×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الأربعاء, 19 تشرين2/نوفمبر 2014

إيزيس تذهب إلى فينيقيا

كتبه  وليد فكري

 

 

 

 

ليست أساطير الأقدمين مجرد حكايات تُروى للتسلية، بل كثيرًا ما كانت الأسطورة من أصداء الواقع..

 

من هذه "الأصداء" أسطورة إيزيس وأوزوريس، بالذات تلك المرحلة من الأحداث التي وقعت خارج أرض مصر، تحديدًا في بلاد لبنان القديمة، في مدينة "جبيل"..

 

ذلك الجزء من الأسطورة هو في واقع الأمر صدًى لقِدَم وعمق العلاقات بين مصر  الفرعونية وبلاد فينيقيا، والتي عُثِرت فيها على بقايا لآثار فرعونية تؤكد أن الإلهة المصرية القديمة إيزيس قد عُبِدَت في تلك البقعة من العالم، الأمر الذي نجد له شواهد في بلاد اليونان وإيطاليا.

 

                                                                      ***

 

يصعب ألا تجد مصريًا يجهل قصة إيزيس وأوزوريس وصراع الخير ممثلا فيهما ضد الشر ممثلا في سِت أخيهما الذي عرفه المصريون إلهًا للشر والفوضى..

 

تبدأ الأسطورة التي تضرب بجذورها في عمق الميثولوجيا المصرية القديمة بصعود نجم أوزوريس كحاكم عادل قوي ومحبوب من جموع المصريين، وتقدم لنا "الجبتانا-أسفار التكوين المصرية" تفاصيل أكثر عنها، حيث تروي تفاصيل نشأة أوزوريس برعاية الآلهة ونضجه وتوليه السلطة في البلاد، وقيامه بمهامه باقتدار وحكمة، بعكس أخوه سِت الذي أحاط نفسه بزمرة من الأشرار والفسدة، وما ترتب على ذلك من تكرر المواجهات بين الأخوين وتمكن أوزوريس من ردع سِت الفاسد وعصابته أكثر من مرة حتى استطاع أن يفرض الاستقرار والأمن في ربوع مصر..

 

وضمانًا لالتزام سِت بالتهدئة، يتدخل الحكماء بينه وبين أخيه منعًا ﻷية مصادمات مستقبلية محتملة تفرضها طبيعة سِت العدوانية، ويسارع هذا الأخير بقبول السلام بينما يُضمِر الشر في داخله ويتحين الفرصة للتخلص من أخيه ليتبوأ مكانه.

 

وبالفعل، يرسل سِت لأوزوريس دعوة لحضور  مأدبة يقيمها على شرفه لتأكيد الوفاق بينهما، ويسارع الحاكم الطيب للقبول رغم التحذيرات المستميتة من كلا من زوجته إيزيس وأخته نفتيس، وتأكيدهما أن تلك الدعوة ما هي إلا فخ من الأخ الشرير لاغتياله..

 

وفي المآدبة، يقدم سِت لأخيه هدية هي تابوت فخم يقول له إنه كان قد أعده لنفسه حين يأتي أوان ذهابه للعالم الآخر، ولكنه رأى أن تابوتًا بتلك الفخامة لا يليق إلا بأوزوريس العظيم.. ويطلب من أخيه أن يختبر مقياس التابوت بنفسه،  وما أن يرقد أوزوريس في التابوت حتى يسارع ست وأعوانه لإغلاقه عليه بإحكام وإلقائه في النيل الذي تحمل أمواجه الحمل الثمين باتجاه الشمال حتى يبلغ مصب النهر في البحر المتوسط الذي تتلقف أمواجه التابوت إلى جهة غير معلومة..

 

وفور علم إيزيس بالجريمة، تسارع إلى تتبع آثار جسد زوجها، فتسأل الفلاحين والصيادين الذين يدلونها على وجهة التابوت، وترحل مقتفية أثره حيث تعلم أنه قد رسى على شاطيء مدينة جبيل الفينيقية..

 

أما عن التابوت، فعندما بلغ أرض فينيقيا بقي زمنًا فنبتت عليه شجرة ضخمة واحتوته في جسدها لتخفيه.. وعندما بلغت إيزيس المدينة علمت بأن ملك جبيل قد أمر بقطع تلك الشجرة وحملها إلى قصره لتكون بين أعمدته الضخمة، فتحتال بدهائها الشهير حتى تصل لبعض وصيفات الملكة وتعلمهن بعض فنون التجميل المصرية دون أن تكشف عن هويتها، فينقلن خبرها إلى الملكة التي تطلب من إيزيس أن تنضم لوصيفاتها، ويكون ذلك بالفعل..

 

وهنا تختلف الروايات حول كيفية كشف الملكة الفينيقية لهوية إيزيس؛ فثمة رواية تقول بأن الزوجة المصرية المخلصة كانت تذهب كل ليلة إلى الشجرة المستقرة في داخل القصر وتبكي إلى جوارها، فتلاحظها الملكة وتسألها عن قصتها فترويها لها، فترق لها الملكة وتساعدها في إخراج التابوت لتذهب به إلى مصر.

 

وثمة رواية أخرى أكثر إثارة،  تقول أن إيزيس قد أُعجِبَت بطيبة ورقة الملكة فأرادت مكافأتها، فقررت أن تلقي إحدى تعاويذها على وليّ العهد الرضيع، فدلفت ليلاً إلى غرفته وأخذت تردد بعض التمائم من سحرها-المعروفة به مصريًا- وتضمنت الطقوس أن اشتعلت النار بمهد الطفل، فتصادف أن رأت الملكة ذلك المشهد فارتاعت خوفًا على ابنها، فلما رأت أن النار لا تضره ولا تضر إيزيس أدركت أنها في حضرة إلهة فركعت لها، وطمأنتها إيزيس وروت لها قصتها، فساعدتها الملكة على استخراج تابوت أوزوريس..

 

إلى هنا ينتهى الجزء الذي يتناوله هذا المقال من الأسطورة..

 

                                                         ***

 

الجذور القديمة للأسطورة التي أصبحت جزءًا من ثقافة وطقوس المصريين القدماء، والتي وجدت لنفسها مكانًا في كتاب "الجبتانا-أسفار التكوين المصرية" في سِفر عنونه المؤرخ المصري مانيتون ب"آلام العائلة المقدسة"، تشير لأن العلاقات المصرية الفينيقية  قديمة قِدَم الحضارتين العتيقتيْن..

 

بل وثمة تفاصيل في رواية "مانيتون" تضيف حديثًا عن بعثة "ببيلوس-جبيل القديمة" لمصر برئاسة كبير كهنة المدينة الفينيقية، إلى بلاط أوزوريس، محملة بالتحف والأخشاب والخمور وأدوات الزينة، وكانت من الهدايا سفينة عظيمة ذات سبعة أشرعة ضخمة.. وقد حاول سِت وعصابته أن يفسدوا تلك البعثة حسدًا منهم لأوزوريس بأن قطعوا عليها الطريق، فواجههم البحارة الفينيقيون بكرات النار فلاذوا بالفرار، وكانت هذه من أسباب العداوة بين كلٍّ من سِت وأوزوريس..

 

وتضيف الرواية أن مما ساعد سِت في حبس أوزوريس في التابوت أن أوزوريس كان مصابًا بالدوار وثقل الرأس لاحتساءه ثلاثة أقداح كبيرة من خمر فينيقيا المدسوسة فيها بعض الأعشاب المخدرة..إضافة إلى ذلك، تتحدث الجبتانا عن زيارة سابقة من إيزيس لفينيقيا حيث شهدت بعض الطقوس الدينية في جبيل ..

 

                                                                            ***

 

من المعروف تاريخيًا أن العلاقات المصرية الفينيقية قديمة، وأن تبادلاً تجاريًا واسعًا كان بين البلدين.. كما أن الآثار المصرية تؤكد أن بين صادرات  فينيقيا إلى مصر كانت تتمثل في الأخشاب اللازمة لبناء السفن الضخمة للأسطول المصري، فضلاً عن المصنوعات الزجاجية وأدوات الزينة والحليّ.. إضافة إلى أن بلاد لبنان القديمة كانت معبرًا للجيوش المصرية المتوجهة إلى الشام وبلاد العراق القديم.. بل  وأن الفرعون نكاو الثاني قد كلّف بعض البحارة الفينيقيين بالدوران حول أفريقيا لاستكشاف سواحلها، فقاموا بذلك في رحلة استمرت لثلاث سنوات..

 

***

 

هكذا يتبين لنا أن ثمة تاريخًا مشتركًا بين هاتيْن البقعتيْن؛ لبنان ومصر تعود جذوره إلى فجر التاريخ، ولا يقتصر عمقه على التجارة والحروب التوسعية بل يتوغل إلى ترك آثار معنوية مشتركة لدى الحضارتين، سواء في أشهر أسطورة تركها لنا الفراعنة، أو في تقديس وعبادة معبودة مصرية ذات مكانة خاصة هي إيزيس في أرض فينيقيا، ووجود معبد في مصر خلال عهد الدولة الفرعونية الحديثة لبعل المعبود الفينيقي الأشهر.. كذلك فإن اختيار الأماكن التي تجري فيها الأحداث الكبيرة في الأساطيرالمصرية لم يكن ليأتي عبثًا؛ فكما كانت مدينة أبيدوس المصرية-في سوهاج حاليًا-مكانًا ذا مكانة خاصة، بحكم أن الأسطورة قالت إن سِت بعد أن علم بعودة أوزوريس مزق جسده قطعًا ودفن كل قطعة في موضع من مصر فجاء الرأس، بما له من قدسية،من نصيب أبيدوس، فإن فينيقيا كانت لها مكانة خاصة في الميثولوجيا المصرية باعتبار أنها محل رسو تابوت الإله ومحط عصا ترحال الزوجة المقدسة إيزيس في رحلتها المقدسة للبحث عن زوجها..

 

تلك الآثار المعنوية-لو جاز  لي استخدام هذا التعبير-هي أكثر عمقًا من التراث المادي وأكثر تعبيرًا  عن التأثيرات المتبادلة بين شعبيْ الحضارتين المذكورتين منذ  الصفحات الأولى لكتاب تاريخ الإنسانية..

 

المراجع:

 

  1. الجبتانا.. أسفار التكوين المصرية: مانيتون السمنودي
  2. موسوعة مصر القديمة:سليم حسن
  3. الديانة المصرية القديمة: د.عبدالحليم نورالدين

 

1 تعليق

  • تعليق سعيد عز الدين نصر الثلاثاء, 25 تشرين2/نوفمبر 2014 12:56 أرفق سعيد عز الدين نصر

    اتعجب أن أجدادنا قديما ، استطاعوا التعايش في مزيج من الحضارات ، بشكل حقيقي، وصل لتبادل بناء المعابد، رغم الإفتقار لسبل الإتصال و التنقل في تلك العصور....بينما نمتلك نحن الآن كل الأدوات التي تمكننا من التواصل اللحظي و التنقل خلال ساعات بسيطة بين مشرق الأرض و مغربها، و مع ذلك نغرق كبشر في العنصرية و التعصب و الهجوم على الآخرين

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

Threesome