×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2014

الديراني ورحلته من بيروت الى مصر

كتبه  د. خالد عزب

من أطرف الرحلات التي يقل ذكرها عند الدارسين والباحثين العرب رحلة إبراهيم الديراني اللبناني إلى مصر لطلب العلم والتي زار بعدها القسطنطينية، ومرجع ذلك أن أغلب الباحثين اهتموا برحلات المغاربة إلى الشرق الإسلامي، أو رحلات الأجانب إلى ديار الإسلام ورصدهم لما فيها من مظاهر اجتماعية واقتصادية وسياسية.

الرحيل إلى مصر:

يذكر إبراهيم الديراني أنه في سنة 1253هـ (1837 – 1838م) حين كان في سن الخامسة عشرة كانت نفسه تتوق إلى طلب العلم ولاسيما العلوم الطبية التي يرجى بواسطتها صلاح الأبدان وسلامة الإنسان وحفظ الصحة التي بها تقوم الأجسام وعليها مدار جميع الأعمال الجسدية والروحية. ولكنه لم يجد حينئذ سبيلاً إلى نوال هذه البقية السعيدة حتى أنعم الله عليه بحضور الدكتور (كلوت بك) رئيس أطباء العساكر المصرية أمل زمانه في العلوم الطبية، وتشرف بأفخر النياشين من أعظم ملوك الإفرنجية، فلما رأى افتقار هذه البلاد إلى العلوم الطبية التمس من محمد علي باشا والي الديار المصرية في تلك الأيام بقبول بعض الشبان من البلاد الشامية ليتعلموا تلك العلوم وينشروها في بلادهم فرحل إلى مصر ودخل مدرسة الطب في شهر رمضان؛ حيث تعطلت الدراسة في المدرسة فأقام ينتظر هلال شوال.

الدراسة بالقصر العيني:

ونظل مع ذكريات الديراني فيقول: "ولما انتهى شهر رمضان حضر التلاميذ إلى المدرسة وشرع المعلمون في إعطاء الدروس، وحينئذ جردت نفسي لهذه المهمة ونزلت في ساحة ذلك الميدان آملاً أن أكتسب شيئًا من فضلات العلم والجهابذة الذين كانوا يتلألأون بمعارفهم في تلك المدرسة، فلبثت أدرس فيها إلى ما شاء الله وكانت من أحسن المدارس الطبية. وبالقرب منها روضة المنيل وهي البستان الذي أنشأه إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا، فجعلها نزهة للناس، وجمع في البستان من جميع الأشجار والنباتات وأحسن ترتيبه ونظامه حتى صار روضة من أحسن الرياض، يحيط بها نهر النيل فكأنه جنة تجري من حولها الأنهار يفصل بينه وبين المدرسة نهر النيل المذكور".

والذي أسس هذه المدرسة محمد علي وهي مقسمة إلى قسمين؛ الأول فيه محل إقامة التلاميذ وأماكن التعليم وأبيات التشريح والآلات وبيت الأدوية. والثاني وهو الشرقي فيه مارستان أي مستشفى لمعالجة المرضى، وكان حينئذ في هذه المدرسة نحو خمسمائة تلميذ أكثرهم من أرياف الديار المصرية وقليل جدًّا من أهل المدينة، ثم أخذ يعدد أنواع الدروس التي تلقاها ودرسها كلها باللغة العربية، وكان إبراهيم الديراني ينظر في أول الأمر من مشاهدة تشريح الموتى ولكنه أكره نفسه على قبول تلك المشاهدات؛ لأنه علم يقينًا أن الطبيب بدون معارف تشريحية لا يدعى طبيبًا؛ لأنه لا يمكنه أن يعرف وضع العضو وتركيبه أو مجاورته ومنافعه وغير ذلك، وظل يدرس أربع سنوات، حصل بعدها على شهادة إتمام الدراسة الطبية بالقصر العيني.

ذهابه إلى إسطنبول:

استأذن إبراهيم الديراني بعد إتمام الدراسة بالقصر العيني في العودة إلى بيروت، فتوجه إلى الإسكندرية، ومكث هناك عشرة أيام ثم طلب قابورًا يحضر من هناك إلى بيروت فلم يجد؛ لأن القوابير دائمًا تذهب إلى أزمير أو لاو من هناك إلى بيروت فسافر إلى أزمير، وعن رحلته هذه يقول: "ومررنا في طريقنا على جزيرة كريت ثم وصلنا إلى مدينة أزمير وهي أحسن مدن الدولة العلية بعد القسطنطينية مبنية على جوين من البحر، وأبياتها مبنية من الخشب، وفيها محل النزهة خارج المدينة، وكان في أثناء ذلك قد حضر الأمير (بشير الشهابي) الذي كان واليًا في جبل لبنان إلى القسطنطينية، فلما بلغني ذلك أجبت الحضور إلى هناك أولاً لأجل مشاهدة الأخير المشار إليه لأنني رُبَّيت في نعمته وهو الذي كان الواسطة في حصولي على هذا العلم، وثانيًا لأجل التفرج على هذه المدينة التي تعد من أعظم مدن الدنيا، فنزلنا في الغابور قاصدين مدينة القسطنطينية وكان ذلك في عام 1842، ومازلنا سائرين حتى وصلنا إلى شنق قلعة المعروفة بالدردنيل وهناك المضيق العظيم الذي تدخل منه المراكب إلى بحر مرمرا، وعلى كل جانب من هذا المضيق قلعة عظيمة فيها ستمائة مدفع ثم وصلنا إلى كاليبولي وهي أول بحر مرمرا، وما مضى إلا قليل من الزمان حتى ظهرت لنا مدينة القسطنطينية، وكلما كنا نتقدم كانت تظهر لنا رؤوس المآذن المذهبة وقبب الجوامع العظيمة وشوامخ الأبنية الجميلة، ونستكمل رحلتنا مع إبراهيم الديراني فيذكر أن هذه المدينة العظيمة تعرف الآن باسم إسلامبول وعدد أهلها الآن قد جاوز المليون؛ الثلثان منهم مسلمون والباقي نصارى ويهود، وفيها من البيوت نحو تسعين ألف بيت وهي مبنية من الأخشاب إلا نادرًا، وهذه المدينة تنقسم باعتبار من وضعها إلى أربعة أقسام، الأول هو المدينة الكبيرة، والثاني الفلطة، والثالث البوغاز، والرابع .اسكودار". ويستمر الديراني في وصفه لهذه المدينة حتى يرحل منها عائدًا إلى بيروت

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة