الأساس الفكري لوحدة العرب. لقد دفع هذا الاتجاه إلى تزايد الضغط العثماني واضطهاده للمفكرين، الذين وجدوا في مصر الناهضة في سبعينيات القرن التاسع عشر ملاذًا لنشر أفكارهم.

إلى ساعتنا هذه، تصدر أكبر الجرائد المصرية وأعرقها "الأهرام" وقد كتب تحت شعارها أسسها سليم وبشارة تقلا 1875، وكذلك تصدر شهريًّا أعرق المجلات الثقافية العربية "الهلال" من مصر وقد أسسها الأديب والمفكر اللبناني جرجي زيدان في العام 1892.

أسس اللبنانيون المدرسة الصحافية المصرية، ومثلوا رافدًا أساسيًّا في حركة إحياء الثقافة العربية في مصر ومن ثم في العالم العربي، ثم كانت لهم اليد البيضاء في تأسيس المسرح والفن المصري، الذي كان ولا زال أوسع مجالات التلاقي المصري اللبناني.

إلى مصر هاجر العديد من الصحافيين والفنانين اللبنانيين، ومنها انطلقت أول موجات الفن العربي الحديث من مسرح وسينما وموسيقى وغناء. وبعد قرون من تواصل الأسر والعائلات بين البريْن، جاء الفن ليؤسس وجدانًا واحدًا بين الشعبين العربييْن. كانت القاهرة والإسكندرية ملاذ اللبنانيين المضطهدين وكذلك كانت بيروت بالنسبة لكثير من المصريين.

ثم كانت الحركة القومية العربية أساسًا لتوحيد آمال الشعبيْن، فكما كان الزعيم عبد الناصر زعيمًا لمصر وكثير من العرب، كان أيضًا رمزًا اجتمعت عليه الحركة الوطنية اللبنانية ما بين الخمسينيات والسبعينيات، كما اجتمع العرب على صوت فيروز وأم كلثوم. وعلى الرغم من التباعد السياسي بين البلدْين مع انسحاب مصر من محيطها العربي، ووقوع لبنان في محنة الحرب الأهلية، بقيت روافد الثقافة والفن مفتوحة وباقية. فاستمرت القاهرة في الكتابة وبيروت في النشر ليقرأ العرب كلهم.

 

ساهمت وسائل الاتصال في العالم الافتراضي في نقل القومية العربية السياسية إلى عروبة جديدة عفوية، تقوم على التفاعل بين شباب العالم العربي وتعميق التواصل بين شعوبه، غير أنه من الواضح أن هناك الكثير من الحواجز والمفاهيم المغلوطة والمشوهة والحقائق المجهولة الضائعة في زخم التنازع السياسي.

يحاول موقع صلة أن يستغل مساحة في هذا الفضاء الافتراضي ليبني جسرًا من المعرفة بين الشعبيْن المصري واللبناني، وأن يستكشف جذور هذه الصلات وأن يلقي الضوء على الكثير من المناطق المجهولة في هذا التاريخ الطويل.                 

 

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة