×

تحذير

فشل تحميل ملف XML

الثلاثاء, 20 كانون1/ديسمبر 2016

الإسكندرية، "مدينة الرب" المستقلة عن باقي المدن المصرية

كتبه  وليد فكري

يتحيز لها كثير من أبنائها، فيصفونها بـ"مدينة الرب"، أو يقولون: "ليتها كانت كل الجمهورية". في المقابل، يجد الإسكندريون أنفسهم متهمين بالتعالي على بقية المصريين، ويعتبرون أن مدينتهم في مرتبة وبقية مصر في مرتبة أخرى، أو كأنها مدينة مستقلة.

لسنا في مجال تفنيد أو تأكيد هذه الاتهامات، لكن ثمة أصولاً تاريخية تثبت أن الإسكندرية عوملت أحياناً، رسمياً، باعتبارها منطقة متفردة أو متميزة عن بقية مصر، ما يجعلها تتطلب نظاماً خاصاً لإدارتها.

الإسكندرية المتاخمة لمصر

تتفق المراجع التاريخية على أن الإسكندر حين وضع أسس مدينته، التي لم يعش ليشهد انتهاء بنائها، كان في حقيقة الأمر يؤسس "مركزاً حضارياً" للثقافة "الهيللينستية" (امتزاج الثقافة اليونانية مع الثقافات الشرقية). ربما لهذا اختارها البطالمة عاصمة لهم دوناً عن بقية المدن اليونانية بمصر، التي كان المهاجرون الإغريق أسسوها خلال عهود الأسر الحاكمة السابقة. من هذا المنطلق اكتسبت المدينة تفردها وتميزها.

حتى أن الإقامة فيها بشكل دائم، كانت تتطلب إعطاء السلطات للمقيم صفة "مواطن إسكندري"، فالإسكندرية كانت تغص بالناس من مختلف الجنسيات والأصول والمهن، من بحارة فينيقيا وقرطاج، أو تجار العرب أو أحبار يهود فلسطين، أو مرتزقة البحر المتوسط وأفريقيا، وغيرهم. فضلاً عن "المصريين"، وهو وصف كان يُطلَق على الوافدين من بقية الأقاليم المصرية. بينما كان "مواطنو الإسكندرية"، إما من الأغريق أو المهاجرين اليهود، أو من يوصفون بـ"المتأغرقين"، من أصول مصرية أو أجنبية. كان مواطنو المدينة خلال تعاملاتهم مع المدن الأخرى، يتعاملون، رسمياً، بصفتهم "إسكندريين"، بما في ذلك ما لهم من امتيازات أو التزامات اتفاقية مع "حكومة" الإسكندرية.

وخلال فترة العصرين الروماني ثم البيزنطي، كانت المدينة توصف في بعض الوثائق بـ"الإسكندرية المتاخمة لمصر". وعندما توالت التعديلات على التقسيمات الإدارية لمستعمرة مصر، كان يتم تقسيم مصر إلى ولايات ثلاث، وأحياناً إلى خمس، على رأس كل منها والٍ، بينما للإسكندرية واليها الخاص الذي يعتبر "الوالي الأعلى" لولاة مصر.

وفي عهد الإمبراطور الروماني "كركلا"، حين قرر هذا الأخير منح كل أهالي المستعمرات الرومانية "الجنسية الرومانية"، اشترط على الراغبين في التجنس من أهل مصر، أن يكونوا حظيوا بـ"المواطنة السكندرية، وأمر في مرسوم له بطرد كل المقيمين "غير الشرعيين" في المدينة، إلا من لا غنى عن خدماتهم وحرفهم.

وكان للإسكندرية مجلسها الإداري الخاص خلال العصر البلطمي، فكانت تحظى بنوع من الحكم الذاتي، وكان أهلها ينخرطون في النقاشات السياسية والتظاهرات المؤيدة أو المعارضة، إلى حد تمكنهم أحياناً من خلع بعض ملوك البطالمة من على عروشهم، ورفع غيرهم. وهو ما أدركه أغسطس قيصر "أوكتافيانوس"، حين احتل الرومان مصر، فقرر فوراً حل مجلس الحكم الإسكندري، وحرمان المدينة من مجلسها. وعندما أعاد الرومان للإسكندريين مجلسهم، أحس هؤلاء بالإهانة، لأن القرار تضمن تشكيل مجالس إدارية في مختلف المدن، بما فيها مدينتهم، ما مَس كبرياءهم وإحساسهم بالتفرُد.

وفي مقابل هذه "الكبرياء الإسكندرية"، كان بعض الوافدين على المدينة يذكرون أهلها في كتاباتهم بنبرة لوم وتقريع، على ما وصفوه بالغرور والتعالي والميل للمشاغبة، والمشاكسة وعدم احترام الحكام والاجتراء على من سواهم. ما يعيد إلى الذهن الاتهامات المعاصرة.

بقي هذا الوضع حتى العصر العربي الإسلامي، الذي اختلف فيه وضع المدينة من الناحية "الرسمية"، لكنه لم يختلف من الناحية المعنوية.

الثَغر، رِباط المجاهدين، والتفرُد المذهبي

كانت رغبة عمرو بن العاص، قائد فتح العرب لمصر، أن يتخذ الإسكندرية عاصمة لولايته، لكن الخليفة عمر بن الخطاب كان أمر ولاته في الشام ومصر والعراق، ألا يتخذوا عواصم يقطع طريقها إلى العاصمة المركزية "المدينة" فاصل مائي. فانتقلت العاصمة إلى الفسطاط.

وإن كان شأن المدينة بعد الفتح العربي مباشرة قد اضمحل عما كانت عليه من الناحية الحضارية، إلا أن "وضعها" كميناء رئيسي ومنطقة مواجهة للغزاة، جعل لها مكانة "معنوية" متمثلة في أنها "ثغر" أو "دار رباط".

والثغر في الثقافة الإسلامية هو "المدينة التي تكون أول ما يواجه العدو إذا ما تطرق لبلاد المسلمين"، سواء كان ثغراً برياً أو بحرياً. وبالتالي، فإن أهل هذا "الثغر"، يصنفون أنهم "في رباط"، بمعنى أنهم في مقام "المرابط في سبيل الله". حتى أن بعض الفقهاء ذكر أن مما كان يتعزى به أهل المتوفى بالإسكندرية أنه "مات وهو مرابط فله أجر مجاهد". وربما يرجع هذا لأن الولاة الذين تعاقبوا على مصر، تعاملوا مع الإسكندرية بالذات، باعتبارها "منطقة أمن قومي"، لمواجهتها البحر، وما يأتي منه من غزاة. وازدحمت كتب المؤرخين بذكر "فضل الإسكندرية وأهلها" بالذات في الناحية الجهادية، إلى حد ذكر أنها بمثابة واحد من أربعة أبواب للجنة في الدنيا!

بغض النظر عن تقييم هذه الأقوال، فقد ساهم انتشارها في استمرار شعور الإسكندريين بالتميز. وبدا هذا واضحاً في تفرد أهم مواقفهم السياسية والدينية عمن سواهم خلال العصر العربي. فخلال العصر الفاطمي خضعت مصر كلها، بالقوة، للمذهب الشيعي الإسماعيلي، بينما كانت مقاومة الإسكندرية له شرسة إلى حد أنه في أواخر هذا العصر، حين تولى الوزارة بعض السُنة وأرادوا منافسة المذهب الشيعي، اختاروا الإسكندرية مقراً للمدرسة المذهبية السُنية. وحين وقع الانقسام الإسماعيلي بين قائلين بإمامة وخلافة المستعلي بالله، وآخرين انحازوا لأخيه الأكبر نزار، استضافت الإسكندرية نزار، وكانت مركز ثورته التي قُمِعَت بعنف مدمر.

وفي العصر المملوكي، حظت المدينة بترتيب قضائي خاص، فالسلطات كانت أقرت أربعة قضاة رئيسيين للمذاهب الأربعة، وجعلت لكل منهم نواباً في المدن، ويكون توزيعهم ورئاستهم بناءً على مذهب أهل المنطقة. فبينما كان القاضي الرئيسي لمختلف مدن وقرى مصر، هو "القاضي الشافعي"، كان المذهب المالكي هو الغالب في الإسكندرية، فكان قاضيه هو القاضي الرئيسي للمدينة. وهذا يرجع لأنها كانت مهجر الكثير من فقهاء الأندلس الذين يعتنقون مذهب الإمام مالك.

المماليك وعودة المدينة الكوزموبوليتانية شبه المستقلة

في العصر المملوكي، كانت السلطنة مقسمة إدارياً إلى "نيابات"، على رأس كل منها نائب للسلطان في منطقته، وتحت كل نيابة "ولايات" على رأس كل منها والٍ. وكانت الإسكندرية ولاية عادية.

لكن عام 1365، تعرضت المدينة لهجمة إفرنجية بقيادة ملك قبرص بطرس دو لويزينيان، فداهمتها سفن الغزاة وأحدثت بها تدميراً مريعاً، وتعرض أهلها لمذبحة بشعة، قدّر البعض ضحاياها بنحو 20000 قتيل. ثم انسحب الغزاة بعد أن أدركوا، متأخرين، استعصاء المدينة على السيطرة وصعوبة الاحتفاظ بها.

بعد تلك الكارثة، قررت السلطات جعل الإسكندرية "نيابة" أسوة بالنيابات الكبرى، وترتب على ذلك أن جُعِلَ لها محتسب خاص بها (المحتسب هو مراقب قضائي على الانضباط وتنفيذ القوانين في الأسواق والأماكن العامة). كما اهتمت بإحيائها حضارياً وتجارياً، فكانت المدينة، خلال العصر المملوكي، مركزاً تجارياً وثقافياً كوزموبوليتانياً (متعدد الثقافات)، أكثر من أي مدينة أخرى. فمن الناحية الثقافية، وفد عليها العلماء والفقهاء من المغرب العربي والأندلس بالذات، ومن الناحية التجاربة، كانت تعتبر مركزاً للتجار والوكلاء من مختلف الدول الأوروبية، حتى أنهم حرصوا على إقامة فنادق لهم لإدارة أعمالهم، عُرِفَ كل منها باسم جنسية أصحابه كـ"البنادقة/نسبة للبندقية" و"البيازنة/بيزا"، وغيرهم. ما أعاد للإسكندريين حالة "الإحساس بالتفرد". بمعنى أدق يمكننا أن نقارن الإسكندرية آنذاك بمدن مهمة مثل "دبي" أو "نيويورك" حالياً.

الاضمحلال وما بعده

بعد احتلال العثمانيين لمصر، اضمحل أمر الإسكندرية إلى حد أن تعداد سكانها هبط ليصبح بضعة آلاف، وخملت المدينة عما كانت عليه وقل الاهتمام بها.

كان على الإسكندرية أن تنتظر نحو ثلاثة قرون حتى تولى محمد علي باشا حكم مصر، وأعاد الاهتمام بها حتى اكتسبت صفة "العاصمة الثانية"، بحكم احتوائها على الميناء والأسطول الذي يعتبر اليد الضاربة للدولة المصرية آنذاك، وتأسيس الصناعات المرتبطة بذلك، ونمو حركة التجارة التي احتكرتها الدولة. وهذا ما جعل المدينة تتحول إلى منطقة جذب لمختلف الجنسيات، وأدى لتميزها خلال القرنين التاليين بأنها أرض تضم إسكندريين من أصول متنوعة من اليونان وأرمينيا وإيطاليا. وقد انعكس هذا على طريقة إدارتها لتتمكن من احتواء هذا التنوع والتباين، فأعطى المدينة استقلالية فعلية عن نمط الإدارة العام لبقية مصر، وإن لم يكن ذلك بشكل رسمي.

كل تلك "الحالات الخاصة" للإسكندرية خلال عمرها الطويل، ساهمت في شكل "تراكمات" في الوجدان الجمعي للإسكندريين، فأسست لإحساسهم الحالي بالتميز، وأنهم يمثلون "حالة خاصة".

المراجع: العالم الهيللينستي لفرانك ولبانك، مجتمع الإسكندرية القديم لد. محمد السيد عبد الغني، مصر المملوكية لد.هاني حمزة، تاريخ الفاطميين لد.محمد سهيل طقوش، الأساطير المتعلقة بمصر في كتابات المؤرخين المسلمين لد.عمرو عبد العزيز منير، الإسكندرية تاريخ ودليل لأ. م. فورستر والإسكندرية وحضارتها في العصر الإسلامي لد.السيد عبد العزيز سالم.

(رصيف 22)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة