الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2014

ابراهيم باشا في سوريا

كتبه  محمد العربي

في العام 1929، صدر عن المطبعة العلمية ليوسف صادر ببيروت الكتاب الموسوم بـ"إبراهيم باشا في سوريا: وهو تاريخ بدء النهضة الحديثة في الشرق الأدنى وأحوال سوريا في عهد محمد علي وثورات السوريين ودروز حوران على حكومته وصفحة من تاريخ المسألة الشرقية ومطامع دول أوروبا في البلاد العثمانية" وهو للمؤرخ اللبناني سليمان أبو عز الدين وهو مؤرخ عرف بريادته للكتابة التاريخية في لبنان الحديث، وبجمعه بين التأريخ السياسي والاجتماعي. وتأتي أهمية هذا الكتاب في كونه يلقي الضوء على أحد اهم فصول العلاقات بين بري مصر والشام وهي فترة الحروب الشامية التي خاضتها دولة محمد علي الصاعدة بقيادة القائد إبراهيم باشا العسكري المصري الفذ في بلاد الشامن حيث أسست لمرحلة جديدة في تاريخ العالم العربي المشرقي، وهو الأمر الذي يتضح في العنوان الفرعي للكتاب. وتقول الدكتورة لطيفة سالم المؤرخة المصرية القديرة، والتي قامت بتحقيق الكتاب وأشرفت على إعادة إخراجه، عن تحليل أبو عز الدين لهذه المرحلة أن تحليله جاء واضحًا ومعايشته للظرف التاريخي ملحوظة، كما يضع تحليله التاريخي في سياق عقد المقارنات بين الأحداث التي يتناولها والمراحل التي سبقتها، كما أن أسلوبه جيد وسلسل ولا يجد فيه القارئ المعاصر صعوبة بل سيجده محفوفًا بالاستشهادات الشعرية والزجلية التي تنقل لنا العصر الذي يؤرخه على نحو صادق.

على الرغم من أن أبو عز الدين كان شامي الهوى، إلا أنه تناول الحكم المصري لبلاد الشام بموضوعية يضرب بها المثل، فقد تناول سياقات هذا الحكم التاريخية، وآلياته ومدى اختلافه عن الحكم العثماني الذي سبقه والذي تلاه، وكذلك مظالمه وأياديه البيضاء على الحركة التاريخية لبلاد الشام. والأهم من هذا أن المؤرخ كان علي وعي بأهمية هذه الفترة في مسار تاريخ المنطقة، وكيف كانت مرحلة مفصلية في تطوراتها فيقول "وقد كانت حكومة محمد علي في سوريا رغمًا عن كثرة شوائبها، فاتحة عصر جديد انقلبت فيه طرق الحكم من الفوضى إلى النظام، ونثرت في أثنائه بذور النهضتيْن الأدبية والسياسية في الديار السورية..فالارتباط ما بين عصر محمد علي وحالتنا الحاضرة وثيق العرى، وهذا الذي يجعل للحوادث التي تخللت استيلاءه على سوريا وقيام حكومته فيها ثم الانسحاب منها أهمية في تاريخنا الحديث".

ويرتكز الكتاب على شخصيتيْن صاغتا أحداث هذا الكتاب وذاك العصر وهما إبراهيم باشا الغازي والحاكم، ومحمد علي باشا صاحب الدولة والذي يفصل أبو عز الدين سيرته منذ مولده حتى قدومه إلى مصر في أعقاب رحيل الحملة الفرنسية 1801، ثم حكمه لمصر وإصلاحاته بها منذ توليه أمرها عام 1805 حتى حملته على الشام 1831. ثم يأخذ في شرح استراتيجية ولي مصر التوسعية خاصة في مرحلة خدمته لأهداف السلطان في الجزيرة العربية واليونان وبداية تفكيره في غزو سوريا والذرائع التي ساقها لهذا الغزو بعيدًا عن إرادة الأستانة وهنا يركز المؤرخ على الأهمية الاستراتيجية التي يمثلها بر الشام لمصر .

يرى أبو عز الدين أن صراع محمد علي والأستانة كان صراع بين طرازيْن من الحكم والحكام، وهو الطراز الذي مثله محمد علي والطراز الذي مثله السلطان محمود الذي قلد خطوات واليه على مصر الإصلاحية، غير أنه افتقد إلى كثير مما تمتع به الأخير من قوة وقدرة على حشد وفرز الرجال. لذاالمؤرخ فصلين من كتابه للمقارنة بين الحاكمين، وليستعرض أحوال سوريا وتركيا المتردية في الوقت الذي غزاهما فيه محمد علي، فيتناول الفوضى التي عممها الحكام الأتراك في الشام وكيف استغلها والي مصر عكسيًّا، ثم يستعرض مراحل هذا الغزو وخطواته منذ نوفمبر 1831. بدأ الغزو بفلسطين فاستولى إبراهيم باشا على موانئها ثم تفرع لحصار عاصمة ولايتها الكبرى عكا، حيث استولى عليها في مايو 1832، ومنها تقدم إلى الشمال فاستولى على ولاية صيدا، وبذلك قضى على أسرة الجزارة المناوئة لوالده، ومنها انتقل إلى حاضرة الشام؛ دمشق فأخضعها وطرد واليها العثماني، وبدأ إبراهيم في تقليد أهالي سوريا مقاليد الحكم في مدنهم، ثم انتقل في غزو الأناضول وزحف الجيش المصري على استانبول حتى أدركت الدول الأوروبية خطورة الموقف فتدخلت وأنقذت الدولة العثمانية من الانهيار باتفاقية كوتاهية عام 1833.

لقد أعاد إبراهيم باشا ترتيب الولايات السورية إداريًّا، ووضع للحكم فيها قوانين جديدة كما أعاد تنظيم قضاء البلاد وماليتها وضرائبها، غير أن هذا لم يكن بالأمر الهين، حيث وجد صعوبات جمة في هذه العملية حيث كانت هناك مقاومة من قطاعات واسعة لهذه الإصلاحات، وهو الأمر الذي استدعى القسوة في فرضها فرضًا على السكان، فيتحدث المؤرخ عن "مظالم حكومة محمد علي" والتي تمثلت في فرض التجنيد الإجباري والضرائب الثقيلة على السكان ونزع سلاح الاهالي والسخرة والتلاعب بأسعار العملة، وأدى هذا إلى نشوب ثورات أهلية ضد الحكم المصري، كان بدايتها ثورة فلسطين عام 1834 التي قمعها إبراهيم بحزم شديد، بل إن محمد علي وصل إلى فلسطين بنفسه ليمد قائده بالعون لمواجهة الثورة، غير أن نار الثورة امتدت شمالاً فانتقلت إلى صور ونابلس والخليل والكرك والسلط، كما اضطربت دمشق وطرابلس وعكا وصافتيا والحصن. كما ثار النصيريون في جبلهم، كما انتفضت بيروت وبعلبك وكلس وعرب الصفا، دروز حوران ووادي التيم، لقد استطاع إبراهيم أن يقضي على كل هذه الثورات بقسوة غير أنها خلفت ندوبًا في ذاكرة الأهالي.

وما لبث الهدوء يعم الشام، حتى اشتعلت الحرب مرة أخرى بين الجيش المصري وجيش السلطان في العام 1839، وفيها انتصر الجيش المصري انتصارًا مؤزرًا في موقعة نزيب، واستسلم الأسطول التركي لباشا مصر، غير أن الدول الأوروبية حالت دون إتمام الانتصار المصري فحاصرت ميناء بيروت وقصفته في الوقت الذي ثارت فيه بيروت واشاعلت الثورة مرة أخرى في عموم لبنان. كان أبو عز الدين مدركًا لتأمر الدول الأوروبية على دولة محمد علي، فالانتفاضات الأهلية وحدها لم تكن كافية ولا قادرة على إسقاط حكومته في الشام، لقد تحركت إنكلترا ضد القوة الوليدة، وأقنعت الدول الأوروبية أن استمرارها سيعني الإخلال بالتوزان الدولي، اضطر محمد علي للانسحاب خلافًا لرغبة قائده إبراهيم، ووافق على شروط الدول الأوروبية كما جاءت في معاهدة لندن 1841، وعلى إثر هذا تفككت القوات السورية التي كونها محمد علي من أهالي الشام وعادت إلى بلادها.

غير أن آثار حكومة محمد علي في الشام لم ينته بمجرد انسحاب جيوشه منها؛ فقد أحدثت، كما يقول أبو عز الدين، انقلابًا عظيمًا فأدخلت أنظمة جديدة للإدارة والقضاء والمالية والجندية وأنفذت في السوريين سلطة العزيز المقتدر، فكان لذلك تأثيرات جمة في حياة البلاد الاجتماعية والأدبية والاقتصادية والإدارية والسياسية مما امتد تأثيره حتى زمن كتابة الكتاب.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة