الأربعاء, 15 حزيران/يونيو 2016

حكايات المسلمين والمسيحيين في مصر عن جبل المقطم

كتبه  رصيف 22 - محمد شعبان

ارتبط جبل المقطم في مصر بكثير من الحكايات، بعضها ديني والآخر تاريخي. وهناك روايات صاغها العقل الشعبي الجمعي بشقيه المسلم والمسيحي.

في كتابه "مرشد الزوار إلى قبور الأبرار"، والمسمى أيضاً "الدٌر المنظم في زيارة الجبل المقطم"، ذكر موفق الدين بن عثمان المتوفي سنة 615 هجرياً، سبب تسمية الجبل المقطم.

قال إنه مأخوذ من "القطم"، إذ كان منقطع الشجر والنبات فسمي "مقطماً".

وقيل إن المقطم بن بيصر بن مصر بن حام بن نوح كان عبداً صالحاً، تعبّد في هذا الجبل، فسُمي باسمه، رغم أن هناك من يشير إلى أن بين أولاد نوح لم يكن أحد اسمه "مقطم".

ويذكر المقريزي في سبب تسمية الجبل، أن مصرايم ملك مصر أراد استخراج معدن الذهب والزبرجد والفيروز، وغير ذلك من المعادن الموجودة في مصر بطريقة الصنعة (أي الكيمياء)، فكلّف رجلاً يقال له مقيطام الحكيم، كان يعمل في الكيمياء في الجبل الشرقي فسُمي به، واختصر من اسمه وبقي ما يدل عليه فقيل له جبل المقطم.

الجبل الذي صيغت حوله الكثير من الروايات في مصر

وروي أن النبي موسى سجد، فسجدت معه كل شجرة من المقطم إلى "طوى". ويروى أن يهوذا، أكبر إخوة يوسف، أقام في ذروة هذا الجبل في المحل المعروف الآن بمشهد إخوة يوسف عليه السلام.

خيار الصوفية

كان الجبل ملاذ الصوفية. بحسب علي أبو الخير الباحث في الشأن الصوفي، فإن المقطم قريب من مصر القديمة والفسطاط والقلعة، وهذه الأماكن كانت تمثل منطقة القاهرة الإسلامية القديمة قبل أن تُنشأ القاهرة في العهد الفاطمي، وقبل أن تمتد في العهد الخديوي.

في هذه المنطقة، عاشت السيدة نفيسة، والإمام الشافعي، وكثير من الزهاد المسلمين مثل الصوفي الشاعر عمر بن الفارض، وذو النون المصري الذي زار الجبل رغم أنه من صعيد مصر.

الزهاد والمتصوفون لجأوا لجبل المقطم بسبب بعده عن القاهرة، حينذاك. فكان مهجوراً سوى من بعض الأديرة المتناثرة. وفي الدولة الفاطمية، كما يضيف الباحث، أنُشئت القاهرة، وامتدت إلى منطقة الفسطاط من الخلف وأصبحت هناك مقابر للزهاد والعارفين بالله في سفح الجبل.

ويشير إلى أنه بعد تمدد العمران وانتشار المباني في الجبل، في العصر المملوكي، أصبح المقطم غير مهجور، ثم غير مناسب للعزلة والانقطاع عن الناس، ما أدى إلى ابتعاد الزهاد عنه إلى مختلف المدن المصرية. وفي هذا الوقت ظهر ما يسمى بـ"التصوف الفلسفي" الذي لا يعنى كثيراً بالخلوة، فتخلى الصوفيون عن جبل المقطم، وانتشروا في ربوع مصر بالدلتا والصعيد.

يقول الشيخ علاء أبو العزايم، شيخ الطريقة العزمية الصوفية، إن جبل المقطم ارتبط في أذهان الناس بأنه يحوي غراس الجنة، لذا انقطع فيه الزهاد للعبادة.

ويعدد أبو العزايم من دُفن في سفح الجبل، من صحابة الرسول مثل عمرو بن العاص وعقبة بن عامر وعبد الله بن الحارث وأبو بصرة الغفاري، أو من الأشراف مثل السيدة نفيسة ويحيى الشبيه بن القاسم الطيب، وآل طباطبا والشريف الهاشمي، أو من الأئمة والفقهاء، مثل الليث بن سعد والشافعي وعبد الله بن الحكم، ومن الزهاد والصوفية ذو النون المصري، ودينار العابد، وابن عطاء الله السكندري وعمر بن الفارض وجابر الزاهد وأبو يعقوب البويطي، ومن القضاة ابن دقيق العيد وبكار بن قتيبة.

في موسوعتها "مساجد مصر وأولياؤها الصالحون"، تستعرض الدكتورة سعاد ماهر عدداً من المساجد الأثرية في جبل المقطم والقصص المرتبطة بها.

التنور

أقدم مساجد المقطم، وعرف بهذا الإسم لأنه بني مكان تنور فرعون الذي كانت توقد له فيه النار، فإذا رآها أهل مصر عرفوا بركوبه فيجتمعون له. وقيل إن النار كانت توقد بالطرفا واللبان والصندروس (نباتات طيّبة الرائحة)، ليرتفع الوباء عن أهل مصر.

اللؤلؤة

كان مكانه مشهوراً بين الناس بإجابة الدعاء، فلما أخُبر الحاكم بأمر الله بذلك بنى عليه مسجداً عام 406 هجري، وسماه بهذا الاسم.

دكة القضاة

هي دكة (مقعد واسع) مرتفعة عن المساجد في الجبال، كان القضاة في مصر يخرجون إليها لرؤية الأهلة خصوصاً هلال شهر رمضان، ثم بُني مكان هذه الدكة مسجد عرف باسمها.

الفقاعي

يُنسب المسجد إلى أبو الحسن علي بن الحسن بن عبد الله الفقاعي، وبنى هذا المسجد كافور الأخشيدي، ثم جدده وزاد عليه مسعود بن محمد صاحب الوزير، وكان في وسط المسجد محراب مبني من الطوب، يُقال إنه من بناء حاطب ابن بلتعة رسول النبي إلى المقوقس، وقيل إنه أول محراب اختط في مصر.

محمود

صاحب المسجد محمود ابن سالم، كان رجلاً جندياً من جند السري بن الحكم أمير مصر. وهناك قصة ترتبط ببناء المسجد، تفيد أن السري بن الحكم ركب يوماً فعارضه رجل في طريقه فكلمه ووعظه بما غاظه، التفت عن يمينه فرأى محمود فأمر بضرب عنق الرجل، ففعل، ولما رجع محمود إلى منزله تفكر وندم وكثر بكاؤه وآل على نفسه أن يخرج من الجندية، وأقبل على العبادة واتخذ المسجد المعروف باسمه وأقام فيه.

نقل الجبل

ارتبط المقطم بمعجزة في الفكر المسيحي، حيث يقول الدكتور جمال هيرمينا أستاذ الآثار القبطية، إن المعجزة تمثلت في نقل الجبل من مكانه في عهد الدولة الفاطمية. إذ يُروى أن وزيراً يهودياً يدعى يعقوب بن كلس، كان مقرباً من المعز لدين الله الفاطمي، وحاول الوزير أن يوقع بين الحاكم وبطريرك الأقباط في ذلك الوقت إبرام السرياني، فقال للمعز إن هناك آية في الإنجيل تقول: "إن من له إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل"، وبالتالي عليك بصفتك الحاكم أن تطلب من البطريرك أن ينقل الجبل من مكانه في شرق القاهرة، وإن لم يستطع فإن دينه يكون باطلاً. وبالفعل طلب المعز من البابا إثبات صحة هذه الآية ونقل جبل المقطم، وطلب السرياني من الخليفة مهلة ثلاثة أيام حتى يثبت له المعجزة. فجمع شعب الكنيسة وظل يصلي ثلاثة أيام متواصلة داخل كنيسته، في منطقة مصر القديمة، حتى ظهرت له السيدة مريم وقالت له إن هناك شخصاً يدعى سمعان الخراز سينقل الجبل وليس أنت، فأحضره الأنبا وصليا لله وتم نقل الجبل.

معجزة نقل الجبل نتجت عنها فجوة هائلة تحت صخرة كبيرة، تحولت إلى كنيسة في عهد الدولة الفاطمية، هذه المغارة يشغلها الآن دير القديس سمعان الخراز، الذي تمت على يديه المعجزة، هكذا قال ماجد الراهب، الباحث القبطي، ورئيس جمعية الحفاظ على التراث المصري لرصيف22. مشيراً إلى اكتشاف صور منحوتة في الحجر داخل الكهف الأثري.

دير القديس سمعان الخراز

ويوضح الراهب أنه تم تأسيس الكنيسة رسمياً في 13 أبريل عام 1974، بعد قرار محافظ القاهرة في أواخر عام 1969، بنقل جامعي قمامة القاهرة إلى منطقة نائية على إحدى قمم جبل المقطم ليقطنوا فيها.

ويشير إلى أن هذه المنطقة وغرائبها شدت انتباه سائح بولندي يدعى ماريو جاء لزيارة مصر منذ سنوات، وشعر بالرغبة في الإقامة في الدير. وخلال فترة إقامته، استطاع أن ينحت لوحاً من الخشب للقديس سمعان الخراز. وعندما أعجب به القس سمعان راعي الكنيسة ورئيس الدير، طلب منه أن ينحت تماثيل تحكي سيرة القديسين داخل الصخور، لتكون بمثابة معرض يحكي سيرتهم لزوار المكان. واستقر في مصر وأقام داخل الدير، وتزوج مصرية من صعيد مصر، وتفرغ لنحت صخور هذا الجبل، لتتحول إلى متحف لتماثيل القديسين.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة