×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2014

من ذاكرة العلاقات المصرية اللبنانية : لبنان إلى جانب مصر بعد انقسام الجمهورية العربية المتحدة

كتبه  محمود عزت

تناولنا في المقالة السابقة كيف ارتبطت علاقات لبنان مع مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بشكل وثيق بتحقيق توازن بين الحفاظ على علاقات جيدة مصرية لبنانية من ناحية والاحتفاظ باستقلال لبنان والسعي لتحقيق مصالح لبنان من جهة أخرى في ظل عجز مصر آنذاك مثلاً عن تقديم المساعدات الخارجية التي كان لبنان يحتاج إليها من الغرب. خاصة بعدوحدة مصر وسوريا وإعلان قيام الجمهورية العربيةالمتحدة في 1958. وحرص الرئيس فؤاد شهاب أن يجعل علاقات لبنان بالجمهورية العربية المتحدة على أساس ثابت، وقد بدا ذلك منذ اللقاء مع عبد الناصر على الحدود اللبنانية السورية في منطقة المصنع يوم 26 مارس 1959، والتي اتسمت بتبادل دعم كل رئيس للآخر واحترام سياسة بلاده وعلى وحدة الأراضي اللبنانية والمصرية.
لقد نال الانفصال السوري من الجمهورية العربية المتحدة من عبد الناصر ومكانته كزعيم للحركة القومية العربية وحد من اندفاعه القومي وجعل مصر فجأة وسط عزلة في منظومة الدول العربية، لاسيما أنها كانت على علاقة سيئة مع عدد من الدول العربية كالعراق والسعودية واليمن ومن ثم سوريا والتي أقامت محورًا عراقيًا سوريًا ضد مصر هدفه تطويق مصر تنفيذا لاستراتيجية الهلال الخصيب (والهلال الخصيب هو مصطلح جغرافي أطلقه عالم الآثار الأمريكي جيمس هنري برستد على حوض نهري دجلة والفرات، والجزء الساحلي من بلاد الشام. هذه المنطقة كانت شاهدة لحضارات عالمية، وأهمها العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي حتى ابتداء الممالك والمدن في جنوب الرافدين وشمال جزيرة الفرات العراقية وغرب الشام. يستخدم هذا المصطلح عادة في الدراسات الآثرية، إلا أن له استخدام سياسي أيضاً، حيث استخدمه أنطون سعادة منطلقاً من التداخل الثقافي في هذه المنطقة الجغرافية عبرالتاريخ ليبرهن على وجود "أمة" واحدة تجمع سكان هذه البيئة الجغرافية وأسس لذلك الحزب السوري القومي الاجتماعي، ونادى بوحدة الهلال الخصيب تحت اسم سوريا الكبرى).
وقد أيدت معظم الدول العربية هذا الانفصال باستثناء لبنان الذي لم تصدر عنه تصريحات تؤيد ذلك بل على العكس فقد قام لبنان باحتضان المصريين الذين تم طردهم من سوريا بعد يوم 29 سبتمبر، وقد أشاد الرئيس جمال عبد الناصر بالموقف اللبناني في خطابه الذي القاه في 5 أكتوبر 1961، وتقدم بالثناء والشكر إلى حكومة وشعب لبنان حول تعاطفهم مع المصريين. وأصبح لبنان ساحة صراع مكشوف مصري – سوري، وخرجت المظاهرات الشعبية في بيروت وطرابلس وصيدا مؤيدة للرئيس جمال عبد الناصر، وهو ما دعا عبد الله المشنوق وزير الداخلية اللبنانية لإصدار قرار بمنع التظاهرات المؤيدة لمصر تفاديًا لحدوث أزمة تعرقل سير العلاقات اللبنانية السورية.
وقد ألقى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني بيانًا يوم 4 نوفمبر أدان فيه الانفصال وطالب ببقاء الوحدة، وتضمن البيان أيضًا تقويمًا سلبيًا شديد اللهجة للأحداث في سوريا معتبرًا إياها ردة عن التحرر الوطني وعن مبادئ الاشتراكية التعاونية التي أعلنتها الجمهورية العربية المتحدة وأضاف أن هذا الحدث ما هو إلا امتداد لتخطيط نوري سعيد في إنشاء الهلال الخصيب.
لقد أثار تفكك الجمهورية العربية المتحدة الحيرة والارتباك في صفوف الحركة القومية العربية في لبنان، وإدراكًا من بعض السياسيين في لبنان لمخاطر تطور الأحداث على هذا النحو، فدعوا إلى تشكيل حركة لدعم الرئيس عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة، تضم جميع القوى المنادية بالتحرر الوطني والاشتراكية لذلك أُعلن عن تأسيس " الجبهة العربية التقدمية" في أكتوبر 1961 والتي انضم تحت لوائها حركة القوميين العرب والحزب التقدمي الاشتراكي، وعدد من الكتاب والصحافيين اللبنانيين، وقد أصدرت هذه الجبهة عدة بيانات استنكرت فيها تصرفات ما أسمتهم بـ " الانفصاليين" ودعت إلى التضامن والوحدة.
من جانبها اتخذت الحكومة اللبنانية تدابير أمنية مشددة لمراقبة الحدود والشواطئ اللبنانية لمنع وصول أسلحة إلى سوريا، كما أنذرت السوريين المقيمين في لبنان بعدم القيام بأي نشاط سياسي معادي لمصر وأنه العقوبة ستكون الطرد من البلاد.
استمرت العلاقة بين لبنان وسوريا في حالة ارتباك لاسيما من الجانب اللبناني الرسمي الذي وقع ما بين البقاء على العهد مع الرئيس جمال عبد الناصر وما بين مراعاته للظروف المستجدة التي طرأت في سوريا، غير أن الرئيس فؤاد شهاب رفض إلغاء العهد ولمك يدعم النظام السوري الجديد المنقلب على الوحدة. وقد تباطأت الحكومة اللبنانية كثيرًا بالاعتراف بالحكم الجديد في سوريا
وقد شهد لبنان حادثًا سياسيًا أسهم في تعزيز حكم فؤاد شهاب، وذلك عندما حاولت وحدات من الجيش بقيادة ضابط من الحزب القومي السوري الاجتماعي من احتلال وزارة الدفاع وعمل انقلاب عسكري في 31 ديسمبر 1961، وهي أول محاولة انقلاب عسكري في تاريخ لبنان كدولة مستقلة. إلا أن المحاولة أحبطت بتدخل قوات الجيش اللبناني. وقد جاء الموقف المصري حيال تلك المحاولة الانقلابية منددًا بها، فقام وزير الخارجية المصري بالاتصال بنظيره اللبناني داعيًا للبنانيين بالتكاتف والوقوف صفًا واحدًا في وجه الطامعين في أرض لبنان، فضلاً عن توجيه جمال عبد الناصر اتهامًا للأردن بإرساله جيش سري للمشاركة في الانقلاب وأعلن عن شجبه لما حدث في لبنان.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

Threesome